البحث عــن لطيفة الزيات
منير مطاوع
الغاضبة التى مارست الاعتقال كأسلوب حياة
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
جمعتنى بالدكتورة لطيفة الزيات مناسبة عظيمة هى الاحتفال باليوم العالمى للطلاب 21 فبراير..
كان ذلك فى برنامج تليفزيونى تقدمه ألمع نجمة تليفزيونية عرفتها مصر: ليلى رستم، ويعده مثقف مستنير هو سيد خميس.. ولا تسعفنى الذاكرة باسم المخرج للأسف الشديد.
كان ذلك فى 21 فبراير سنة 1964.. وكنت طالبًا فى أولى سنواتى فى كلية الفنون الجميلة ومحررًا تحت التمرين فى «صباح الخير».. والبرنامج «عشرين سؤال» عبارة عن مسابقة تنافست فيها مع كرم شلبى وكان قد تخرج من قسم الصحافة فى كلية آداب جامعة القاهرة.. وكان دور الدكتورة لطيفة هو تحديد الفائز فى المسابقة بعد إدارة المنافسة، وقد أعلنت فى نهاية الحلقة فوزى ومنحتنى كأسًا فضية كبيرة.
كان علىّ قبل الحضور لمبنى التليفزيون «ماسبيرو» أن أذاكر الوقائع التى ترتب عليها اختيار هذا التاريخ بالذات ليكون يوم الطلاب العالمى.

فعرفت أنه اختير تكريمًا لتاريخ طلاب مصر فى الحركة الوطنية ضد الاستعمار البريطانى ومناداتهم بالجلاء وحرية التعليم وتعرض مظاهرتهم للسحق وسقوط أعداد منهم فى واقعة فتح كوبرى عباس عليهم خلال هذه الأحداث فى فبراير سنة 1946.
وقتل الكثيرون منهم فى ذلك اليوم التاريخى.
ومما عرفته عن وقائع هذا اليوم أن اللجنة الوطنية للطلاب والعمال كانت تقودها طالبة الآداب لطيفة الزيات ويحملها المتظاهرون على أكتافهم لتهتف بالشعارات الوطنية.
كما كانت تلقى الخطب الحماسية والمحاضرات عن حق الشعب فى استقلال بلاده وحريته فى ممارسة حياته السياسية والاجتماعية، وأعطى وجودها مع زميلتها فاطمة زكى دلالة قوية على اقتحام المرأة المصرية مجال النضال الوطنى.
وكان من المشاركين فى المظاهرات يوسف إدريس طالب الطب وأحمد بهاء الدين طالب الحقوق وغيرهما كثر. وعلمت أن رئيس الوزراء إسماعيل صدقى الذى عينه الملك بعد استقالة رئيس الحكومة محمود النقراشى بضغط المظاهرات، كان الشارع المصرى يعتبره «عدو الشعب».
وعلمت أن مؤتمرًا دوليًا عقد فى براغ عاصمة تشيكو سلوفاكيا حضرته إنجى أفلاطون وسعاد زهير، قرر اختيار يوم 21 فبراير من كل عام ليكون اليوم العالمى للطلاب تكريمًا لطلاب مصر والهند فى كفاحهم من أجل استقلال الوطن واستقلال التعليم.
لقاء مفاجئ!
لم يخطر ببالى وأنا فى طريقى إلى الاستديو فى ماسبيرو أننى سألتقى الزعيمة الطلابية لطيفة الزيات.
لكنى فوجئت بها، وشعرت بأننى ألتقى جزءًا حيًا من التاريخ القريب 1946 ونحن فى سنة 1964 بعد حوالى 3 عقود.
لا أعرف كيف أعبر عن سعادتى بهذا اللقاء، وكيف كانت الدكتورة قد تحوّلت فى ذهنى إلى أيقونة ترمز للمرأة المصرية فى أكمل صورها.
ودار بيننا حديث قبل وبعد بث البرنامج، رسّخ فى عقلى مفهومًا واضحًا عن مكانة المرأة ودورها وضرورة تمكينها من الحضور العام والمشاركة فى بناء الوطن.
فيما بعد وجدتنى أراجع تاريخ هذه الأيقونة، فعرفت أنها من أوائل البنات المصريات اللاتى دخلن الجامعة. لكن كيف تفتح وعيها السياسى؟
تجيب هى عن هذا السؤال فى كتاب السيرة الذاتية الذى وضعته -فيما بعد- بعنوان «حملة تفتيش..أوراق شخصية» فتقول إنها كانت فى عمر الحادية عشرة عندما شاهدت فى المنصورة حيث كانت عائلتها تقيم، مظاهرة صاخبة يقوم رجال الأمن ببنادقهم السوداء الغليظة بضرب المتظاهرين وإطلاق الرصاص عليهم فتفور دماؤهم. كانت تشاهد كل هذا من بلكونة شقتها فنزلت للشارع لتشارك فى المظاهرة.

كان ذلك فى سنة 1934, أى قبل 12 سنة من قيامها بقيادة مظاهرات 1946 التى احتشد فيها عشرات الآلاف من الطلاب والعمال ومختلف فئات الشعب وتحركت فى اتجاه ميدان الإسماعيلية (التحرير) فقامت قوات الجيش البريطانى المتمركزة فى سكناتها فى الميدان (مكان فندق هيلتون) بإطلاق النار على المتظاهرين وسقط العديد من القتلى.
لكن هذه الوقائع نتجت عنها بعد ذلك قرارات انسحاب القوات الإنجليزية من قلب القاهرة ومدن مصر إلى منطقة قناة السويس.
وكان من نتائج انتفاضة 1946 اعتقال قياداتها.. وتم اعتقال لطيفة الزيات ضمن حملات اعتقالات شملت قيادات طلابية ومثقفين يساريين وأعضاء فى الطليعة الوفدية, ومعروف أن الطالبة لطيفة الزيات كانت يسارية الهوى وانضمت إلى إحدى المنظمات الماركسية وقد صدر الحكم عليها بالسجن مع وقف التنفيذ لكنها فى مرحلة تالية اعتقلت.
ولدت لطيفة الزيات فى دمياط سنة 1923 وهذا يعنى أنها كانت فى ربيعها الثالث والعشرين عندما خاضت وقادت مظاهرات المطالبة بالجلاء.
وفى العام نفسه تخرجت فى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.
رئاسة الأكاديمية
عندما التقيتها سنة 1964كانت أستاذة فى معهد الفنون المسرحية وأصبحت فيما بعد رئيسة قسم الأدب والنقد فى المعهد، وقبلها كانت قد حصلت على درجة الدكتوراه عام 1957 وعمرها 34 سنة فى اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة القاهرة.
وعرفت فيما بعد، أنها تقلدت عدة مناصب منها التدريس فى جامعة عين شمس والإشراف على الملحق الثقافى فى مجلة «الطليعة» وكانت لها مشاركة نقدية لسنوات طويلة البرنامج الثانى للإذاعة، كما كانت تكتب مقالات فى مجلة «حواء» بوصفها من زعيمات حركة المرأة المصرية.. كما تولت رئاسة أكاديمية الفنون.
ولعل ريادتها تتعدى النضال السياسى الوطنى ضد الاستعمار، والعمل الأكاديمى والنقد الأدبى ورعاية الأجيال الجديدة من الأدباء والأديبات من خلال الملحق الأدبى لمجلة «الطليعة» والدعوة لتحرير المرأة والمجتمع.

فقد كانت رائدة فى مجال الإبداع الأدبى بروايتها الشهيرة «الباب المفتوح» التى كانت أول رواية تتحدث عن معاناة المرأة فى المجتمع وكانت باكورة إبداعات الأدب الذى تكتبه المرأة المصرية عن قضيتها وتطلعاتها.. وتحولت الرواية إلى فيلم قامت ببطولته فاتن حمامة ونالت عنه جائزة.
يرى النقاد أن رواية «الباب المفتوح» واحدة من نقط التحول فى تاريخ الرواية العربية. إذ إنها قدمت المرأة لأول مرة كبطلة تحرك مجريات الأمور، وأخرجتها من الهامش.
وصدرت للمجتمع صورة المرأة التى تسعى وتبحث عن التحرر.
وفتحت بذلك الباب أمام الكاتبات للتعبير بواقعية عن قصص النساء وواقعهن فى المجتمع المصرى خاصة والمجتمع العربى عامة.
وكتبت روايات أخرى ومسرحية كما أن لها كتبًا فى النقد الأدبى.
ولا أنسى أنها كانت أول الفائزات بجائزة نجيب محفوظ، كما أنها حصلت على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب.
ووصفها بالأيقونة هو تعبير عن مكانتها ودورها وبطولتها منذ مطلع شبابها فى قيادة حركة الشعب المصرى فى مواجهة الاستعمار البريطانى وأعوانه فى مصر.. ودورها السياسى فى الدفاع عن حرية المرأة ضمن حركة الدفاع عن الحريات العامة وليس لتحرير المرأة من الرجل كما انحرفت بعض الزعامات النسائية فكريًا.
أما أهم أدوار لطيفة الزيات فى الحياة السياسية فى تقديرى الخاص فهو تأسيسها وقيادتها لمدة 17 عامًا للجنة الدفاع عن الثقافة القومية التى ناضلت وأنجزت شعار عدم التطبيع الثقافى مع إسرائيل فامتنعت كل الهيئات الممثلة للمثقفين عن ممارسة كل أشكال التطبيع بما فى ذلك هيئات التدريس فى الجامعات والنقابات الفنية وعارضت اللجنة مشاركة إسرائيل فى معرض الكتاب ونجحت فى منعها.
عاقبها الرئيس السادات بالاعتقال لعدة شهور ضمن حملته التى شملت 1800 مثقف مصرى من كل أطياف المجتمع فى 5 سبتمبر1981.
وهكذا اعتقلت لطيفة الزيات فى الأربعينيات ثم فى الثمانينيات!
وفى الأسبوع المقبل نواصل