السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

لماذا أعاد محفوظ «ألف ليلة»؟ "الحلقة الأولى"

لماذا كتب نجيب محفوظ روايته «ليالى ألف ليلة»؟، هل كانت له وجهات نظر مختلفة حول شخصياتها ولياليها؟



هل شغلته شهر زاد كما شغلت طه حسين وتوفيق الحكيم، وعلى أحمد باكثير، وفتحى غانم، والكاتب الفرنسى دورنييه، والموسيقى كورساكوف وكاتب الأوبرا الفرنسى موريس رافيل، فكانت لهم عنها أعمال إبداعية رائعة؟

هل قرر إعادة صياغة ألف ليلة وليلة على طريقته الخاصة؟  فهى كنز الحضارة الشرقية بوجه خاص.

 

كتاب ألف ليلة وليلة مكث فى مصر ستة قرون يتقلب على ألسنة القصاصين المصريين قبل أن يستقر مدونًا بأقلام بعضهم فى بدايات فترة دخول العثمانيين إلى مصر فى الربع الأول من القرن السادس عشر، ولعل ذلك ما دفع مستشرقًا مثل ماكدونالد فى دائرة المعارف الإسلامية لأن يشيد بعبقرية القصاص المصرى الذى صاغ ألف ليلة وليلة، ويضيف ماكدونالد أن النواة الأصلية لكتاب «ألف ليلة وليلة» مأخوذة عن كتاب قصص فارسى يعرف بكتاب «هزار أفسانة»، ولكن عبقرية القصاص المصرى دفعت بهذا العمل إلى مقدمة الإبداع، كما يقول أحمد سويلم فى كتابه استلهامات ألف ليلة وليلة فى الشرق والغرب.

هذه اللحظة التى قرر فيها محفوظ كتابة أو نشر روايته «ليالى ألف ليلة» كانت عام 1982 فصدرت الطبعة الأولى من الرواية فى هذا التاريخ، ليستعيد بها محفوظ عبقرية السرد المصرى،  وفوح عطر الحكاية المصرية الأصل، والبهار، وجزر اللآلئ وطعم الإبداع الفذ والمغاير، ويقول د.حسين فوزى فى كتابه «حديث السندباد القديم» أن نجيب محفوظ قد قال فى حوار «إن ألف ليلة وليلة صيغت فيما يشبه دائرة معارف نفسية اجتماعية متكاملة، وسعت إلى أن تحتوى الحقائق الإنسانية بكل ما فيها من مستويات وبكل ما فيها من جوانب خفية أو معلنة».

الليالى الألف

إذن فهذا الإعجاب الوافر بليالى ألف ليلة وليلة قد تأثر به عالمه الأدبى بشكل عام، لكن روايته ليالى ألف ليلة هو العمل الأكثر تركيزًا على تناول الليالى،  وأول ما نلاحظه على عتبة النص الأولى العنوان: أن محفوظ قد تخلص من كلمة ليلة!، فالعنوان الأصلى للكتاب التراثى هو «ألف ليلة وليلة»، لكن محفوظ اختار لروايته عنوان: ليالى ألف ليلة، ولم يضف هذه الليلة ويقال إن العرب كانوا يتشاءمون من الأرقام المدورة كالعشرة والمائة، والألف، فأضافوا ليلة إلى الألف، وهذا يوحى بروح اللغة، وميلها إلى الموسيقى اللفظية كما يرى «جيلد ميستر» ويذكر أن العرب لديهم كتابين ينتميان إلى القرن الثالث عشر هما: 

«ألف جارية وجارية» و«ألف عبد وعبد»، فكانت هذه التسمية للكتاب الأصلى: «ألف ليلة وليلة».

(أحمد سويلم: استلهامات ألف ليلة وليلة)

وفى رأيى أن محفوظ قد تخلص من هذا التشاؤم القديم منذ العتبة الأولى لنصه فسماه «ليالى ألف ليلة»، حاذفًا كلمة «وليلة» ولهذا دلالة تتضح من قراءة تفاصيل الرواية التى صدرت طبعتها الخامسة عن الديوان وقد ازدانت الرواية بالعديد من الاختلافات المغايرة لألف ليلة وليلة الكتاب التراثى الأصلى، فشهر زاد عند محفوظ ليست هى الراوية التى تسلى شهريار بحكاياتها فقد انتهت من هذه المرحلة معه، ودفعته إلى مرحلة إذكاء الوعى بمخالطة الرعية، وبممارسة جديدة لشئون الحكم، وأصبحت هى إحدى شخصيات الرواية عند محفوظ، تتوقف عن الحكى لتترك لشهريار اكتشاف محيطه الاجتماعى، والطبيعة الحقيقية لمجتمعه فعرف معروف الإسكافى،  والسندباد، كما عرف من ولاهم: على السلولى،  وخليل الهمذانى،  وعرف التجار ومنهم صنعان الجمالى، وولى الوزراء مثل الوزير دندان والد شهريار ودنيا زاد، وعيّن كبار رجال الشرطة مثل جمصة البلطى،  وغيره، فهو الآن يقترب بنفسه من مجتمعه، بعيدًا عن حكايات شهرزاد المسلية، وكأنها كانت السبب الرئيسى فى إقناعه بحكاياتها وإزالة هذا الفاصل وتلك الحواجز بينه وبين الرعية.

 

 

 

شكاية شهر زاد

بل تحولت شهر زاد إلى شخصية مظلومة تفضى بشكايتها إلى أبيها الوزير «دندان» فتقول:

نجوت من المصير الدامى برحمة من ربنا،

فغمغم الرجل شاكرًا

فقالت بمرارة: ليرحم الله العذارى البريئات

- ما أحكمك وما أشجعك

فقالت هامسة: ولكنك تعلم يا أبى أنى تعيسة

- حذار يا ابنتى فإن الخواطر تتجسد فى القصور وتنطق

فقالت بأسى: ضحيت بنفسى لأوقف شلال الدم

فتمتم: لله حكمته

فقالت بحنق: وللشيطان أولياؤه

قال بتوسل: إنه يحبك يا شهر زاد

- الكبر والحب لا يجتمعان فى قلب، إنه يحب ذاته أولًا وأخيرًا

- للحب معجزاته أيضًا

- كلما اقترب مني تنشقت رائحة الدم

- السلطان ليس كبقية البشر

لكن شهرزاد تندفع للتعبير عن ثورتها الداخلية، ولم تخش أن للحيطان آذانًا فى عهد شهريار، وتفصح لأبيها فتقول إن مقامها الحقيقى هو مقام الصبر: لكن الجريمة هى الجريمة كم من عذراء قتل، كم من تقى ورع أهلك، لم يبق فى المملكة إلا المنافقون فقال بحزن:

ثقتى بالله لم تتزعزع قط

- أما أنا فأعرف أن مقامى فى الصبر كما علمنى الشيخ الأكبر، فقال دندان باسمًا: نِعم الأستاذ ونعم التلميذة صاحب الآخر

المفارقة أن الاتجاه نحو التغيير قد أتى من مصدرين مختلفين فى ليالى محفوظ، المصدر الأول هو الشيخ عبدالله البلخى الذى يشبه كثيرًا الشيخ عبدربه التائه فى بعض أعمال محفوظ، فالبلخى هو صاحب الأثر العميق فى الشخصيات فى فكر شهرزاد، وفى فكر السندباد على سبيل المثال.

والمصدر الآخر للتغيير كان فى كائنات غير منظورة، تأتى من عالم آخر لكن لها سطوة ونفوذًا، كالعفاريت من الجن تتدخل فى أمور الإنس فتغيرها ومنهم: قمقام، وسنجام، ليفصح محفوظ مجالًا كبيرًا لإعمال الخيال، وإتاحة الفرصة لعنصر المفارقة الذى يتجلى فى الحوار بين الإنس والجن، وكأن هذه القوى تتمتع بشجاعة الجرأة والمواجهة، قمقام يحاور صنعان الجمالى ويدفعه لقتل حاكم الحى على السلولى لأنه فاسد ولأنه سخر قمقام عن طريق السحر الأسود ليقوم بأعمال لا يرضاها على نفسه، تؤرق ضميره كجني! وهو نفسه يريد أن يتحرر من هذا السحر وقيوده، والجنى سنجام الذى يحاور رئيس الشرطة جمصة البلطى ويناقشه فى ما قام به من مظالم تجاه العباد.

وحتى الجن فيهم من يطالب بالتغيير ويتحرر عن طريق النصح والإرشاد مثل سنجام، ومنهم من يدل الآخرين على طريق العنف وإغراء الآخرين به مثل قمقام.. وكأن شهريار يطل علينا هو الآخر من طريق قمقام المؤمن بالعنف والقسوة، وفى حوار دال بين «شهريار» الملك، والوزير دندان يتضح فكر شهريار ورؤيته لكيفية تحقيق العدل فيقول لوزيره: العدل له وسائل متباينة منها السيف، ومنها العفو ولله حكمته فيقول له دندان:

«سدد الله خطاك إلى حكمته يا مولاى».

لا أريد أن أكون بطلًا

قمقام عفريت من الجن، يعتقد فى إمكانية تغيير مصيره والسحر الذى يجبره عليه حاكم الحى على السلولى ولذا يريد قتله، واختار قمقام ذلك التاجر المشهور صنعان الجمالى ليقوم بذلك، والحوار هو أبرز طرق السرد التى أبرزت المفارقة والصراع بين شخصيات الرواية، فيقول صنعان الجمالى لقمقام بلوعة وعتاب قاس:

ألم تتدخل فى حياتى،  وتحملنى على قتل هذا الرجل؟

قمقام: كنت راغبًا بحرارة فى التحرر من شر السحر الأسود فاخترتك لإيمانك رغم تأرجحك بين الخير والشر، قدرت أنك أولى من غيرك بإنقاذ حيك ونفسك.

فقال بيأس: لكنك لم توضح لى أفكارك؟

- وضحتها بالقدر الكافى لمن يفكر

- مكر غير محمود.. من قال إنى مسئول عن الحي؟!

- إنها أمانة عامة لا يجوز أن يتبرأ منها إنسان أمين، ولكنها منوطة أولًا بأمثالك ممن لا يخلون من نوايا طيبة. فيذكّره «صنعان» بأنه قد أنقذه من واقعة ارتكبها تحت تأثير «المنزول»، جريمة اغتصاب الطفلة ابنة «بسيمة»، فيقول له «قمقمام» إنه أنقذه فقط ليقوم بتنفيذ خطته فى اغتيال على السلولى، وكأنه يقول ما أصابك من شر فمن نفسك، أمرتك باغتيال سياسى، على أساس أن حاكم الحى هو أحد رجال الملك شهريار، ولم آمرك أن تغتال طفلة بريئة.

فيركع «صنعان الجمالى» أمام شر قمقام، عاجزًا عن استيعاب مأساته:

ما فعله به المنزول، واغتيال زهرة بريئة 

يقول لقمقام:

ارحمنى وانقذنى

- لا تبدد تضحيتك فى الهواء

- إنه مصير أسود

- فاعل الخير لا تكربه العواقب 

هتف بذعر: لا أريد أن أكون بطلًا

فقال قمقام بأسى: كن بطلًا يا صنعان هذا قدرك

ومضى الصوت يتلاشى وهو يقول:

- أستودعك الله، وأستغفره لى ولك

ندت عن «صنعان» صرخة ترامت إلى «بطيشة مرجان ورجال الحرس فى الخارج».

لعنة الخداع

لقد تخلى عنه الشيطان بعدما امتثل لأوامره فارتكب صنعان ما ارتكب وتركه الشيطان يواجه مأساته وحده، وفى مشهد يكتشف فيه صنعان الهوة التى سقط فيها، وكانت مغطاة بأوراق الخداع، هذا التردى الذى جعل يديه ملوثتين بالدماء: دماء الطفلة ابنة بسيمة وإزهاق روح على السلولى.

فيقول صنعان لشيطانه «قمقام»:

- أنقذنى فقد كرهت المكان والمنظر، فقال بهدوء وعطف: إيمانى يمنعنى من التدخل بعد أن ملكت حرية إرادتى

- لا أفقه معنى لما تقول

- عيبك يا صنعان أنك لا تفكر كإنسان

- رباه، لا وقت للجدل، أتزمع تركى لشأني؟

- هذا تمامًا ما يقتضيه واجبى

فصاح:

يا للفظاعة، لقد خدعتنى

- بل منحتك فرصة للخلاص

قلما تتاح لحى.

أما «سنجام» فقد استطاع أن يحدث تغييرًا أساسيًا فى شخصية «جمصة البلطى» رئيس الشرطة، فواجه «سنجام» كاشفًا أنه سخر قدراته لخدمة الحكام، وأنه لم يحكم عقله ولا ضميره فيما يصدره السلطان له من أوامر، ،وفى حوار بين «سنجام» و«جمصة» عن الرحمة تتبدى حدة المواجهة واكتشاف «جمصة» لجانب خفى من نفسه. يقول جمصة لسنجام:

«نحن نؤمن بالرحمة حتى ونحن نضرب الأعناق ونجتث الرءوس

- يا لك من منافق، ما عملك؟

- كبير الشرطة

- يا لها من ألقاب، هل تؤدى واجبك بما يرضى الله؟

فقال جمصة بقلق: واجبى أن أنفذ الأوامر

- شعار لا يصلح لتغطية الخبائث 

- لا حيلة لى فى ذلك

- إذا دعيتم لخير ادعيتم العجز، وإذا دعيتم لشر بادرتم إليه باسم الواجب!

وبعد مقتل على السلولى ومصادرة أموال صنعان الجمالى،  وتعليق رأسه على باب داره لاغتياله السلولى يتولى خليل الهمذانى حكم الحى.

ويعلق السارد أنه أخذ نصيبه من أموال صنعان المصادرة، وأعطى نصيبًا لبطيشة مرجان، ولجمصة البلطى ويتساءل من أين يجيء شهريار بهؤلاء الحكام؟

يواجه سنجام جمصة البلطى بأنه ينهب الأموال، ويطارد الشرفاء من أهل الرأى والاجتهاد، وفى محادثة كاشفة تضطرم بعدها أفكار جمصة البلطى عن نفسه، وعن حقيقة دوره فى مجتمعه، فيواجه اتهامات سنجام قائلًا: «إنى منفذ الأوامر، وطريقى واضحة

 

 

 

- بل تطاردك لعنة حماية المجرمين واضطهاد الشرفاء

- ما فكر رجل وهو يؤدى واجبه هذا إلا هلك

- إذن أنت أداة بلا عقل

- عقلى فى خدمة واجبى

- عذر من شأنه أن يهدر إنسانية الإنسان.

وهنا يحاسب جمصة نفسه ويشعر فى قرارة ذاته أنه لص، حامى المجرمين ومعذب الشرفاء، نسى الله حتى ذكره به عفريت من الجن.

الحق لأول مرة

هنا يذهب جمصة البلطى إلى الشيخ عبدالله البلخى ليستشيره فى أمره، فكان الشيخ حاسمًا معه يقول جمصة:

الأمر يحتاج إلى مشاورة

فيقول الشيخ: كلا إنه قرارك وحدك

فقال بتوسل: اسمع حكايتى العجيبة 

فقال بهدوء: كلا يهمنى أمر واحد

فسأله بلهفة: ما هو يا مولاى؟

- أن تتخذ قرارك من أجل الله وحده

فقال بحيرة: لذلك أحتاج إلى الرأى

فقال الشيخ بهدوء حازم:

الحكاية حكايتك وحدك، والقرار قرارك وحدك.

وهنا يعزز النص مسئولية الفرد عن أفعاله وقراراته، وقدرته على الاختيار، وعندما غدا «جمصة» مسئولًا عن قراراته، وقد أعمل عقله، عاد إلى مركز عمله فأفرج عن المخالفين فى الرأى من الشيعة والخوارج، وأفرج عن الجنود المحبوسين والضحايا.

وفى مواجهة مع حاكم الحى خليل الهمذانى الذى يسأله إن كان قد ألقى القبض على من سرق الجواهر من داره دار الهمزاني؟

فقال له جمصة: من أجل ذلك جئت 

فأسقط فى يد الحاكم وسأله:

- أتظنه فى داري؟

فأشار جمصة إلى الحاكم قائلًا:

- وها هو يتكلم بلا حياء

فاتهمه الهمذانى بالجنون

فقال له جمصة:

إنه الصدق يقال لأول مرة

تحفز الحاكم للعمل فامتشق جمصة سيفه وهو يقول: ستنال جزاءك الحق.

وهدده الهمزانى بأنه سيلقى بنفسه إلى مقتله، فوجه إليه جمصة ضربة قاضية بسيفه، وتم إلقاء القبض عليه بعدها. ويقول السارد واصفًا عالمه الداخلى فى هذه اللحظة الفارقة:

شعر بأنه يخطو فوق جلاديه، وبأنه لا يبالى الموت بأى قدر جاء، وقال لنفسه إن الإنسان أعظم مما تصور.

فى مواجهة شهريار 

وفى مواجهة جديدة مع الملك شهريار اعترف جمصة بأنه يأبى أن يكون حاميًا للمنحرفين، وجلادًا لأصحاب الرأى والاجتهاد وأن ظهور «سنجام» فى حياته قد غيره.

فتابعه شهريار باهتمام ثم قال بحسم:

سنجام جمصة، عقب قمقام صنعان الجمالى،  أصبحنا فى زمن العفاريت الذين لا هم لهم إلا قتل الحكام، ثم أمر بضرب عنقه، وتعليق رأسه على باب داره، ومصادرة أمواله.

وهنا لم تكن شهرزاد تحكى..، ولا عند هذه النقطة تتوقف عن الكلام المباح، ولم تسترسل فى الحكايات ولم تمض فى غوايتها لشهريار، ولم تضع يدها على فمها وهى تتثاءب، وتقول:

مولاي!

بل أصبح هناك أكثر من راو وسارد، كل يحكي على ما حدث له ومعه، وكيف تغير؟ وما المؤثرات التى كانت وراء التغيير، وكأن نص محفوظ يلزم المرء بإعمال عقله، ويضع على أولوية التفكير إنسانية الإنسان معززًا حرية الرأى وحرية الاعتقاد.

وإلى حلقة قادمة