السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
«الدعوة» بالتحرش الجنسى

كيف أسقطت فضيحة حفيد المرشد آخر أوراق التوت عن إخوان الإرهاب

«الدعوة» بالتحرش الجنسى

يعيش تنظيم الإخوان «الإرهابى» حالة من الصدمة والارتباك مع تعدد وقائع تورط قياداته فى فضائح مالية وأخلاقية وصلت المحاكم، ما بين التحرش الجنسى وهتك العرض وصولًا إلى سرقات مالية والاستيلاء على أموال الجماعة الإرهابية وإنفاقها فى مظاهر بذخ، ما أسقط ورقة التوت الأخيرة حول شعارات التنظيم المحظور وانكشاف متاجرته بالدين والشعارات لتحقيق أغراض شخصية وأجندات خارجية.



آخر فضائح تنظيم الإخوان الإرهابى كان صدور قرار محكمة فى العاصمة الفرنسية باريس غيابيًا بإدانة عضو جماعة الإخوان طارق رمضان حفيد حسن البنا مؤسس الجماعة الإرهابية، بالسجن لمدة 18 عامًا بتهمة اغتصاب ثلاث نساء بين عامى 2009 و2016، فى واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بحركة «مى تو MeToo» النسوية العالمية حيث ثبتت إدانته بجميع التهم المنسوبة إليه، ما يمثل كشفًا لسلوكه الحقيقى الذى حاول إخفاءه لمكانته الأكاديمية والاجتماعية.

 

 

 

اسمه بالكامل طارق سعيد رمضان ولد فى 26 أغسطس 1962 فى جنيف، سويسرا... يحمل الجنسية السويسرية... والدته هى وفاء البنا ابنة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، ووالده الدكتور سعيد رمضان سكرتير البنا.. والأب والأم هاجرا بعد مقتل البنا 1949.

واعترف حفيد مؤسس جماعة الإخوان بالاتهامات وذلك بعد نفيه الاتهامات الموجهة إليه أمام المحكمة الفرنسية، فأصدرت رئيسة جلسة المحاكمة «كورين جويتزمان» مذكرة توقيف للباحث البالغ من العمر 63 عامًا، مشيرة إلى أن تنفيذ العقوبة لا يمكن أن يتم إلا بعد القبض عليه فى فرنسا... كما حظرت المحكمة على رمضان دخول الأراضى الفرنسية مرة أخرى بعد انتهاء فترة العقوبة.

كان حفيد البنا قد أدين فى عام 2024 فى قضية منفصلة بالاغتصاب والاعتداء الجنسى فى سويسرا، ورفضت المحكمة العليا السويسرية فى العام التالى استئنافه، مؤكدة عقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات، مع تعليق سنتين منها، ولم يحضر رمضان المحاكمة فى باريس شخصيًا هذا الشهر، حيث استند محاموه إلى ما وصفوه بـ«انتكاسة» مرض التصلب المتعدد التى استلزمت إدخاله المستشفى فى جنيف، لكن هذا الادعاء رفض بعد تقييم طبى أُجرى بأمر من المحكمة.

ويُعد «رمضان» حفيد حسن البنا، المؤسس لجماعة الإخوان «الإرهابية» خلال عشرينيات القرن الماضي، وكان قبل ظهور هذه الاتهامات أستاذًا للدراسات الإسلامية المعاصرة بجامعة أوكسفورد، ويُعرف بمواقفه الأكاديمية التى اعتبرها النقاد متطرفة، بينما ينفى أى صلة بحركات متطرفة.

ومن المهم هنا الإشارة لأول من فضحت «رمضان».. وهى هندة عياري، سلفية سابقة وناشطة نسائية علمانية حالياً، وكانت أول من قدم شكوى ضده لدى النيابة العامة فى مدينة روان فى شمال غرب فرنسا، حيث تقيم.. وتضمنت الشكوى حسب ما ورد فى نصها اتهامات بارتكاب «جرائم اغتصاب واعتداءات جنسية وأعمال عنف متعددة وتحرش وتهديد».

 

 

 

وقتها كانت هندة تبلغ الأربعين من العمر وهى رئيسة جمعية المتحررات، وكانت قد أعلنت على صفحتها على مواقع التواصل «فيسبوك» أنها كانت «ضحية لشيء خطير جداً قبل سنوات» وبأنها لم تكشف يومها اسم المعتدى بسبب «التهديدات التى وجهها إليها». 

وفى كتابها بعنوان «اخترت أن أكون حرة»، الذى صدر فى نوفمبر 2006 عن دار «فلاماريون»، وصفت عيارى المثقف الذى اعتدى عليها وأعطته «اسمًا حركيًا»، وروت كيف التقته فى أحد فنادق باريس بعد أن ألقى محاضرة.

وأضافت على «فيسبوك»: «الأسباب متعلقة بالحياء. لن أقدم تفاصيل حول ممارساته التى عانيت منها، ويكفى القول إنه استفاد كثيرًا من هشاشتي»، قبل أن تضيف: «تمردت بعد ذلك وصرخت فى وجهه طالبة منه أن يتوقف، فشتمنى وصفعنى وضربني».

وتابعت هندة عيارى: «أؤكد اليوم أنه طارق رمضان»... وقال أحد محاميها جوناس حداد: «هندة عيارى لم تتكلم قبلاً لأنها كانت خائفة».. وتابع: «مع بدء الكلام عن الاعتداءات الجنسية فى العالم منذ أيام، قررت أن تروى ما عانت منه والتوجه إلى المحاكم».

ويمثل هذا الحكم الأخير ضربة قوية لشخصية إخوانية معروفة دوليًا، ويعكس تأثير حركة «MeToo» فى كشف ملفات الاعتداءات الجنسية على نطاق واسع وملاحقة المسئولين عنها قضائيًا.

لم تكن القضية مجرد حكم قضائى صدر فى باريس، ولا مجرد سقوط مدوٍ لشخصية عامة... ما حدث مع طارق رمضان حفيد مؤسس جماعة الإخوان الإرهابية بدا، للوهلة الأولى، كقصة فردية: مفكر إسلامى بارز، حفيد حسن البنا، يُدان بتهم اغتصاب بعد سنوات من التحقيقات... لكن القراءة المتأنية البعيدة عن الانفعال تكشف أن القضية تفتح بابًا أوسع بكثير.. بابًا يتعلق بكيف تُنتج التنظيمات المغلقة تصوراتها عن المرأة، وكيف تتعامل مع اختلالات القوة داخلها… وكيف تصمت.

منذ نشأتها، قدمت جماعة الإخوان المسلمين نفسها بوصفها مشروعًا أخلاقيًا قبل أن تكون مشروعًا سياسيًا... فى هذا الإطار، لم تكن المرأة غائبة، لكنها كانت دائمًا مُعرّفة من خلال دورها: زوجة.. أم.. حاضنة للقيم.. عنصر داعم، لا فاعل مستقل.. هذه الرؤية، فى ظاهرها محافظة تقليدية.. لكن فى عمقها، تؤسس لعلاقة غير متكافئة بين من يمتلك سلطة التوجيه (القيادة).. ومن يُطلب منها الامتثال (المرأة داخل الإطار التنظيمي).. وهنا يبدأ الخلل... فالتنظيمات ذات الطابع العقائدى المغلق تميل إلى إنتاج خطاب أخلاقى صارم.. مراقبة السلوك الفردى لأعضائها.. ربط السمعة الشخصية بصورة الجماعة.

لكن هذه الصرامة لا تعمل دائمًا فى اتجاهين... فى كثير من الأحيان، تتحول الأخلاق إلى أداة لضبط القاعدة… لا لمحاسبة القمة... وهنا تظهر المفارقة.... المرأة مطالبة بالانضباط الكامل بينما القيادى يمتلك مساحة أوسع للحركة، محمية بمكانته.. هذا الاختلال يُنتج بالضرورة انتهاكًا… ويخلق بيئة قابلة لحدوثه.

فى لحظةٍ ما، تتوقف الكلمات عن أداء دورها المعتاد. لا تعود مجرد وسيلة للتفسير أو الدفاع، بل تتحول إلى أدلة… أو قرائن… أو حتى عبء على صاحبها... هكذا قرأت الصحافة الأوروبية والأمريكية قصة طارق رمضان.. ليس بوصفها قضية جنائية فحسب، بل كتحول درامى من «نص فكري» إلى «ملف اتهام».

قبل سنوات من انفجار القضية، كان اسم رمضان يتردد فى قاعات الجامعات، وعلى صفحات الصحف الكبرى... فى «The New York Times» الأمريكية، وُصف ذات مرة بأنه « أحد أبرز الأصوات التى تحاول التوفيق بين القيم الإسلامية والمجتمعات الغربية الحديثة».. أما «Le Monde» الفرنسية، فقد قدمته كمثقف يتحرك بثقة بين عالمين، دون أن يفقد لغته أو جمهوره.

 

 

 

كان حضوره مركبًا.. أكاديميًا فى مؤسسات مرموقة.. خطيب مؤثر.. مفكر مثير للجدل.. لكن هذه التركيبة نفسها، التى صنعت حضوره، ستتحول لاحقًا إلى عدسة مكبرة، تُقرأ من خلالها الاتهامات.

والسؤال المنطقى جدًا هنا هو كيف خرجت هذه الفضائح للعلن؟

لم تبدأ القصة داخل المحكمة، بل فى السوشيال ميديا، مع صعود موجة «MeToo» ففى فرنسا، بدأت نساء فى سرد روايات متقاربة.

فى باريس، كانت قاعة المحكمة مزدحمة، وجوه متحفزة، وصحفيون يكتبون بسرعة كأنهم يخشون أن يفلت منهم شىء.... الاسم يتردد فى القاعة دون أن يدخل صاحبه... طارق رمضان… الرجل الذى اعتاد أن يملأ القاعات، صار الآن غائبًا عنها... فى الصفوف الأمامية، نساء يجلسن بثبات متوتر... لا صراخ... لا انهيار... فقط صمت ثقيل يشبه ما يسبق العاصفة.

صحيفة «Le Parisien» الفرنسية نقلت عن إحدى المغتصبات قولها: «لم أكن أتصور أن العلاقة ستتحول إلى ما حدث… كان هناك عنف لم أستطع تفسيره».. وفى تغطية موسعة لـ «Le Monde»، جاء وصف إحدى الشهادات.. تحدثت الضحية عن شعور بالسيطرة، وكأنها فقدت القدرة على الرفض، رغم إدراكها لما يحدث».. هذه الشهادات لم تكن مجرد روايات فردية، بل كما لاحظت الصحافة حملت تشابهًا فى التفاصيل... نمطًا متكررًا فى السلوك... تدرجًا من الإعجاب إلى الخوف.

مع تزايد الشهادات، لم تعد القصة محصورة فى نطاق قانونى محتمل، بل أصبحت قضية رأى عام.

فى «CNN» الأمريكية، وُصفت القضية بأنها «واحدة من أكثر القضايا حساسية، نظرًا لمكانة المتهم وتأثيره». 

بينما ركزت «The Washington Post» على السياق الأوسع «القضية لا تتعلق بشخص واحد، بل بسؤال عالمى حول السلطة والمساءلة».. فى حين أن «Le Figaro» الفرنسية، قد قدمت قراءة أكثر حدة قائلة «نحن أمام ملف تتقاطع فيه السلطة الفكرية مع علاقات غير متكافئة».

ومع انتقال القضية إلى التحقيق القضائي، بدأت الصورة تتشكل بشكل أكثر دقة... فى تقرير لـ«Le Monde» التحقيقات أظهرت تكرارًا فى الروايات، ما منحها قدرًا من التماسك أمام القضاء.

وأشارت «Der Spiegel» الألمانية إلى وجود نمط سلوكى متكرر، كما وصفته الشهادات، وهو ما أعطى القضية وزنًا إضافيًا. 

فى قاعة المحكمة، لم يكن الصراع قانونيًا فقط، بل إنسانيًا ونفسيًا.

فى «Le Parisien» وصفت إحدى النساء ما حدث بأنه انتقال مفاجئ من علاقة طبيعية إلى عنف غير متوقع... وفى «Le Monde» أكدت الشهادات أن الخوف كان عنصرًا حاضرًا، حتى فى لحظات الصمت».

اللحظة التى تغيّر فيها كل شىء.. وكانت عنصرًا حاسمًا ظل حاضرًا فى كل التغطيات... غياب المتهم عن جلسات المحاكمة حتى جاء الحكم بالسجن 18 عامًا.. وجاء التعليق الأكثر دقة من «The New York Times»، فقد قدمت خلاصة لافتة قائلة «كان يُنظر إليه كجسر… لكنه الآن يقف على الجانب الآخر من الرواية». 

لم يكن طارق رمضان قياديًا تنظيميًا تقليديًا داخل الجماعة، لكنه كان امتدادًا رمزيًا لها وواجهة فكرية مرتبطة بإرث حسن البنا.. وعلينا أن نلاحظ أن القضية، كما عرضها القضاء الفرنسي، لم تتعلق فقط بأفعال جنائية، بل بنمط... استدراج.. سيطرة نفسية.. استغلال هشاشة الضحايا.. هذا النمط يعكس بوضوح ما يُعرف فى علم الاجتماع بـ: «اختلال القوة داخل العلاقة» .

وحين يكون الطرف الأقوى أكثر شهرة وأكثر نفوذًا رمزيًا وأكثر قدرة على التأثير.. فإن «الموافقة» تصبح مفهومًا ملتبسًا، وهو ما أشار إليه الحكم صراحة.

وهنا يجب التوقف بحذر... لا يمكن مهنيًا اعتبار كل واقعة دليلاً على بنية كاملة... لكن يمكن قراءة تكرار الوقائع بوصفه مؤشرًا يستحق التأمل.

فى السياق نفسه، ظهرت اتهامات بحق أحمد عبدالباسط محمد، قيادى إخوانى هارب إلى أمريكا ومحكوم عليه فى مصر فى تهم إرهابية، الاتهامات تضمنت: استغلال نساء فى أوضاع إنسانية صعبة.. توظيف المساعدات كوسيلة ضغط.. اتهامات بالتحرش والابتزاز.. بغض النظر عن مآل هذه الاتهامات، فإن ما يلفت النظر ليس فقط مضمونها، بل.. آلية التعامل معها... داخل التنظيم.

الشهادات المنشورة لنساء عبر مواقع التواصل الاجتماعى والتى كشفت كيف كان «عبدالباسط» يستغل ويتحرش بنساء الجماعة.. ويساومهن على شرفهن فى مقابل استمرار صرف دعم مادى تشير إلى نمط متكرر فى التعامل مع مثل هذه القضايا داخل الجماعة الإرهابية.

ولا أريد أن أطيل فى هذا الجزء وأتناول حكايات كثيرة مثيرة لمشاهير الجماعة على مدار تاريخها وحكاياتهم مع نساء التنظيم.. ولا كيف تم التستر على هذه الفضائح من أيام حسن البنا نفسه.. فالطريقة المثلى دائمًا والمتبعة من أيام البنا إلى اليوم هى الاحتواء بدل المواجهة.. التشكيك فى الضحايا.. تأجيل الحسم خوفًا من «الفضيحة» وبزعم أن الإعلان عن هذه الجرائم سيضر الجماعة وصورتها عند الناس.. فالتنظيم يرفع خطابًا أخلاقيًا صارمًا ويطالب أفراده بالالتزام به.. وحين يحدث الخلل، يصبح الاعتراف به تهديدًا لصورة الجماعة، فيُقابل بالصمت.

ودائمًا ما نجد فى الخطاب الاخوانى، تُقدَّم المرأة كرمز للعفة وعنوان للالتزام.. لكن فى الواقع التنظيمي، المرأة تجد نفسها أقل قدرة على الشكوى.. أكثر عرضة للضغط الاجتماعى.. محاصرة بين الخوف من الفضيحة والخوف من فقدان الحماية.. هذا التناقض بين «الصورة» و«التجربة» هو ما يجعل الانتهاكات أكثر قسوة.