د.سمية عسلة
كيف سيشعل الغزو البرى لإيران حروب الهويات العابرة للحدود
الأسوأ لم يأت بعد!
رافقت تأثيرات ديموجرافية الحرب الجارية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، حيث ظهرت تحولات سكانية عميقة، فإيران دولة متعددة الأعراق يبلغ عدد سكانها نحو (90 مليون نسمة)، يشكل الفرس بينهم حوالى من 50-61%، والأذريون 16-24%، والأكراد 8-10%، واللور 7%، والعرب 2-3%، والبلوش 2%، بالإضافة إلى أقليات أخرى.
السكان شباب نسبيًا (متوسط العمر 33-34 عامًا)، لكن الحرب الجارية أحدثت تغييرات سريعة فوصلت حجم الخسائر البشرية إلى أكثر من 1000-2000 قتيل معظمهم مدنيون، بما فى ذلك ضربات على مدارس ومستشفيات، ما يؤثر بشكل مباشر على الفئة الشابة والقوى العاملة، ويزيد من «هجرة العقول» للمهنيين والمتعلمين الذين يفرون من الاقتصاد المنهار، وأدت إلى موجه من النزوح الداخلى قدرتها منظمات الأمم المتحدة بـ3.2 مليون شخص نزحوا داخليًا بسبب تدمير المنازل والكهرباء والمستشفيات.

النزوح يتركز فى المدن الكبرى (طهران، أصفهان) والمناطق الحدودية، مما يغير توزيع السكان ويضغط على الموارد فى المناطق الآمنة نسبيًا. وبالنظر إلى وجود مشاكل جفاف ضربت العاصمة طهران على مدار أشهر مضت وأدت وقتها إلى نزوح داخلى، وهو ما سيحدث فجوات أمنية خاصة مع وجود نحو 3.8 مليون أفغانى لاجئ تستضيفهم إيران ومعظمهم غير مسجلين قانونًا، وهم لا يمثلون خطرًا أمنيًا فقط فى غياب الدولة وانشغالها بالحرب بل من الممكن أن ينخرطوا فى حروب خارجية كالتى بين أفغانستان وباكستان والتى تشهد موجات من التصعيد والتهدئة زادتها الحرب الجارية توترًا، مع عمليات ترحيل سابقة وفوضى حالية تجعل هؤلاء الأفغان عرضة للاستغلال أو النزوح الثانى، ما يهدد بأزمة إنسانية إقليمية.
وبالحديث عن التأثيرات الديموجرافية طويلة الأمد فإنها تتمثل فى انخفاض محتمل فى معدلات الولادة بسبب الخوف والفقر، زيادة الهجرة إلى تركيا المجاورة خصوصًا وأوروبا إذا أمكن، مع تفاقم التوترات العرقية فى المناطق الحدودية مثل(كردستان،سيستان-بلوشستان، خوزستان) حيث قد تُستغل الشكاوى العرقية والاقتصاد المنهار وانهيار العملة الريال الإيرانى وارتفاع أسعار النفط عالميًا لما يشمل عملية نزوح دائم.

وبشكل عام، لم تغير الحرب التركيبة العرقية جذريًا بعد (كونها جوية) ولم تتدخل الولايات المتحدة بريًا حتى الآن ورغم تجهيز 2500 من المارينز الأمريكى لاحتلال سواحل مضيق هرمز فى حال انتهت مهلة 5 أيام التى سعى إليها الوسطاء ومن بينها مصر ومعها تركيا وباكستان، فإن الحرب على إيران الآن ستعمق اللامساواة الديموجرافية وتهدد التماسك الاجتماعى الذى كان قائمًا على الهوية الإيرانية المشتركة.
إنزال برى
لكن فى حال فشل الحل السياسى سيتم تنفيذ التهديدات الأمريكية بإنزال 2500 جندى من المارينز لاحتلال سواحل مضيق هرمز والنزول بريًا إلى جزيرة «خرج» الإيرانية عصب النفط والاقتصاد الإيراني. مما يعيد تكرار سيناريو الهزيمة الكبرى لأمريكا فى فيتنام والعراق وآلاف التوابيت التى تحمل الجنود الأمريكان المحروقين بفعل انفجارات ضخمة فى أنابيب النفط والغاز ستنفذها إيران بهدف القضاء كليًا على الجنود الأمريكان الموجودين ضمن حملة الإنزال البرى على الأراضى الإيرانية.
ورغم أن الغزو البرى الأمريكى بعيد الاحتمال فى الوقت الراهن، لتكلفته الهائلة مع صعوبة التعامل فى التضاريس الوعرة، والمقاومة الإيرانية القوية حتى الآن، فإنه إذا حدث وأدى إلى انهيار النظام مثل العراق فى 2003، فقد يؤدى ذلك إلى «تفتيت» الدولة الإيرانية على أسس عرقية.
وهذا السيناريو خطير جدًا، وسيكون شكل التقسيم المتوقع إذا حدث كالآتي.
جمهورية أذربيجان الإيرانية (الشمال الغربي)، وتضم الأذريين 16-24% ويتركز وجودهم فى أذربيجان الشرقية والغربية وزنجان التى قد تنضم إلى أذربيجان المستقلة، وهو ما قد يغير توازن القوقاز.
كردستان المستقلة (الغرب) حيث يشكل الأكراد (8-10%) متمركزون فى كردستان وكرمانشاه. وهم قد يتحالفون مع كرد العراق، وهو ما قد يشجع أكراد سوريا والعراق وإيران وتركيا على إعلان دولة مستقلة حتى فى غياب اعتراف دولى، لكن مع احتمال كبير لدعم ورعاية إسرائيلية مباشرة وهو ما سيغضب تركيا أكثر من غيرها.
بلوشستان (الجنوب الشرقي) ويشكل البلوش (2%) فى سيستان وبلوشستان وقد يندمج مع باكستان أو إعلان دولة صغيرة، مع صراعات حدودية.
وهناك الأحواز/عربستان (الجنوب الغربي) حيث العرب وهم 2-3% من السكان ويتركزون فى خوزستان الغنية بالنفط. أو ما يسمى «عرقوب أخيل» إيران وقد يسيطر عليه الغرب للسيطرة على النفط.

أما إيران الفارسية المتبقية (المركز والشرق) حيث الأغلبية من الفرس 50-61% فيرتكزون فى المناطق الوسطى طهران، أصفهان، ووقتها ستكون فارس. دولة أصغر لكنها الأقوى ديموجرافيًا واقتصاديًا. وسيؤدى هذا التقسيم إلى:
حروب أهلية طويلة الأمد (أسوأ من يوغوسلافيا). صراع إقليمى (تركيا، باكستان، أذربيجان، وقوى إقليمية أخرى). وأزمة نفطية عالمية (خوزستان تنتج معظم النفط)، فضلاً على ملايين اللاجئين الجدد.
ولذلك التقسيم لن يحقق استقرارًا، بل سيولد فوضى إقليمية، حيث الحرب الحالية (الجوية) بدأت بالفعل فى تغيير الديموجرافيا عبر النزوح والخسائر، لكن الغزو البرى والتقسيم سيكونان كارثة إنسانية وجيوسياسية على إيران ودول الخليج والمنطقة.
ميليشيات جاهزة
السيناريو المتوقع فى حال قيام أمريكا بإنزال الجنود بريًا وإسقاط النظام الإيرانى وبدء تقسيم الدولة هو أنه سيظهر ميليشيات فى شكل جيوش صغيرة تهدد أمن إيران والخليج والمنطقة ومنها ما يسمى جيش العدل (البلوشي) هو فصيل سنى مسلح ينشط فى محافظة سيستان وبلوشستان.
وسيكون دور هذا الفصيل فى سيناريو التقسيم مفصليًا فسيعتبر نفسه «النواة العسكرية» لدولة بلوشستان المستقلة. سيسعى للسيطرة على الحدود مع باكستان وأفغانستان، مما يجعله لاعبًا رئيسيًا فى تجارة السلاح والمخدرات وتأمين الممرات البرية.
ويمتلك جيش العدل البلوشى خبرة كبيرة فى حرب العصابات والتضاريس الجبلية الصعبة. وستتضاعف قوته فى حال انهار الجيش النظامى الإيرانى واستيلاء الفصيل على مخازن الأسلحة الثقيلة. ومع ذلك، سيواجه صراعًا مريرًا مع باكستان التى ترفض تمامًا قيام دولة بلوشية مستقلة خشية امتداد النزعة الانفصالية إلى أراضيها.

كما أن الفصائل الكردية الأقوى عسكريًا ومنها حزب الحياة الحرة الكردستانى والمرتبط بحزب العمال الكردستانى التركى يمتلك مقاتلين مدربين تدريبًا عاليًا فى الجبال، إضافة إلى الحزب الديمقراطى الكردستانى الإيرانى وهو فصيل عريق لديه تنظيم سياسى وعسكرى قوى، وسيكون رأس الحربة فى محاولة إقامة «كردستان الشرقية».
أما عن الفصائل العربية (الأخطر استراتيجيًا) من بينها حركة النضال العربى لتحرير الأحواز ورغم تشتتها الحالى، فإن انهيار المركز سيحولها إلى فصيل مسلح يسعى للسيطرة على آبار النفط، وستكون مدعومة (أو مستهدفة) من قوى دولية لضمان تدفق الطاقة. وبالنسبة للجماعات التركمانية والأذرية ورغم أنها أقل تسليحًا حاليًا، فإن الدعم الخارجى وقد يكون من تركيا أو أذربيجان المباشر قد يحول «الذئاب الرمادية» أو الفصائل الأذرية إلى قوى عسكرية ضاربة فى الشمال الغربي.
ويبقى حجر العثرة فى الوصول إلى حلول سياسية للأزمة الحالية هو طموحات «بنيامين نتنياهو» رئيس الوزراء الإسرائيلى، فبينما تسعى الأطراف الإقليمية للتهدئة، يرى نتنياهو فى استمرار الحرب وسيلة للبقاء السياسى وتصفية الحسابات الاستراتيجية نهائيًا باعتبارها الفرصة الذهبية لإسرائيل للتمدد داخل دول المنطقة بزعم الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ومع إيران وأذرعها فى المنطقة وبما يحقق مشروع إسرائيل الكبرى، لذلك فأى خطوة تصعيدية «منفردة» من جانب إسرائيل قد تنسف جهود الوساطة وتعيد المنطقة إلى نقطة الصفر.