مارس.. شهر الجنون .. والعجائب
واشنطن: من محمد مقبل
شهر الجنون،
القمر الأحمر، معرض الزواحف، موكب نهر الزمرد...
هى بعض سمات الأجواء الاحتفالية التى يشهدها شهر مارس من كل عام فى الولايات المتحدة والتى جعلت من هذا الشهر الحافل بالمناسبات يحوز عن جدارة لقب مارس المجنون..!
ويعزو بعض خبراء علم النفس وعلماء الأرصاد هذه التسمية إلى تأثير التقلبات المناخية التى يشهدها شهر مارس على سلوكيات الأمريكيين بعد أشهر الشتاء العاصفة. وتتراوح تلك التقلبات فى الطقس بين موجات من الصقيع والعواصف الثلجية تعقبها أجواءٌ دافئة تمهد للمنقلب الربيعى الذى يحل مع مطلع الأسبوع الأخير من هذا الشهر.
ينعكس بشكلٍ واضحٍ على زيادة إقبال الأمريكيين على المتنزهات العامة وممارسة الأنشطة الرياضية والانخراط فى مواكب الاحتفالات الصاخبة التى تنفض الكسل عن كاهل السكان فى أعقاب فصل الشتاء الذى تسوده الرتابة وتغلب عليه قلة الحركة.
وتشكل موجة النشاط التى تستحوذ على الأمريكيين فى مارس حافزًا بالنسبة للقطاع التجارى وكذلك المراكز الثقافية لاقتناص الفرصة وتنظيم الفعاليات والمهرجانات التى تحشد الجماهير وتسهم فى ترويج المنتجات تحت شعار «شهر تجديد الطاقة» الذى يتحرر خلاله الناس من عباءة الشتاء القارس تمهيدًَا للانضواء تحت مظلة الربيع الدافئة.

مهرجان الكرز
هو أحد المراسم الاحتفالية التى يحتفى خلالها الأمريكيون بحلول فصل الربيع ويرتبط الاحتفال بموسم تفتح أزهار شجرة الكرز بداية من 21 مارس وحتى منتصف أبريل.
الاحتفال يعود إلى بادرة قامت بها اليابان قبل أكثر من 100عام وبالتحديد فى عام 1912 وقام خلالها وفدٌ يابانيٌ بجلب 3000 من بذور شجرة الكرز (الساكورا) لغرسها فى تربة واشنطن كعربونٍ للصداقة بين البلدين.
وقد اختار المسئولون فى واشنطن آنذاك ضفاف نهر (البوتوماك) فى قلب العاصمة الأمريكية تربة مناسبة لاحتضان تلك البذور لتبدأ الاحتفالات الرسمية بتفتح أزهار الكرز منذ عام 1935 وإلى اليوم.
وفيها يستمتع الزوار بمشهد الأشجار وهى تظلل ضفاف البوتوماك بأغصانها الداكنة وأزهارها الوردية الزاهية والتى تعد متعة للناظرين.
تبدأ الاحتفالات فى 21 من مارس فى واشنطن حيث يشهد مسرح (وارنر) التاريخى عروضًا ثقافية تتخللها فقراتٌ استعراضية راقصة.
ولا تنحصر الاحتفالات فى حضور عروض مسرح، وإنما تمتد لتشمل كذلك مهرجان الطائرات الورقية، وتشارك فيه الآلاف من العائلات، ويستغل فيه الآباء والأبناء تلك المساحات الممتدة فى حديقة (المول الوطني) بقلب العاصمة واشنطن لتقديم عروض طائراتٍ ورقيةٍ تقليدية وحديثة.
يتميز الاحتفال بموكب أزهار الكرز الذى يتيح الفرصة أمام الفرق الموسيقية، والعربات الاحتفالية، والعروض الثقافية الوافدة من مختلف أنحاء الولايات المتحدة للمشاركة فى الاحتفال بأعياد الربيع وأشجار الكرز الجميلة ببراعمها الوردية الزاهية.

ولا تقتصر الفعاليات فى شهر مارس على الاحتفاء بأشجار الكرز على ضفاف نهر البوتوماك وإنما تتجاوزها إلى هواية استكشاف غرائب الطبيعية وعجائب الكائنات.
فمن مروج واشنطن العاصمة إلى سهول مقاطعة بومونا بمدينة لوس أنجيلوس جنوب كاليفورنيا، يحتشد عشرات الآلاف من الزوار لمتابعة أحد أكبر معارض الزواحف والنباتات على الساحل الشرقى للولايات المتحدة.
وهو معرض مقاطعة بومونا الذى يستقبل كل عام أكثر من 50 ألف زائرٍ، ويضم فاتريناتٍ ومتاجر لبيع الزواحف والبرمائيات واللافقاريات والنباتات الغريبة.
وتعتبر عناكب (الترانشيلا) المشعرة وسحالى الإيجوانا النادرة وسلحفاة (الماتاماتا) برأسها المسطح الذى يشبه ورقة الشجر وقدرتها الفريدة على التخفى من أبرز الكائنات التى تحوز على إعجاب الزوار والتى تعد أكثر الكائنات جذبًا للانتباه.

القمر الدموى
لا يخلو شهر مارس من الأحداث النادرة التى لا تقتصر على معارض النباتات والكائنات العجيبة وإنما تمتد إلى الظواهر الفلكية النادرة التى يقبل على مشاهدتها الملايين من سكان الولايات المتحدة والزوار الأجانب.
إنها ظاهرة القمر الدموى وتشهد فيه السماء صباح الثانى والثالث من مارس دخول البدر فى أعمق ظلٍ للأرض خلال الخسوف الكلى للقمر.
وخلال هذا الحدث الفريد يكتسى قرص القمر بلونٍ أحمرٍ نحاسيٍ يخطف الأنظار. ويشهد هذا الحدث بحسب إحصاءات مركز الأرصاد الوطنى فى الولايات المتحدة نحو %40 من سكان العالم امتداد من شرق آسيا مرورًا بنيوزيلاندا وصولًا إلى الولايات المتحدة وكندا.

ولا تنأى ولاية ألاسكا الأمريكية عن الاحتفاليات الغريبة التى يشهدها شهر مارس فى الولايات المتحدة إذ تحتفى بدورها، وانطلاقًا من منتصف فبراير ومرورًا بشهر مارس، ببطولة العالم فى النحت على الجليد التى تستضيفها مدينة فيربانكس منذ عام 1989 ويشارك فيها سنويًا منذ إنشائها 100 متسابق من 30 دولة لتقديم أعمالهم الإبداعية فى فن النحت على الجليد، كما يهتم المنظمون بتوفير الإضاءة الخاصة التى تضفى لمسة جمالية إبداعية على المنحوتات.
نهر الزمرد
هو واحد من أغرب وأكثر الاحتفاليات إبهارًا فى شهر مارس وتتزامن مع الاحتفالات بذكرى القديس باتريك الذى عاش فى القرن الخامس الميلادي.
ويمثل يوم سانت باتريك عيدًا قوميًا ودينيًا مهمًا بالنسبة للأمريكيين، خصوصًا لذوى الأصول الأيرلندية ويتم فيه إحياء ذكرى رحيل القديس فى 17 مارس من كل عام.
اللون الأخضر هو رمز تلك الاحتفالات، فيرتدى الأمريكيون من أصول أيرلندية الملابس الخضراء احتفالًا بالمناسبة، وتشهد شوارع بعض المدن مواكب احتفالية، كما تكتسى بعض نوافير المياه باللون الأخضر.

وبحسب المراجع التاريخية فقد كان الجنود الأيرلنديون قبل مئات السنين يستخدمون الزى الأخضر لتمييزهم عن الأعداء فى ساحات القتال التى يسودها الضباب فى سهول أيرلندا، ومن هنا اهتم المنظمون بإبراز اللون الأخضر كرمز إبداعى وأيقونةٍ تاريخية خلال هذه الفعاليات.
وتشهد مدينة شيكاغو بولاية إلينوى أكبر وأهم احتفال بالمناسبة كونها تضم أكبر جالية أمريكية من أصول أيرلندية على مستوى أمريكا.
ويتم خلال الاحتفالية ضخ جالوناتٍ من مادةٍ كيميائية برتقالية اللون فى مجرى نهر شيكاغو ليتحول خلال دقائق إلى اللون الأخضر الزمردى الفاقع، تشهده مواكب من الزوار الوافدين من مختلف أنحاء البلاد وتستمر الاحتفالية ما بين يوم إلى يومين يستمتع خلاها الزوار بلون النهر المتلألئ وسط أجواء احتفالية موسيقية راقصة، تعزز الإحساس بتجدد الطاقة المصاحب لأعياد الربيع التى يحتضنها شهر مارس المجنون.. شهر العجائب والاحتفالات...!