مندور.. من الفخارين لمتحف الحضارة
البداية من مصر عتيقة
حاوره وشاهد الأعمال أحمد رزق
«غرس أقدامه فى طين مصر»..
هذه كانت البدايات الأولى وسنوات الطفولة قضاها فى حى مصر القديمة، تحديدًا فى منطقة الفسطاط النشأة والمولد، ذلك الحى العتيق.. الذى جمع «أسطوات» مهنة الخزافين بمنطقة «الفخارين» التى استلهم منها العديد من الفنانين لوحاتهم من فواخير الحى بأشكالها المميزة والتى تفوح برائحة تراب وطين مصر، فمن هنا خرج كل إبداع يتصل بصناعة الخزف.
استمر الفنان محمد مندور فى تعلم مهنة «الفخار» وأخذ من كبار المهنة أسرارها.. سنوات شاقة بمراحل عديدة بدأها بـ«هرس» الطين بأقدامه قبل تشكيلها وتقديمها «لصانعى الخزف».
«غرس يده وأقدامه فى طين مصر فأزهرت فنًا وإبداعًا وحضارة».

كانت المرحلة المهمة فى تلك الصناعة وهى مرحلة التشكيل على «الدولاب الدوار» وتشكيل الفنان للطين بدقة ومهارة عالية بالأشكال التقليدية المعتادة كـ«الزير وأباريق السبوع» شأنه فى ذلك شأن زملائه الذين يعملون معه فى تلك الأفران.
وكان للقدر شأن آخر معه، ففى زيارة للنحات الكبير محمد هجرس بمنطقة الفخارين شاهده وهو يقوم بتشكيل الطين ورأى فيما يفعله ما يستحق الرعاية والتوجيه، وسأله: هل تعمل من أجل المتعة أم من أجل المال؟ فأجابه دون تردد: الخزف هوايتى ومتعتى الوحيدة، فعرض عليه أن يذهب إلى مشغله فى حلوان ليتفرغ للفن، وليتعلم ويدرس ما يتجاوز مهنة الفخار، وكانت أولى خطواته ليذهب به بعيدًا عن الفنون التقليدية ليبدأ مرحلة جديدة فى هذا الفن الساحر.
تجولنا معه فى معرضه الحالى وسط الأعمال وسألناه عن العمق الحضارى الذى لمسه كل من شاهد الأعمال، فقال الفنان فى حديث خاص لـ«صباح الخير»:
- أنا من أرباب المهنة فقد مارستها منذ طفولتى ولدىَّ مخزون بصرى وعملى هائل وممتد.
كونت مع الفنان النحات محمد حسن هجرس، والفنانة المصورة صفية حلمى حسين مدرسة لتعليم الخزف، وقبلها ذهبت معهما لمشاهدة الآثار والحضارات المختلفة كالحضارة المصرية القديمة فى الأقصر، والحضارة الإسلامية فى المتحف الإسلامى والمتحف القبطى والتى كونت لدى أرضية قوية لاكتساب الهوية الوطنية.. واكتشفت أن لدى مهارات خرجت بشكل لا إرادى بإحساس قومى.
أعتز بكونى الخزاف الوحيد الذى اختار القائمون على متحف الحضارة ثلاث قطع من أعمالى لعرضها فى المتحف كمثال لتطور فن الخزف فى مصر، بجانب 24 عملًا فرعونيًا كامتداد طبيعى وأصيل للفنون المصرية القديمة، وأنا سعيد بذلك، ومن قبل وصفنى الفنان الكبير بيكار بالفرعون، فقد كان مغرمًا بفن الخزف وكتب عنه الكثير.
- عملت بمشروع تحت رعاية منظمة اليونسكو فى تدريس الخزف للأطفال بجمعية «التنمية الفكرية» فى منطقة ألف مسكن لمدة 6 سنوات، وكنت مشتتًا فى ثلاثة أماكن، بين عملى وأتيليه حلوان ومسكنى فى مصر القديمة بعدها استقلت، فلم أكن أريد أن أكون موظفًا، فالفن يعنى التفرغ، وقمت بإنشاء أتيليه خاص بأعمالى الفنية، الآن وبعد خمسين عامًا من العمل أقمت خلالها 60 معرضًا، آخرها يوجد به 37 قطعة، كل قطعة مختلفة عن الأخرى، كلها دون استثناء مقتنيات، فأنا أعمل للمتعة قبل أى مكاسب مادية.

الأعمال التقليدية - التى يصفها البعض بأنها أعمال لا تحمل أبعادًا إبداعية- تعتمد على جمال الفكرة واللمسة الفنية فالفن صدق وأمانة وإخلاص.
- وعلى سبيل المثال قضيت 12 عامًا فى الوصول إلى أسرار اللون على الخزف ومهارة تنفيذها على القطع الفنية.
وأعتز كونى لست أكاديميًا، فدارسو الفن ليست لديهم الخبرة التى اكتسبتها خلال الخمسين عامًا الماضية، وعن رفع القيمة الفنية لأعمال الخزف قلت لوزير الثقافة - وقتها - فاروق حسنى: قسم الخزف فى كليات الفنون مكانها الطبيعى فى حى الفخارين وسوف يتخرج الطالب ومعه الحرفة بشرط أن يكون موهوبًا.
منذ سنوات طويلة وكانت د.نادية مكرم عبيد أول وزيرة للبيئة زارت المنطقة ورأت الدخان المتصاعد وشاهدت أحد العمال يحرق بعض المخلفات الطبية فى الفرن الخاص به فأغلقت المنطقة بالكامل، وأرادت نقل منطقة الفخارين إلى شق التعبان فذهبت للروائى الكبير جمال الغيطانى وحكيت له عن ذلك، وأثار بدوره الموضوع فيما يكتبه.
وقمت بدورى بإنشاء جمعية للعاملين بالفخار ورفعت قضية أمام مجلس الدولة لتنفيذ المشروع فى مكانه، وكسبت الجمعية القضية.
أما وزيرة التعاون الدولى الأسبق الدكتورة فايزة أبو النجا فحضرت مع د.على الصعيدى وزير الكهرباء الأسبق ليشاهدا الأعمال الخزفية، ومولت المشروع بـ58 مليون جنيه من منظمات اليونسكو واليونيسيف والاتحاد الأوروبى، وكان لها فضل كبير فى تطوير المنطقة، وساعدنا فى ذلك محافظ القاهرة وقتها عبدالرحيم شحاتة لإتمام المشروع بعد توقفه لسنوات طويلة.
وبعد ذلك بسنوات طويلة زار الرئيس عبدالفتاح السيسى المشروع بعد افتتاح متحف الحضارة، وشاهد المنطقة فقرر إنشاء مدرسة للخزف وتعليم الأطفال «صنعة الخزف»، ولكن علينا أن نهتم بتدريس تاريخ الفن وزيارة المعارض والمتاحف لإعلاء قيمة هذه المدرسة، فالفن موهبة تحتاج لرعاية وممارسة.
- ما جعلنى أذهب لهذه المهنة -والدتى من المنوفية- وحين ذهبت إلى القاهرة بحث والدى عن منزل به فرن، فمن عادة النساء فى القرى الريفية خبز العيش فى المنزل وكانت تعطينى العجين لألهو به وبعد هدم الفرن لكثرة شكاوى الجيران من دخانه لم أجد إلا الفواخير لأمارس ما كنت أحبه، لقد أوصت والدتى أحد الجيران الذين يعملون فى الفخار أن أعمل معه، فهى صاحبة الفضل الأول بعد أن شاهدت مدى حبى للطين وتشكيله.
■ ■
- حصل الفنان على جائزة الخزف من المركز الثقافى الفرنسى 1979.
- الجائزة التقديرية للجمعية الأهلية للفنون الجميلة 1987.
- وعدة جوائز دولية منها: جائزة بينالى مدينة فاينزا بإيطاليا 1998.
- الجائزة الأولى لدول البحر المتوسط 2005.
- شارك فى كثير من المعارض الفردية والجماعية بمصر والخارج، وله مقتنيات رسمية بمتحف الفن الحديث بالقاهرة - البنك الدولى بنيويورك - الأكاديمية المصرية بروما - المتحف الوطنى بدمشق.
- مقتنيات خاصة بمصر والخارج - اقتنى الأمير تشارلز ولى عهد إنجلترا قطعة من أعماله أثناء زيارته لمصر عام 1996.