هل اقتبس بهاء طاهر «واحة الغروب»؟
تفاصيل يكشفها: شعبان ناجى
كان الرجل كريما وحويطا فى الوقت نفسه، فلم يدخل فى مهاترات أو ترّهات ولم يفضح الدنيا على السوشيال ميديا (وقتها كانت الصحف).. لقد استطاع أن يكظم غيظه ويحافظ على اتزانه رغم أن ما فعلته تلك الأرملة الإنجليزية المدعوة «روزيتا فوربس» قد فاق كل حدود الخيال والواقع أيضا، فقد ألفت المرأة كتابا عرضت فيه رحلتها إلى واحة «الكُفرة» بالصحراء الغربية وأثبتت بوسائل نسائية أنها هى وحدها من اكتشف هذه الواحة النائية المفقودة، وليس أحمد حسنين باشا الذى ادعت أنه كان خادما ومساعدا لها لا أكثر.

والحقيقة أن روزيتا هذه التى لم تهتم فى حياتها إلا بالتنزه والخروجات هى من لجأت للكثيرين، وبالعامية «كلمت طوب الأرض» للوساطة لدى حسنين لكى يوافق على أن يأخذها إلى الصحراء الغربية المترامية؛ بل إنه اضطر أن يقول إنها زوجته المسلمة، حيث إن البدو لا يستقبلون المرأة الأجنبية، لا سيما إن كانت من دون رجل.
ساعتها شعر حسنين برفة فى عينه اليسرى، ولكنه قال فى مكنون ذاته: اصبر يا ولد.. ولا تخضع بالقول لمن فى قلبه مرض، فطموحك أعرض من صحراء الدنيا كلها، ولا يزال عندك ما تكتشفه وتقدمه إلى ذلك الجيل الصاعد، وعليك أن تقدم الدليل على قوتك ونبوغك بشكل عملى وعلمى، ولتترك لهذه المرأة المخرفة هذا الفتات المتساقط الذى تغتر به أمام عشيرتها الأقربين فى بلاد الضباب الغريبة.

بعد حولين لا أكثر، رتب أحمد حاله، وأزمع الرحيل مرة ثانية لغزو الصحراء، فثمة واحتان مجهولتان لا يعرف «الجن» شيئا عنهما. قرر أن يعود غانما حتى إن لم يكن ساعتها سالما، إنه المصير الذى يجتذبه، فلا مناص من أن يلبى نداء ذلك المصير، وعليه فقد بدأ رحلته من السلوم فى العام 1923 متجها صوب الجنوب قاطعا مسافة 2200 ميل استغرق زمنها سبعة أشهر وثلاثة وعشرين يوما، وقد تنزلت عدالة السماء على الصحراء فنجح فى اكتشاف واحتين كبيرتين هما: أركينو والعوينات، ثم عاد إلى القاهرة مرتفع الهامة، ممتلئا بالفخار، تهزه الأشواق، خصوصا بعد أن سبقته الأنباء إلى العاصمة محدثة دويا كبيرا انتشر فى كل أنحاء العالم حول هذا الاكتشاف العظيم؛ لذا فقد بادر الملك فؤاد ملك مصر بتنظيم حفلة مهيبة على شرفه بدار الأوبرا الملكية ألقى فيها أمير الشعراء قصيدة مدح عصماء فى شخص حسنين وفى إنجازات حسنين.
ولكن الأمر لم يقف عند التكريم المصرى، وإنما تسابقت الدول والمؤسسات العلمية والبحثية لتكريمه، فمنحته الجمعية الجغرافية الملكية بلندن ميداليتها الذهبية الغالية جدا، ثم حصل على وسام «سان لازار» من الحكومة الإيطالية المعظمة، فضلا عن تكريمات أخرى من دول عربية شقيقة، ودول أوروبية وأمريكية غير شقيقة.

هذه باختصار قصة غزو حسنين باشا للصحراء الغربية، لكن فى الرحلة حتما كواليس مرعبة يتساقط من هولها الشجعان، وعلى من يحب أن يتساقط فليطالع كتاب «الواحات المفقودة» لحسنين بك (لم يكن ساعتها باشا) بترجمة أمير نبيه وعبدالرحمن حجازى، فسوف يستمتع، بعدها سوف ينتشى بشكل مقلق وربما يخرج علينا على «الفيس بوك» فيدعى بكل ثقة وإيمان وابتسام أنه هو من اكتشف واحتى أركينو والعوينات وليس الكابتن حسنين البطل الأوليمبى فى سلاح الشيش، تماما مثلما فعلت عذراء الربيع «روزيتا فوربس».
بحر الرمال الأعظم
وبعد هذه الرحلة الكبرى المقدسة، مرّ علينا نصف قرن وزد عليه من عندك سبع سنوات عجافا كانت الكهرباء قد دخلت القرى والبرارى والعزب الصغيرة المجهولة فتغير وجه الحياة فى الأقاليم؛ ليخرج علينا رجل عظيم من «رجال الرف العالى» (عنوان قصة للكاتب الكويتى سليمان الشطى) بين جوانحه نور باهر واسمه بهاء طاهر، فيكتب قصة عظيمة عبقرية عنوانها «أنا الملك جئت» تحكى عن طبيب عيون مرموق اسمه فريد، هذا الطبيب كان قد تخرج فى جامعة «جرينويل» الفرنسية وأحب طالبة الآداب الفرنسية التى تدعى «مارتين»، لكنّ والده الشيخ عبدالله «دقة قديمة جدا» فرفض فى البداية هذا الحب؛ لكنه سرعان ما وافق على الزيجة وبارك مارتين بعد أن لمس رقتها وعذوبة منطقها. لكننا ومن دون أى منطق نفاجأ بمارتين وهى تلوح لحبيبها فريد بمنديلها الوردى من فوق ظهر السفينة العائدة بها إلى مارسيليا.

فى اللحظة والتو، شعر الدكتور فريد برفة فى عينه اليسرى، تماما مثلما حدث لصديقه حسنين باشا، وعليه فلم يكذب خبرا ولا مقالا، وضربت الفكرة فى دماغه فقرر أن يغزو الصحراء الغربية ليكتشف واحتين مفقودتين قابعتين خلف بحر الرمال الأعظم لا يعرف عنهما الجن شيئا.. وقد كان أول من شجعه على ذلك فخرى باشا المتخصص فى الآثار ورئيس جمعية أصدقاء الصحراء والمقرب من السراى، وكان فى الوقت نفسه من زبائن عيادة الدكتور فريد ليعالجه من الرمد الربيعى.
وفى أثناء العلاج لم يكن فخرى باشا يتوقف عن الكلام حول الصحراء الغربية التى أطلق عليها «الجنة الصفراء».. وهنا لا بد أن ننتبه تماما إلى أن فخرى باشا هذا شخصية حقيقية غالبا وربما هو بعينه مؤلف كتاب «واحة سيوة» الذى بنى عليه بهاء طاهر معمار روايته الفاتنة «واحة الغروب» ولنا فى ذلك حديث آخر ذو شجون و«جفون».

ونحن نظن أيضا أن قصة «أنا الملك جئت» كانت بمثابة تمهيد أو مقدمة أو «فرشة» محدودة لرواية «واحة الغروب».
رحلة إلى المجهول
تحرك فريد إذن إلى رحلته الطويلة المجهولة نحو الواحات الغربية، صحبه فيها رجلان قويّا الشكيمة هما: شدوان وهو قصّاص الأثر أو الدليل، وراضى خادمه الأمين المطيع، ولقد كان ذلك فى العام 1932، ولاحظ هنا يا فنان تبديل الأرقام بين هذا التاريخ وتاريخ انطلاق رحلة حسنين باشا فى العام 1923... المهم أنه بعد عذاب مضن لم يجد فريد مبتغاه، ولم يعثر على أية واحة مفقودة أو حتى غير مفقودة، وإنما عثر على أطلال معبد مهجور، حوائطه صفراء لامعة يهيأ إلى الناظر أنها من الذهب، حتى إن نوازع الشر الإنسانى المتحفزة دائما تحركت فى دماء شدوان وراضى، فقررا التخلص من فريد والاستيلاء على الكنز الذى من المؤكد أنه مدفون ببطن هذا المعبد الفرعونى؛ لكنهما فى اللحظة الأخيرة تيقنا من خيبة أملهما، فلا ذهب ولا فضة فما كانا منهما إلا أن ذهبا وانفضّا عن هذا الطبيب الضائع وتركاه لمصيره المشئوم، فإما الموت جوعا وعطشا، وإما لدغة من «الطريشة» تقتله بعد نصف دقيقة وتسع ثوان لا غير!
ولكن ما الفرق بين الواقع الأليم الذى وضعه حسنين باشا فى كتابه، والخيال الشفيف الذى صوره بهاء فى قصته؟ الفرق هنا أن حسنين خرج ليبحث عن واحتين مفقودتين بالفعل، وليبحث أيضا عن تحقيق ذاته التى لم تكن لتكتفى بأن يكون صاحبها مهيأً لمنصب رئيس ديوان الملك وزوجا لأمه بورقة عُرفى.. بينما خرج فريد ليهرب من ذاته المنقسمة التى لا تعرف ماذا تريد ولا إلى أين تستقر، إنه لم يخرج قط للبحث عن واحات مجهولة كما حاول بهاء بذكاء خارق أن يخدعنا بسراب الصحراء ويغرقنا فى رمال بحرها الأعظم.. لقد استسلم فريد لمصيره الذى اختاره وربما اضطر إليه، فرقد على الرمال الساخنة، ولكن فى لحظة بين الحياة والموت يتراءى له طيف مارتين تمد إليه يدها وتجلس محتضنة إياه تمسح عنه عذابه، فما كان منه أن لاذ بحضنها يحتمى بحصونه، ولكنه فى استفاقة عابرة لمح ساقين سمراوين تسكب عليه الماء، ربما تكون لخادمة راضى.

إن قصة «أنا الملك جئت» يجب أن تقرأ بعد الإفطار وبعد العشاء، وكذلك روايته «واحة الغروب» فلا يزال فيهما خفايا تريد أن تظهر، وحكايات كثيرة حلوة جديرة بأن تحكى.