الجانب الأكثر وحشية على أرض الفرص
أمريكا على ترابيزات «بينج بونج»
د. هانى حجاج
إن كان هناك ما ينقص السينما يومًا، فهو قصص النجاح والتطور. يكفى استعراض قصصهم على مرّ العقود لنكتشف حكايات عن شخصيات تبدأ من الصفر ولديها حلم تسعى لتحقيقه. وبمجرد أن تحققه، غالبًا ما تُرسخ رسالة ما، أشبه بدرس ضمني: إذا استطاع هو فعلها، فبإمكانك أنت أيضًا.
نجد هذا فى أفلام من الطراز الرفيع مثل «روكى» (1976)، وفى أفلام أخرى حيث الرسالة هى العنصر الأهم، بينما تأتى باقى الجوانب فى الخلفية، مثل فيلم «البحث عن السعادة» (2006) من بطولة ويل سميث. وبغض النظر عن مستوى الجودة الذى تُصنف فيه هذه القصص، من المثير للاهتمام ملاحظة كيف تطورت عبر الزمن، وكيف تتكيف الرسائل التى تحملها مع السياقات التى تدور فيها.

على مر السنين، شهدنا أيضًا مخرجين سينمائيين شوّهوا هذا المفهوم عمدًا، متسائلين ليس فقط عن التغلب على الصعاب كوعد، بل عن الثمن الحقيقى لتحقيق الأحلام والوسائل المستخدمة لبلوغها. ومن الأمثلة البارزة على ذلك فيلم «كاراكورتادا»، وهو إعادة إنتاج لفيلم برايان دى بالما، أو فيلم «ذئب وول ستريت» من إخراج مارتن سكورسيزي. غالبًا ما يُساء فهم كلا الفيلمين، فبينما تُعتبر مسارات تونى مونتانا وجوردان بيلفورت نماذج طموحة للكثيرين، فإن ما يسعى مؤلفوهما إلى إظهاره هو الجانب الأكثر سُمّية ووحشية لما يُسمى «أرض الفرص» أى الولايات المتحدة.
يدفعنا هذا التناقض حتمًا إلى التساؤل عن أصل الحلم الأمريكي. منذ متى يضمن هذا الوعد بأن الأحلام الكبيرة تحقق أى شيء؟ تكمن نقطة محورية فى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين بدأت الولايات المتحدة، بعد انتصارها، فى بناء صورة مثالية عن نفسها، مرتكزة على فكرة أن بإمكان أى شخص تحقيق ما يصبو إليه. لا يقتصر السؤال حينها على ما هو موعود به فحسب، بل يتعداه إلى ما هو خفى، ما يدعونا إلى التساؤل عن الوجه الآخر لهذا العمل البطولى، وما هى تداعياته على أرض الواقع.

فى هذا السياق تحديدًا، يبدو فيلم «مارتى سوبريمو»، أحدث أفلام جوش سافدي.
الواقع الكئيب
يتميز الفيلم ببنية متماسكة وحوار حيوى، مدعومًا بمونتاج سريع وفعّال، ويتدفق بنبرة ساخرة تقترب أحيانًا من العبث.
هذا لا يعنى أن الفيلم يخلو من لحظات مميزة، فهو مدعوم بموسيقى تصويرية رائعة (تضم فرقًا مثل نيو أوردر، وألفافيل، وتيرز فور فيرز) ولمسات بصرية مبتكرة. الفيلم تجربة سينمائية حقيقية، سردها خيالى وتزخر بطاقة لافتة، مستمدة فى معظمها من مباريات تنس الطاولة التى صُوّرت بكثافة ملحوظة.
يُسرّع سافدى وتيرة الأحداث، ويُجاريه الممثلون فى ذلك.
فى بعض الأحيان، ربما كان الاختصار أفضل، إذ قد يُصبح الحماس المُتواصل مُرهقًا، لكن فيلم «مارتى سوبريم» يُقدّم مع ذلك دراسة شخصية آسرة، غنية بالتحولات غير المتوقعة، والفكاهة، والتشويق السردي. من الممتع قضاء الوقت مع هذا الفيلم المُثير: ليس العمل الأكثر غرابة لسافدى، ولكنه ربما الأكثر سهولة فى الفهم والأكثر طرافة.
أصبح الممثل تيموثى شالاميه مرادفًا للجاذبية والرقة التى لا تُقاوم، حتى مع تجاهله التام لأى قالب سينمائى تقليدي. هل يُمثل نفسه؟ نأمل ألا يفعل. فقد جسّد شخصية لورى المُريبة فى فيلم «نساء صغيرات» للمخرجة جريتا جيرويج، وشخصية وضيعة فى فيلم «ليدى بيرد» للمخرجة نفسها، ومدمن مخدرات منحرف فى فيلم «الفتى الجميل»، وبوب ديلان المُتعجرف فى فيلم «مجهول تمامًا»، ومسيح مجنون فى فيلم «الكثيب». ومثل ليوناردو دى كابريو، النجم الآخر الذى بدأ مسيرته الفنية بدور شاب ساذج لا يُثير أى تهديد جنسى، مُنح شالاميه حرية تعبير معينة بفضل جاذبيته الفائقة.
لكن عمره الآن 29 عامًا، ولولا أن فيلم «مارتى سوبريم» حكايةٌ حركيةٌ، مرحةٌ، مُقلقةٌ، ومُتقنةُ التنفيذ، عن غرورٍ جامحٍ وبعثٍ انحرف عن مساره، لكان من الممكن اعتباره فى المقام الأول بمثابة انتقال شالاميت إلى مرحلة النضج السينمائي. لا يوجد الكثير مما هو جذابٌ بطبيعته فى شخصية مارتى ماوزر، المُستوحاة بشكلٍ فضفاضٍ من لاعب تنس الطاولة البارع مارتى ريسمان. من خلال جعل ماوزر شخصًا نرجسيًا، مُتمركزًا حول ذاته، مُتلاعبًا، ومهووسًا، يُقدّم شالاميت أداءً ممتازًا فى إخفاء سحره الفطرى، على الرغم من أن شخصية ماوزر تتناسب تمامًا مع أعمال الكاتب والمخرج جوش سافدي. أنتج سافدى، مع شقيقه بينى، العديد من الأفلام الممتازة عن أشخاصٍ عاديين قد لا يكونون مجرمين بشكلٍ صريح، لكنهم ليسوا مُتحفظين تمامًا تجاه الجريمة أيضًا.
دبلوماسية تنس الطاولة
فى فيلمى «أوقات سعيدة» و«أحجار كريمة غير مصقولة»، واجه الأبطال ظروفًا قاسية، كان معظمها من صنع أيديهم. أما فى فيلم «مارتى سوبريم»، فالنطاق أوسع وأضيق فى آنٍ واحد: فمن جهة، يدور الفيلم حول العالم المادى - عالم تنس الطاولة، قبل سنوات من فيلم «دبلوماسية البينج بونج» فى أوائل السبعينيات. ومن جهة أخرى، نتناول تضخيم مارتى ماوزر لذاته.

لا أحد فى الجانب الشرقى السفلى من مانهاتن حوالى عام 1952 يشك فى موهبة مارتى كبائع. يعمل فى متجر أحذية عمه موراى (لارى «راتسو» سلومان) فى شارع أورشارد، حيث يسحر أصحاب الأقدام العريضة ويستغل المخزن للتقرب من رايتشل ميزلر (أوديسا أزيون)، المتزوجة والتى ستُرزق بطفل قريبًا من مارتى غير المتحمس. كان مارتى أكثر تركيزًا على الوصول إلى البطولة فى لندن، ولن يوقفه أى شيء، لا حبيبة حامل، ولا عم، ولا حتى والدته المحتاجة (فران دريشر).
سيحدث ذلك فى النهاية. لكن مدى الصدمة التى ستلحق بمارتى، وربما هلاكه، هو ما يولد التوتر فى القصة، وكذلك السؤال عن مدى انحدار مارتى لتحقيق أحلامه.
الفيلم، بمعزل عن عيوب مارتى الشخصية وأزماته المفصلية، هو فيلم رياضي.
فى أغلب الأحيان، تقدم هذه الأفلام بطلًا نمطيًا يفوز، ثم يخسر، ثم يفوز فوزًا ساحقًا، ثم يخسر خسارة فادحة، ويواجه شكوكًا حول إمكانية فوزه مجددًا. فيلم «مارتي» لا يلتزم بالكثير من هذه التوقعات، فالدراما فيه لا تكمن فى أداء تنس الطاولة المثير بقدر ما تكمن فى جهود مارتى للوصول إلى طاولة اللعب.
يحمل «مارتى سوبريم» بعض ملامح فيلم «المحتال»: فالرجل الذى يملك المال الكافى لتمويل مسيرة مارتى المهنية (كيفن أوليرى، مقدم برنامج «شارك تانك» الذى يقدم أداءً مذهلًا) يطلب منه أكثر مما يستطيع تقديمه، بينما هو غافل عن أن زوجته الممثلة (جوينيث بالترو) على علاقة بمارتي.
يزور مارتى وصديقه والى (تايلر ذا كريتور) ملاعب تنس الطاولة المحلية للاحتيال على السكان المحليين وسلب أموالهم، لكن يُكشف أمرهما، وينجوان بأعجوبة، وينتهى بهما المطاف، برفقة رايتشل، فى خطة غريبة تتضمن كلبًا وحقيبة مليئة بالنقود ورجل عصابات قاتل يؤدى دوره المخرج أبيل فيرارا.
نحن معتادون جدًا على الدراما الرياضية، وخاصةً عندما تكون مبنية على قصة حقيقية. نعرف عن ظهر قلب قصص صعود الرجل الفقير الذى يبدأ مسيرته كلاعب عادى ويصبح بطل العالم: فيلم «روكي» (أو بالأحرى «روكى 2») أتقن هذه الصيغة، ومنذ تلك اللحظة، ظهرت مئات الأفلام التى أرادت تقديم «روكى فى كرة السلة»، أو «روكى فى الرجبي»، أو «روكى على عجلات».
وفى خطواته الأولى، يبدو أن «مارتى سوبريم» سيسلك هذا الطريق الوعر الممهد بالفعل بالرياضيين المحترفين... إلى أن ينحرف عن المسار ويأخذك، بشكل لا يُصدق، إلى أماكن جديدة تمامًا.
يرفض جوش سافدى، كما يدرك أى شخص مطلع على أفلامه، تقديم فيلم يُمكنك فيه تخمين ما سيحدث مباشرةً.
بدلًا من ذلك، يُسرّع الفيلم من وتيرة شخصية بائسة، تائهة تمامًا، دون أن يتوقف عند مشهد نهائى تتلاشى فيه قناع الشخصية، وتفقد رباطة جأشها فى لحظة إدراك غامضة. تُعزف أغنية «الجميع يريد حكم العالم» بأعلى صوتها لتوديع الشخصية: الحرية والمتعة، لا شيء يدوم.
عادةً ما يُصوّر لنا السينما الأمريكية الطموحَ كشرطٍ وحيدٍ للنجاح فى الحياة وتحقيق الحلم الأمريكى المنشود. إلا أن هذا الطموح يُصوّر هنا كحجرٍ يُدمّر كل شيء:
فبسبب شعورها بالذنب، تفقد مارتى أى أملٍ فى حياةٍ طبيعية، حياةٍ بلا مال، حياةٍ لا تخضع فيها للسلطة، حياةٍ لا تُطاردها فيها عواقب أفعالها باستمرار. يصبح من المستحيل التغلّب على هذه الدوامة، حتى لحظات النصر تُصبح مُثقلةً بالحزن والأسى، انتصاراتٌ صغيرةٌ يائسةٌ لا تُثمر شيئًا ولن يتذكرها أحد. فى الواقع، لا يُتيح الفيلم لمارتى سوى فرصةٍ ضئيلةٍ للتكفير عن ذنوبها: فجهودها وإهاناتها لا تُفيد إلا فى تضخيم غرورها.
فى خضم عودة أفلام الكبار إلى الظهور فى الولايات المتحدة (كنا نعلم أنها ستصل عاجلًا أم آجلًا)، تُذكّرنا فظائع مارتى حتمًا بفيلم «يا لها من ليلة!» لمارتن سكورسيزي.
بطل الفيلم (تيموثى شالاميه الرائع، الذى كان يستحق الأوسكار هذه المرة) لا يجد لحظة راحة واحدة فى تجواله، فى سلسلة متواصلة من الخدع المبتذلة حيث تتداخل الكلاب الضائعة والممثلات المشبوهات والكرات البرتقالية والإهانات المهينة: الفيلم لا يتوقف أبدًا، والكاميرا فى حركة دائمة، تُظهر عالمًا قذرًا. لأنه، تمامًا مثل فيلم «معركة تلو الأخرى»، إذا كان هناك ما يُميّز فيلم «مارتى سوبريم»، فهو الاستخدام المثالى والدقيق لأكثر أنواع الكوميديا يأسًا.
يثق فيلم «مارتى سوبريم» بنا كجمهور بالغ، من خلال تشابك قصصى فوضوى يُنمّى باستمرار معاناة بطله.
وهناك نكتشف هويته الحقيقية، هوية شخص لا يرى الناس إلا من خلال ما يُمكنهم تقديمه (منزل، عقد، تذكرة ذهاب فقط) ويتكيف ليمنحهم ما يحتاجونه (صداقة، جنس، سلطة).
مارتى ليس شخصًا لديه القدرة على التوبة: إنه مجرد شخص كاريزمى أنانى، دافعه الوحيد ومركزه هو... حسنًا، نفسه. الانتقام. الانتصار الذى يبدو محظورًا. مستقبل مليء بالدولارات لن يأتى أبدًا. «أنا سعيد جدًا لأننا كدنا نحققه»، هكذا تُغنى فرقة «تيرز فور فيرز» فى الأغنية التى تُختتم بها أحداث الفيلم.
لو كان فيلم «مارتى سوبريم» بين يدى مخرج آخر أقل إتقانًا أو باحثًا عن تصفيق سهل، لكان مجرد رحلة متقلبة لا تحمل الكثير من المعانى، لكن سافدى يُقدّم صورة مثالية لشخص فاشل يعانى من التهابات، وغد يعرف نفسه بأنه منتصر، رجل محكوم عليه باللاشيء ولكنه دائمًا على وشك امتلاك كل شيء. وللحظات، يمتلكه بالفعل. الفيلم مُبالغ فيه، لا يُمكن التنبؤ بأحداثه، ذو إيقاع جنونى، ويُذكّرنا بسينما الماضى التى تُروى من وجهة نظر أكثر الحاضرين جنونًا، ذلك الشخص الذى يُدرك أن هناك جمهورًا يُطالب بالمزيد.