السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

49 عاما على رحيل عبدالحليم حافظ.. ولا ننسى حبايبنا أعز الناس

«حليم» مؤسس «التريند» فى تاريخ الغناء

ريشة: سامى أمين
ريشة: سامى أمين

.....



على طول الحياة نقابل ناس..

ونعرف ناس.. ونرتاح ويا ناس عن ناس

وبيدور الزمن بينا.. يغير لون ليالينا

وبنتوه بين الزحام والناس.. ويمكن ننسى كل الناس..

ولا ننسى حبايبنا أعز الناس.. 

سنين وسنين تفوت ما نحس بوجودها ولا وجودنا..

ولحظة حب عشناها عشناها نعيش العمر تسعدنا

ومين ينسى ومين يقدر فى يوم ينسى؟ شعاع أول شرارة حب.

حبيب قلبى وروح قلبى حياة قلبى..

يا أغلى الناس يا أحلى الناس يا كل الناس

لسه مشوار الحياة شايل لنا وقفات..

معالم فى طريق الحب أحلى كتير.. من اللى فات.

أعز الناس 

أعلاه كلمات أغنية خالدة فى كتالوج حليم الغنائى تلخص مشاعر عشاقه، ومثلها مثل معظم أغنياته التى تولد من رحم الإبداع لها قصة جميلة بطلها الموسيقار بليغ حمدى عندما باغت حليم باتصال هاتفى وقال له: «بقولك إيه يا حليم أنا وأنا ماشى فى الشارع كتبت مطلع أغنية بجملة موسيقية بتقول: «على طول الحياة نقابل ناس ونعرف ناس ونرتاح ويا ناس عن ناس». فقال له عبدالحليم: «الله الله كمل بقى…» بليغ: «أنا لحد هنا وقفت». حليم: «طيب شوف حد يكمل الكلام محمد حمزة أو مأمون الشناوى ولا مرسى جميل عزيز». فرد بليغ: «أنا شايف مرسى جميل عزيز فيها وعنده ملكة الربط حلوة زى ما قال فى مقطع لأغنية أم كلثوم: «عايزنا نرجع زى زمان / قول للزمان ارجع يا زمان». حليم: «اللى تشوفو يا حبيبي… هاته وتعالى أنا مستنيكم». هكذا ولدت رائعة «أعز الناس»، والمفارقة أن حليم رأى أنها مناسبة لفيلم «أبى فوق الشجرة» الذى كان يجهز له فى هذا التوقيت، وبالفعل وضعت فى سياق الأغانى التى سيغنيها عبدالحليم حافظ فى فيلم «أبى فوق الشجرة» 1967، وقد تم تسجيلها لتدرج فى الفيلم، لكن المخرج حسين كمال حذفها بعد أن وجد ألا مكان لها فى السياق وتؤدى إلى تطويل مدة الفيلم وحشده بالأغانى.

 

ريشة: جمال كامل
ريشة: جمال كامل

 

رثاء ناصر 

فى مقابلة تليفزيونية لميرفت أمين بطلة العمل كشفت جانبًا يؤكد هذه الرواية عندما أكدت فى لقاء تليفزيونى أن حليم كان يرغب أن تكون فى بداية الفيلم فى مشهد يقلب فيه ألبوم الصور التى تجمعهما ويستعيد فيه ذكرياتهما معًا، لكن حليم استجاب لرؤية المخرج حسين كمال حتى أهداها عبدالحليم للإذاعة عام 70 وحققت نجاحًا كبيرًا وكأنها قدمت لرثاء الزعيم الخالد جمال عبدالناصر الذى رحل فى هذا العام وكان حليم يعتبر ناصر هو الأب الروحى له.

 

 

 

المفاجأة أن الأغنية كانت النواة الأولى لموهبة بليغ حمدى فى كتابة الأغنيات كشاعر موهوب كما كان موسيقارًا عملاقًا، أما المفاجأة الأكبر التى ترسم مدى صدق هذا الجيل وبقاء أعماله أن بليغ حمدى بعد صدمة رحيل رفيق عمره وشريك نجاحه، كرر نفس الإحساس وكتب أغنية «بنلف» ولحنها ووزعها ليلة رحيل حليم وحزنًا عليه وتقول كلماتها: بنلف نلف نلف نلف

والسنين بتلف تلف تلف.. وآلام بتزيد وجراح بتخف حبيبى

بنودع ربيع ونستقبل ربيع.. يخضر الشجر.. تتنسى الدموع ويحلو السهر حبيبى

بنودع ربيع ونستقبل ربيع يخضر الشجر

تنطفى الشموع ويحلو السهر حبيبى

ونصبح ذكريات مجرد ذكريات

مجرد غنوة حلوة من ضمن الأغنيات حبيبى

بنحب نحب نحب نحب

عطشانين للحب الحب الحب

بإيده يدفى القلب حبيبى

أمطار الشتاء بتطفى كل ده

والقلب الحزين بين ليلة ويوم

يدوب من الأنين حبيبى

ضحكتنا بكى قسمتنا كده

تهدينا السنين أيام الهموم

ونموت عطشانين

ونصبح ذكريات مجرد ذكريات

مجرد غنوة حلوة من ضمن الأغنيات حبيبى.

الأغنية سجلتها المطربة الكبيرة وردة وغنتها المطربة الكبيرة سميرة سعيد فى بداية مشوارها الغنائى بمصر، وبسبب حليم تحول بليغ إلى شاعر غنائى، وتشاء الأقدار أن يكتب ويلحن لوردة أغنية «بودعك»، بينما كان يعانى من المرض فى العاصمة الفرنسية باريس وهى آخر أعمال بليغ وتلخص الطرف الثانى فى قصص حبه..هكذا كانت الأغنيات الخالدة وهذا هو سر بقائها حتى الآن.. حليم وبليغ قصة إبداع لم تتكرر، تلخص فى 31 أغنية أشهرها على الإطلاق:

 

ريشة: عصام طه
ريشة: عصام طه

 

«تخونوه، سواح، خايف مرة أحب، خسارة، والتوبة، جانا الهوا، الهوا هوايا، مداح القمر، حبيبتى من تكون، زى الهوا، عدى النهار، عاش اللى قال، فدائى، موعود، المسيح، أى دمعة حزن لا، وأعز الناس»، التى تحولت إلى عنوان كتاب مهم لعبدالحليم حافظ كتبه رفيق كفاحه «مجدى العمروسى».

المطرب الأسطورى تنوعت تجربته مع شركاء نجاحه «من أكابر التلحين: كمال الطويل ومحمد الموجى ومحمد عبدالوهاب» من الغناء العاطفى إلى الأغنية الوطنية فى لحظات مفصلية من تاريخ مصر، معبرًا عن نبض الشارع وآماله، ليصبح واحدًا من أبرز الأصوات التى جسدت مشاعر وانفعالات الملايين.

عظمة وروعة «حليم» أن صوته حاضر أيضًا فى معظم المناسبات الوطنية والقومية، وفى ثورتى مصر كان هو نجمها الأوحد وأغنياته هى الأصدق والأنسب والأكثر تعبيرًا عن كل الانفعالات الفارقة.. فكان هو المطرب الأصدق تعبيرًا على الأحداث التى يشهدها الوطن، فـ«حليم» عابر كل الأجيال وحبيب الملايين.

لعندليب الغناء كتالوج وطنى غير مسبوق، ولم ينجح أى مطرب مصرى فى اختراقه أو القفز عليه أو مجاراته، بل فشلت محاولات استنساخه وتقليده، ويكفى القول بأن فى ثورتى مصر لم ينجح أحد حتى الآن فى الإعلان عن نفسه، ولم تفرز الأحداث من يحمل رايته وإعادة كتابة تاريخه.

 

ريشة: إيهاب شاكر
ريشة: إيهاب شاكر

 

حكاية شعب 

«عبدالحليم حافظ» بدأ فتوحاته الوطنية بأغنية «إحنا الشعب»، وهى الأغنية الأولى التى قدمها للرئيس الخالد جمال عبدالناصر بعد اختياره شعبيًا رئيسًا للجمهورية عام 1956، وهو أول لقاء جمعه بالعمالقة كمال الطويل وصلاح جاهين، وكانت مفتاح دخول قلب الزعيم الراحل وأيضًا شعب ثورة يوليو.

وفى العام نفسه تقريبًا قدم أغنية «الله يا بلدنا الله على جيشك والشعب معاه» عقب العدوان الثلاثى الغاشم على مصر.. والمدهش أن الأغنية ما زالت حاضرة بيننا الآن بعد العدوان الإخوانى البغيض لهدم الدولة.. والأغنية كانت بوابة دخوله عالم الموسيقار العملاق محمد عبدالوهاب الذى أسفر عن أرشيف غنائى لم ولن يتكرر تخللته رائعة «وطنى الأكبر» بمشاركة باقة من ألمع نجوم الغناء المصرى والعربى، وهم صوت النيل شادية، وكروان الشرق فايزة أحمد، وشحرورة كل العصور صباح، والراحلة العملاقة وردة، والقديرة نجاة الصغيرة.

فى 30 مارس 1977 رحل أعز الناس وأغلى الناس عندليب الغناء المصرى والعربى عبدالحليم حافظ، لكنه رغم مرور 49 عامًا على غيابه ما زال حاضرًا فى كل بيت مصرى وعربى بصوته العابر للأجيال دون أن يفقد سحره، بل إنه يزداد بريقًا بمرور الأيام والأعوام.

عبدالحليم حافظ ليس مطربًا عاديًا، بل فنان صاحب «رسالة غنائية» ما زال تأثيرها مستمرًا، وهو المؤسس الحقيقى لعلم التريند فى الغناء المصرى والعربى من المحيط للخليج.. وفى ذكراه أمس التجلى الأكبر لتأثيره وقيمته، ولهذا يحتفل عشاقه من كل الأعمار بالعندليب الخالد عبدالحليم حافظ «صوت الأمة» أمس واليوم وغدًا.