السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

حكايات الهجرة من روزا.. للأهرام

عندما اختطف هيكل صلاح جاهين!

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

 

محمد هيكل
محمد هيكل

 

كان عمرى فى المجلة عدة سنوات عندما وقعت هذه الأحداث التى لا تُنسى.

كان صلاح جاهين بعبقريته ومواهبه المتعددة قد أصبح فجأة.. رئيسًا للتحرير.

وأقول فجأة، لأنه لم يدر بخيال أحد من فريق «صباح الخير» أن يتسلم هذا الفنان المرح الذى يمضى معظم الوقت فى المجلة فى حال دندنة وانغماس فى أفكار تشغل باله ولا ندرى ما هى، ولا نراه أبدًا فى حالة صارمة شديدة الجدية.. بالغة التوتر.. كما لو كان سيغير العالم فى اللحظة التالية، وهى حالة لمسناها فى بعض من عملنا معهم أو تحت قيادتهم، دون أن يتغير شىء!

لم يدر بخيال أحد أن يتسلم الفنان هذا المنصب.

المهم.. كان صلاح جاهين فنان الكاريكاتير وزعيم المدرسة التى قدمتها «صباح الخير» لعالم الكاريكاتير فى مصر والعالم العربى.. ورائد شعر العامية المصرية الجديد، يملأ صفحات المجلة بإبداعاته المتعددة، ويملأ أروقة المجلة ومكاتبها بروح حميمة خفيفة الظل متفائلة حية.. شابة.

وفوجئنا بأنه لم يتخل عن كل هذا عندما تولى المنصب.. ما أشعرنا بسعادة إضافية، كما أنه لم يمارس مهام رئيس التحرير المعتادة.. ترك كل واحد وواحدة منا على راحته، يفكر ويكتب أو يرسم، وتدور عجلة العمل دون توتر وبسلاسة غير معهودة.. ولم نعتدها، وكنا أحيانًا نخشى من أن تقودنا إلى حال التسيب!

 

رخا
رخا

 

خصوصًا عندما لاحظنا أنه أخذ فى تحويل المجلة إلى ما يشبه «البعكوكة» فكثرت المواد المكتوبة باللغة الدارجة وحتى عناوين الأبواب بما فيها مقاله الأسبوعى الذى اختار له عنوان «فى الفاضية والمليانة»!، وحتى إنه اختار للمجلة شعارًا جديدًا هو «صباح الخير.. التى يتغنى بحبها الطير!».

وذات يوم فوجئنا بغياب صلاح جاهين!

لم نعد نراه فى أروقة المجلة بروحه المرحة ودندنته وحركته الخفيفة رغم وزنه الثقيل؟

اختفى رئيس التحرير.

ومرت فترة ظهر بعدها على الصفحة التاسعة لجريدة «الأهرام» فى لوحة كاريكاتيرية كل يوم، وأصبح القراء يبدأون تصفح الجريدة من ص19.

علمنا فيما بعد أن عملية «خطف» جرت لصلاح جاهين.. قام بها محمد حسنين هيكل.

هل أقنعه بالانتقال إلى «الأهرام».. أم أغراه.. أم ماذا؟.. لا ندرى.

فى «الأهرام»

هل أراد هيكل ضم جاهين إلى «الأهرام» ليتمكن من تخفيف حدة النقد بالكاريكاتير التى اشتهر بها هذا الفنان المبدع؟

هل أغراه بأنه سيتمكن من الإطلال على جمهور كبير كل يوم وليس كل أسبوع؟

كان علينا أن ننتظر لنرى.. وهو ما حدث بالفعل.

 

ريشة صلاح جاهين
ريشة صلاح جاهين

 

كان واضحًا أن هناك «صلاح جاهين» آخر فى «الأهرام» غير ذلك الذى كنا نسعد بوجودنا معه فى «صباح الخير»، لاحظنا أن رسومه فى أحيان كثيرة منزوعة الدسم.

ولاحظنا توقفه عن إبداع رباعياته التى جعلت منه فى عيون الناس «فيلسوفًا» باللغة العامية، ولم يدم هذا الحال، رغم مضى سنين طويلة، فقد ضاق جاهين بأجواء العمل فى «الأهرام» وتدخلات هيكل فى عمله، وإحساسه بأنه لم يعد يقوم بمهمته المحببة إلى نفسه، إطلاق روح البهجة.. فترك الجريدة ومضى.

أستعيد فى ذهنى هذه الواقعة وأستذكر عمليات خطف نجوم «صباح الخير» التى تمت من جانب «أهرام هيكل» وشملت الرسام الرومانسى الرائع يوسف فرنسيس، ورسام الكاريكاتير ناجى كامل.. ورسام البورتريه الكاريكاتيرى شريف عليش.. ومن قبلهم الناقد رجاء النقاش والكاتب أحمد بهجت.

حدث هذا فى زمن تأميم الصحافة، أما قبل ذلك وقبل الثورة فقد كان خطف نجوم الصحافة شائعًا، وكان مشهورًا عن الأخوين مصطفى وعلى أمين فى دار«أخبار اليوم»، واسمحوا لى أن أترك الأستاذ إحسان عبدالقدوس يحكى عنها، كما جاء فى مقال قديم له:

بعد أن تركنى «رخا».

كانت هذه معارك مستمرة بين جميع أصحاب الصحف بعضهم وبعض.. ولكن «روزاليوسف» كانت الأكثر تعرضًا لعمليات الخطف لأنها كانت أوسع أرض لزراعة البذور الجديدة، ولأنها فى الوقت نفسه كانت لا تملك المغريات الكافية للاحتفاظ بزهورها بعد أن تينع.

أنا نفسى خطفت أكثر من مرة من فوق أرضى.

وأذكر أن أول صدمة تلقيتها كانت عندما خطف الرسام «رخا» من «روزاليوسف» ليزرع فى «أخبار اليوم»، لقد انهرت يومها انهيارًا كاملًا وخيل لى أنى لن أستطيع أن أتحمل المسئولية بعد أن تركنى «رخا».. ولم يكن «رخا» مجرد زهرة من الزهرات التى تنعكس على صفحات «روزاليوسف».. بل كنا عائلة واحدة فى بيته وفى بيتى.. كنا كأننا من أم واحدة تتحملنى وتتحمله.. تتحمل مشاكلنا الخاصة.. لن أعمل بلا «رخا»!

 

 

 

وجاءت السيدة القوية العنيدة (يقصد والدته صاحبة المجلة ومؤسستها فاطمة اليوسف) تربت على كتفى وتحاول أن تنقل ابتسامتها المغرورة الواثقة إلى شفتى.. ماذا حدث؟ لا شيء.. لقد كان «صاروخان» هنا ثم خطفوه فبذرنا مكانه «رخا».. وخطفوا «رخا» فتعال نبذر بذورًا جديدة فى مكانه.

واقتنعت.. وتعودت بعد ذلك على عمليات الخطف وتحملتها كلها.. وكنت أفرق دائمًا بين عمليات الخطف التى يقوم بها مصطفى أمين والتى يقوم بها على أمين.. كانت العملية التى يقوم بها مصطفى تقع كمفاجأة بلا مقدمات.. صدمة كهربائية.. أما العملية التى يقوم بها على، فكانت تتم فوق حلبة ملاكمة مكشوفة وتستغرق عدة جولات.. جولتين أو أكثر من عشر جولات.

أعود إلى ما جرى لصلاح جاهين بعد تجربته فى «الأهرام» والتى دامت سنوات طويلة أصيب بعدها بحالة من الاكتئاب وزاد وزنه، ربما شعر  بأنه فقد بعض القدرة على ممارسة فنه رسمًا أو شعرًا.. فى أجواء لا تسمح بالتفكير خارج القالب الرسمى.. فكيف له أن يتوقف وهو الفنان الذى يتمتع بجماهيرية كبيرة وبشعور قوى بالمسئولية.

ربما عانى من عدم القدرة على التعبير كاملًا كما يريد أو كما يحب.

المهم سافر جاهين فى تلك الفترة للعلاج فى الخارج وغاب طويلًا، وعندما عاد لم يكن يرى نفسه كما كانت من قبل.. لم يعد يجد صلاح جاهين الذى يعرفه ويحبه.

وأحسسنا أننا فقدنا العبقرى الذى نحبه والفيلسوف الذى ينير لنا الطريق والفنان متعدد المواهب.. يرسم يكتب يفكر يمثل، يبتكر شعرًا غير مسبوق.. يكتب سيناريو الأفلام، ووسط كل هذا لا يتوقف عن الدندنة والمرح.. فلماذا خطفه الاكتئاب منا؟

قام أحد كبار أساتذة علم وطب النفس بمحاولة تحليل نفسى لشخصية صلاح جاهين لكنه وقع فى خطأ كبير هو اللجوء إلى دراسة نفسية الكاتب جاهين من خلال إبداعه «الرباعيات» مع أن المعروف هو أن الأدب والفن نتاج فكرى وفنى لا علاقة له بنفسية مبدعه.

وبالتالى لا يصلح كمادة لدراسة الحالة النفسية للمبدع.

هل لو قام هذا الأستاذ بقراءة مسرحيات شكسبير، سيقدم لنا صورة لحالته النفسية؟!

طبعًا لا، فالأدب والفن ليس تعبيرًا مباشرًا عن نفسية المبدع.. التى يمكن استظهارها فى رسائله أو سيرته الذاتية أو سلوكه.

عمومًا.. يقول أساتذة علم النفس الذين درسوا سلوكه، إن صلاح جاهين كان حالة نادرة اجتمع فيها النقيضان الحزن والبهجة، ومع أنه كان من كبار مروجى روح البهجة والأمل والثورة والعمل والعدالة والرحمة إلا أنه أصيب بحال من الحزن و«الانهباط» - وهو تعبير صكه أستاذ آخر هو الدكتور عبدالعزيز القوصى - أحد أعلام علم وطب النفس، ويقصد به الاكتئاب التام.

واستطاع هذا «الانهباط» أن يخطف منا أحد أبرز عباقرتنا.

وفى الأسبوع المقبل نواصل