د.سمية عسلة
صراع الإرادات فى «هرمز»
يمر العالم بمنعطف تاريخى يعيد رسم توازنات القوى الجيوسياسية والاقتصادية، حيث تحول الشرق الأوسط من ساحة لنفوذ القطب الواحد إلى ميدان لاستنزاف الهيمنة الأمريكية. فبين تحركات واشنطن لترميم تحالفاتها المتصدعة، والاستراتيجيات الدفاعية الإيرانية المبتكرة، والدور الصينى - الروسى المترقب، نجد أنفسنا أمام مشهد يتجاوز مجرد الصراع العسكرى المحدود ليصل إلى حرب «كسر عظم» تستهدف عصب النظام المالى العالمى المتمثل فى «البترودولار».

إن التطورات المتلاحقة فى مضيق هرمز وجزيرة «خرج» لا تعكس فقط موازين القوى الميدانية، بل تؤشر على تحولات عميقة فى طبيعة الحروب الحديثة والتحالفات الدولية.
ومؤخرًا أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن رغبته فى تشكيل تحالف دولى لحماية السفن فى مضيق هرمز، ووجه دعوة مباشرة للحلفاء الغربيين، بل وللصين نفسها، للمشاركة بذريعة حماية تدفق نفطها. إلا أن الردود الدولية جاءت على غير رغبة وهوى الدبلوماسية الأمريكية.

فقد توالت الاعتذارات والمواقف الحذرة التى كشفت عن شرخ عميق فى معسكر حلفاء واشنطن، حيث أستراليا: رفضت رسميًا إرسال أى قطع بحرية. اليابان: أكدت أنها لن تتحرك لمجرد تلبية رغبة ترامب، مشددة على أن الأمر يتطلب «حذرًا شديدًا».
كوريا الجنوبية: اكتفت بوعود «دراسة الموضوع». أما أوروبا: فأعلنت بريطانيا وفرنسا نيتهما عدم إرسال تعزيزات؛ وذكرت صحيفة «الجارديان» أن لندن تدرس إرسال طائرات مسيرة لكشف الألغام لتجنب المخاطرة بسفنها.
وألمانيا: جاء ردها الأكثر حدة على لسان وزير دفاعها الذى تساءل باستنكار: «ليست حربنا ولم نبدأها.. هل يتوقع العالم أن تنجز فرقاطتان أوروبيتان ما عجزت عنه البحرية الأمريكية القوية؟».
أثارت هذه المواقف غضب ترامب، الذى سارع لتهديد حلف شمال الأطلسى «الناتو» صراحةً بقوله: «ينتظر الناتو مستقبل سيئ للغاية إذا لم يشارك الحلفاء فى مواجهة إيران». وهو تحول غريب فى المواقف، وترامب الذى دأب على السخرية من الحلف، يحاول اليوم ضم أعضائه لفتح المضيق تحت مسمى «تحالف هرمز».

الموقف الصينى
ذكاء استراتيجى وهدوء ما قبل العاصفة تلتزم به الصين ما يمكن تسميته «صمتًا سياسيًا» يعكس رفضًا ضمنيًا للمشاركة. فالصين لا تملك حافزًا لإنقاذ ترامب؛ فقد عززت أمنها الطاقى عبر تخزين كميات هائلة من النفط الاستراتيجى، وتنويع المصادر، والاستثمار الضخم فى الطاقة المتجددة.
علاوة على ذلك، تعد الصين الشريك الاقتصادى الأبرز لإيران، ولن تتحرك ضدها، خاصة مع تلميحات طهران بتسهيل مرور الناقلات التى تتعامل بـ «اليوان الصينى» بدلًا من الدولار.
وتشير تقارير صحفية أمريكية (مثل موقع «أكسيوس») إلى أن حصار النفط الخليجى وإغلاق المضيق يجعل من الصعب على ترامب إنهاء الحرب حتى لو أراد ذلك.
فى هذه الأثناء، تستغل الصين انشغال واشنطن لتعزز نفوذها فى شرق آسيا؛ حيث تحشد قواتها حول تايوان فى ظل انسحاب السفن ومنظومات الدفاع الأمريكية من المنطقة لصالح التصعيد فى الشرق الأوسط، ما منح كوريا الشمالية فرصة لاستئناف تجاربها النووية، وأدى فعليًا إلى تقليص النفوذ الأمريكى فى نصف الكرة الشرقى.
«الراية المزيفة»
فى شأن آخر كشفت تقارير عسكرية واستخباراتية أجنبية مؤخرًا عن مخطط خطير يقوده جهازا «الموساد» الإسرائيلى والمخابرات الأمريكية الـ«CIA» لجر المنطقة إلى انفجار إقليمى يشمل استنساخ المسيرات حيث زعمت طهران (عبر بيان مقر خاتم الأنبياء) أن الولايات المتحدة وإسرائيل قامتا باستنساخ المسيرة الإيرانية «شاهد 136» لاستخدامها فى ضرب أهداف فى الخليج وتركيا، بهدف اتهام إيران وإثارة الفتنة بينها وبين جيرانها.
كذلك التركيز على ضربات من الداخل، حيث صرح وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى أن بعض الهجمات الأمريكية انطلقت من قواعد قريبة من مراكز مدنية فى دول الجوار، لإجبار إيران على الرد واستهداف تلك الدول، وهو ما يفسر سياسة ضبط النفس التى تتبعها دول الخليج حتى الآن لتجنب هذا الفخ.
وعلى مستوى الميدان، كشفت هيئة البث الإسرائيلية عن استعداد جيش الاحتلال لاستدعاء 450 ألف جندى احتياط، وهى أكبر عملية استدعاء فى تاريخ الكيان، ما يشير إلى نية واضحة لتوسيع رقعة الحرب لتشمل جميع الجبهات (لبنان، سوريا، العراق، وفلسطين) تحقيقًا لأطماع توسعية لم تعد خافية على أحد.

ومن ضمن ما يخطط حاليًا ما يسمى صناعة «العدو الوهمى» داخل الولايات المتحدة تتجه الأنظار الآن نحو الداخل الأمريكى، حيث تروج وسائل إعلام كبرى (مثل شبكة ABC) لتقارير تزعم وجود «خلايا نائمة» إيرانية تستعد لشن هجمات داخل ولاية كاليفورنيا.
إلى ذلك تظهر مؤشرات على «العملية المدبرة» تشمل اختراق قاعدة «فورت كامبل»: سرقة مسيرات متطورة من طراز (Skydio X10D) مزودة بذكاء اصطناعى فى ظروف غامضة، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه السرقة «تمثيلية» لاستخدام تلك المسيرات فى هجمات تُنسب لاحقًا لإيران.
إضافة إلى ما يعتمد تحت بند التعبئة السياسية ومنها تصريحات السيناتور «تيد كروز» عن وصول الخطر لأعلى مستوياته، وتحذيرات الوكالة المركزية FBI المتكررة، وكلها تصب فى خانة تهيئة الرأى العام الأمريكى لتقبل فكرة الحرب. ومنها شهادة «تاكر كارلسون» المذيع الأمريكى الشهير الذى فجر مفاجأة بتأكيده أن تيار «المحافظين الجدد» يسعى لاختلاق «ذريعة دموية» على غرار (11 سبتمبر جديدة) لإقناع 70% من الشعب الأمريكى الرافض للحرب بضرورة التدخل البرى فى إيران.
رسائل s.m.s
نذير الحرب الشاملة يُزلزل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية فى تطور دراماتيكى للأحداث، حيث وجه الحرس الثورى الإيرانى رسائل مباشرة عبر الهواتف النقالة للمستوطنين فى تل أبيب، تضمنت وعيدًا قاسيًا: «سنجلب عليكم أيامًا سوداء تطلبون فيها الموت ولا تجدونه».
يأتى هذا التهديد بالتزامن مع موجة قصف واسعة تستهدف مصالح إسرائيلية وأمريكية فى عموم المنطقة.
التصعيد الميدانى: استهداف العمق الاقتصادى والعسكرى حيث أصدرت طهران تحذيرات صارمة لواشنطن بإخلاء منشآتها الصناعية فى الشرق الأوسط، مطالبة المدنيين بالابتعاد عن القواعد الأمريكية والموانئ الحيوية.
إن واقع الـ15 يومًا من الحرب رغم خروج الرئيس ترامب بتصريحات يزعم فيها القضاء على «100% من القوة الإيرانية»، يخالف الواقع الميدانى وحتى اليوم الخامس عشر للحرب الذى يروى قصة أخرى؛ حيث وصفت القيادة الإسرائيلية الحرب بأنها «فى تصاعد مستمر».
ووصلت حصيلة الخسائر الاستراتيجية إلى الإطباق على مضيق هرمز، رغم تدمير أجزاء من الأسطول الإيرانى التقليدى، إلا أن الزوارق الانتحارية والألغام البحرية مكنت طهران من فرض سيطرة شبه مطلقة على المضيق.
بالإضافة إلى إسقاط طائرة تزويد بالوقود (KC 135) فوق العراق، وتضرر طائرات أخرى، وتوجيه ضربات مباشرة لحاملة الطائرات «إبراهام لينكولن»، مما اضطرها للانسحاب بعيدًا عن مناطق الاشتباك.
اعترافات من الداخل
«سوء تقدير وفشل استراتيجى» هو الوصف الذى استخدمه السيناتور الأمريكى «كريس ميرفى» فى تغريدة عبر منصة (إكس) وقال إن ترامب فقد السيطرة تمامًا على مسار الحرب، واصفًا ما حدث بـ «فخ سوء التقدير».
وأوضح أن واشنطن انسجمت مع تقارير إسرائيلية مضللة توقعت استسلام إيران خلال 72 ساعة، لتفاجأ بمقاومة أظهرت قدرات عسكرية غير متوقعة، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تفتقر الآن لـ «خطة بديلة» لفتح مضيق هرمز أو حماية ناقلات النفط. وكشف عضو «الكنيست» الإسرائيلى «فلاديمير بيلياك» عن حجم التعتيم الإعلامى فى تل أبيب؛ فبينما يتحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن «النصر»، فضح بيلياك الواقع المرير بوجود ما يفوق 2000 قتيل وعشرات الآلاف من المصابين والنازحين، ما يدحض الرواية الرسمية التى تحاول تقزيم خسائر الضربات الإيرانية.
ميدانيًا تشهد المنطقة تطورًا استراتيجيًا غير مسبوق، حيث بدأت إيران بفرض «اليوان الصينى» كعملة وحيدة لسداد رسوم مرور السفن عبر مضيق هرمز. هذه الخطوة ليست مجرد إجراء فنى، بل هى تنفيذ عملى لخطة كسر هيمنة «البترودولار» التى تسيطر بها الولايات المتحدة على النظام المالى العالمى، وتجسيد لتطلعات دول «بريكس» فى إيجاد نظام نقدى بديل مدعوم بالذهب والتقنيات الرقمية. وهو استغلال صينى روسى لـما يحدث فى ظل حاجة العالم الماسة للطاقة حيث تستثمر الصين ظروف الحرب لتقويض ركائز الاقتصاد الأمريكى.
وبينما تنجر واشنطن خلف مصالح اللوبى الصهيونى فى صراع لم تختر توقيته، تبرز ملامح تحول كبرى تشمل تصدع الحلفاء حيث بدأت دول مثل فرنسا وإيطاليا والهند مفاوضات مباشرة مع طهران لضمان أمن سفنها، فى إشارة واضحة لمبدأ «المصالح أولًا» وتخلى الحلفاء عن التبعية المطلقة لواشنطن.

أما عن النزيف المالى فتُشير التقديرات إلى أن خسائر البورصة والاقتصاد العالمى تجاوزت 3.2 تريليون دولار فى الـ 96 ساعة الأولى من الصراع، بينما يتكبد دافع الضرائب الأمريكى ما يفوق المليار دولار يوميًا كمصاريف تشغيل عسكرية.
ويدرك المحور (الصينى الروسي) أن نقطة ضعف أمريكا تكمن فى انحيازها الأعمى لإسرائيل، وهو ما يتم استغلاله ببراعة لاستنزاف قدراتها العسكرية وتفوقها الاقتصادى. إن ما يحدث الآن هو رد فعل استراتيجى على محاولات الناتو تضييق الخناق على روسيا فى أوكرانيا، وحصار الصين تجاريًا؛ فجاء الرد بتحويل الشرق الأوسط إلى «ساحة استنزاف» قد تنتهى بخروج أمريكا نهائيًا من المنطقة.
لم تعد الحرب مقتصرة على البرامج النووية، بل هى حرب عالمية بالوكالة بأهداف توسعية صهيونية وتكتيكات دفاعية إيرانية مدعومة بتكنولوجيا شرقية عبر انخراط أوكرانيا فى الصراع بإرسال خبراء طائرات مسيرة لدعم واشنطن وتل أبيب، ما جعلها هدفًا مشروعًا للرد الإيرانى. بينما يراهن ترامب على جزيرة «خرج» ساعيًا لحشد آلاف الجنود من «المارينز» واستقدام حاملة الطائرات «يو إس إس تريبولى» لفتح مضيق هرمز بالقوة والسيطرة على جزيرة «خرج» النفطية، بهدف الاستحواذ على عصب النفط الإيرانى لا تدميره.
القوى الإقليمية
كشفت الحرب عن حقيقة صادمة لحلفاء واشنطن فى الشرق والشرق الأقصى؛ فبمجرد سحب منظومات «باتريوت» وحاملات الطائرات من بحر اليابان وكوريا الجنوبية لدعم إسرائيل، وجدت تلك الدول نفسها فى مهب الريح حيث سارعت بيونج يانج لإطلاق 10 صواريخ باليستية، مستغلة غياب التواجد الأمريكى.
بينما يعيش الكوريون الجنوبيون حالة من الاستياء بعد أن ضحوا بعلاقاتهم مع الصين مقابل حماية أمريكية تبخرت عند أول اختبار.
عمليًا دخلت المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة «كسر العظم» بعد تنفيذ قاذفات الـ«B2 Stealth» الأمريكية غارات جوية استهدفت قلب الشريان الاقتصادى الإيرانى فى جزيرة «خرج». هذه الضربات التى وصفها ترامب بأنها «الأعنف تاريخيًا»، تهدف إلى شل قدرة طهران التى تصدر 90% من نفطها عبر هذه الجزيرة، مما يضع الاقتصاد الإيرانى فى مواجهة مباشرة مع خطر الشلل التام.
ويحاول ترامب خنق النظام الإيرانى اقتصاديًا فى حين بدأت طهران بفتح ممرات آمنة لسفن تركية وإسبانية فى مضيق هرمز كبادرة حسن نية.
ومع فشل الضربات الجوية فى إسقاط النظام الإيرانى، يلوح فى الأفق خيار «الغزو البرى» الذى رفض وزير الدفاع الأمريكى استبعاده. ولكنه، يواجه عوائق ضخمة، فعلى مستوى داخلى يرفض الشعب الأمريكى التورط فى حروب برية جديدة، خاصة أن نسبة كبيرة كانت تعارض حتى الضربات الجوية الأولى.
وعلى مستوى إقليمى فإن الضغط يتزايد لإنهاء الحرب، ما يضع أمريكا أمام خيارين أحلاهما مر: إما دفع تعويضات هائلة، أو الانزلاق فى مستنقع غزو بري لا تضمن نتائجه.
فى المحصلة، يتبين أن المشهد الراهن هو صراع وجودى يتجاوز الجغرافيا الإيرانية ليشمل النظام المالى العالمى برمته، حيث تتقاطع فيه التكتيكات العسكريةص غير المتكافئة مع استراتيجيات الخنق الاقتصادى.