تجديد خطاب الدين والديمقراطية
بقلم: صبرى سعيد
ما هو نصيب مجتمع ينمو من الإصلاح الإسلامى؟
أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى أكثر من مرة وفى مناسبات مختلفة أن تجديد الخطاب الدينى مطلب شديد الإلحاح، المعنى هو ضرورة العمل على إيجاد مفردات لخطاب تتناسب مع هذا العصر.. فهل لاقَى خطاب رأس مؤسسة الدولة تفاعلًا وإيجابية من المؤسسات المعنية.. وبمعنى أدق المؤسسة المنوط بها تجديد الخطاب الدعوى؟

لعل إحدى أهم الإشكاليات التى يواجهها الباحثون فى جدلية العلاقة بين الدين والدولة فى ظل تحولات ديمقراطية، هى: هل الدين يساعد الديمقراطية أم يعوقها؟ وهل يمكن إخضاع الدين للقانون؟ وهل تتفاعل الثقافة مع دين أى مجتمع بالإيجاب؟
هناك سؤال لا توجد عنه إجابة بسيطة بنعم أو لا، ذلك أن الكثير بشأنه يعتمد على السياق. فليس من الممكن حتى تقسيم ديانات العالم الكبرى إلى فئات محكمة الحدود كديانات داعمة للديمقراطية وأخرى محايدة، وثالثة تضعف آثارها الديمقراطية، إذ تشمل جميع الديانات مجموعة من النزاعات المتنافسة. فتاريخيّا نلاحظ أن بعض الديانات كانت تؤيد الحق الإلهى للملوك وتؤيد فى الوقت نفسه المذهب القائم على المساواة.
ونجد فى وقت واحد فى إطار دين واحد جماعات ذات نفوذ تعمل على دعم نظام حُكم مستبد، بينما تخاطر جماعات أخرى بحياتها لحماية معارضى هذا النظام أو لفضح انتهاكاته لحقوق الإنسان.
وتشير التجارب إلى أن التعصب هو اعتقاد باطل بأن الإنسان يحتكر لنفسه الحقيقة، فهناك التعصب العنصرى والتعصب القومى والتعصب الدينى وكل هؤلاء يشتركون فى سمة واحدة وهى الانحياز إلى موقف الجماعة التى ينتمون إليها دون تفكير وإغلاق أبواب العقل ونوافذه إغلاقًا محكمًا حتى لا تنفذ إليه نسمة من الحرية.
ويجتمع التعصب مع المحتوى الاجتماعى ليجعل من الإنسان عدوًّا لذاته كادحًا بالساعد، فى حين يمتلئ رأسه بأفكار مستغلية من أصحاب الخطابات الماضوية، (مشاهد متعددة طوال الفترة منذ انتخابات نوفمبر 2011 حتى ثورة 30 يونيو من حرق للكنائس وقتل البهائيين وغير ذلك من أنواع العنف ضد الأقليات- حتى أبناء الدين الواحد الذين لا ينتمون للجماعة الحاكمة (الإخوان على سبيل المثال).

ففى إطار مفهوم الدولة العصرية النهضوية التى تأخذ مصر خطوات فاعلة ضمن مسار الوصول إلى هذه الغاية، وفى إطار البحث والجدل عن مقومات هذه النهضة ومؤشرات الدولة العصرية التى تأخذ العِلم نهجًا والقانون سيادة، والمدنية بمعناها الحضارى الطارد لصخب الرجعية والمفاهيم الماضوية التى تبث الشقاء للمجتمع والدولة معًا، فإنه لزامًا البحث عن هذه الذات المصرية بتاريخها المضىء فى ظل مناخ ملىء بالشك والريبة تجاه ما تحاول أن تصل إليه الدولة بمؤسساتها المختلفة للوصول إلى هذه الدولة العصرية بمؤسسات فاعلة، وكذلك تحقق النهضة الشاملة عبر برامج عدة سواء مرتبطة بالإصلاح الاقتصادى الهيكلى أو محاولة للنهوض بمنظومة التعليم أو ما يطلق عليه تجديد الخطاب الدينى أو الدعوى.
من المؤكد، بل من اليقينى أن مفهوم الدولة عندما ترسخ كل الهدف منه هو تنظيم حركة المجتمع والحفاظ على تماسكه وأمنه من خلال مؤسسات بعينها موكل إليها اختصاصات محددة، تتكامل وتتقاطع جميعًا من أجل مصلحة المجتمع وجميع أعضائه، وعندما وُجِدَ القانون وُجِدَ لتنظيم حقوق وواجبات أعضاء المجتمع والاحتكام إلى النصوص القانونية التى تحفظ لكل فرد من أفراد المجتمع حقوقه، ومن دون القانون وسيادته لا يمكن أن تكون هناك حماية للحقوق الفردية والجماعية.
عن المواطنة
عندما أوصى الله لرُسُله بدياناته المتلاحقة كان الغرض منها بث التسامح والتعاطف والتعاضد بين الناس، وكذلك روح التعاون وتنظيم حياتهم الروحية وإعلاء قيمهم الإنسانية، ولم تكن على الإطلاق بغرض بث روح الشقاء والآلام للناس أيّا كان الاستناد لأى نصوص معينة، فالأصل فى الأديان جميعها هى خلق أنساق قيمية متسامحة تُسهم فى تحسين شروط الحياة والتفاعل مع معطيات كل عصر بما يسمح لتخفيف آلام الناس وشقائهم.
إن ظهور العلاقة بين الثقافة والدين كعاملَين مؤثرَين يشكلان مضمون الحضارة، قد لعبا دورًا مُهمّا فى تطور الذات المصرية بعدما استتبت أركان الدولة الحديثة من خلال مشروع الحداثة الذى أطلقه فى تلك المرحلة محمد على باشا.. وقد نال المشروع ما ناله وتعرّض لكثير من النكسات بعد دخول مصر تحت نير الاستعمار الإنجليزى.
ولقد شهد «القرن العشرين» ظهور الثقافة الحديثة وتفاعلاتها مع الأيديولوجيا الدينية كفعاليات حضارية، وتم طرح مسألة التأصيل ضمن التعامل مع التراث من خلال عدة محاور: الأول، من خلال التعامل مع التراث كميدان يشهد صراعًا على مستوى القراءة والتأويل، وبالتالى فإن الموقف من التراث حمل مضامين الصراع على مستوى اللحظات التى تَمُرّ بها البلاد (على سبيل المثال إبداعات طه حسين وعلى عبدالرازق وأحمد لطفى السيد والمازنى ومحمد حسين هيكل وإسماعيل مظهر وأحمد أمين وغيرهم) حتى الأزهر ذاته شهد نقلة نوعية باعتلاء مشيخته تلميذ الشيخ محمد عبده، الشيخ محمود شلتوت، وشهدت الفترة مؤلفات (الإسلام وأصول الحُكم- مستقبل الثقافة فى مصر- الشِّعْر الجاهلى... وغيرها).
والثانى، تعامل الثقافة قد تم من خلال اعتبارها مادة معرفية يمكن توظيفها فى نقل المجتمع إلى العصر الحديث، وفتح آفاق التفاعل مع الثقافات الأخرى والانفتاح على القيم الثقافية.
يكفى أن نشير إلى مثال واحد فى القرن التاسع عشر، وهو أن نظرية التطور من النظريات التى لم تحظ مثلها من اهتمام على المستويَين العلمى والشعبى- وقد يزعم البعض أنه لا توجد نظرية أخرى أحدثت ما أحدثته من تغيير جوهرى فى الفكر الإنسانى على مدى تاريخه الطويل.
فقد تعرّض لها الشيخ أمين الخولى الذى تخرّج فى مدرسة القضاء الشرعى، صاحب الخطاب التجديدى، حيث إن مقولة التطور تُعتبر المقولة المحورية فى خطاب الخولى التجديدى حتى إنه ألقى محاضرة عام 1927 فى عِلم الأخلاق على طلبة كلية أصول الدين تعرّض فيها لهذه النظرية.
وأشار إلى أن نظرية التطور هذه لها أصولٌ فى الفلسفة الإسلامية عند إخوان الصفا وابن سينا.. فقد كان الخولى كمثال (وزميله طه حسين) قد أسهما فى بث الروح الحيوية فى الخطاب الدينى. ولم يكن كما يُشاع يسعى إلى نفى دور الدين.
إن مشروع النهضة والحداثة له تكاليف باهظة، أولها الإرادة الحقيقية سواء لصانع القرار أو للقوى الاجتماعية الفاعلة لتجاوز المفاهيم المغلوطة والإرث المُشَوَّه عن علاقة الدولة بالمدنية وعلاقة العِلم بالدين وعلاقة الدين بالمجتمع... إن دولة تبحث عن الحداثة ينبغى أن تقوض مفاهيم الفاشية الدينية بكل أشكالها وتدعم العِلم والتجديد والتحديث فى كل مناحى الحياة.