السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

إمام المجددين.. مدرس المنطق

كيف بدأ محمد عبده الطريق لتحرير العقول؟

سبق الشيخ الأزهرى المستنير عصره بعصور من الزمان، وكانت رؤيته ثاقبة نابهة، فقد تنبأ بضرورة التطوير والتجديد الدينى.. كان محمد عبده إمام المُجددين باعث المدنية الحديثة وأهم دعاة النهضة والتنوير الذى حَمَل على عاتقه مهمة صعبة تعتمد على إحياء الأمة الإسلامية بعيدًا عن جمود الفكر.



 

أبدًا لم يكن الأمْرُ سهلًا، لكن محاولاته استمرت لإصلاح الكيانات الإسلامية وفى مقدمتها الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية، وبطبيعة الحال سَلك الإمام طريقًا صعبًا لكنه تحمل فى سبيل تحقيق هدفه الذى يصبو إليه، فلا السجن عرقل مسيرته ولا النفى منعه من استكمال المشوار والكفاح.

الإمام محمد عبده حذّر مبكرًا من خطورة استخدام الدين كوسيلة للوصول لمآرب سياسية، مؤكدًا أن مَن يسعون إلى هذا المسلك يضرون وبلا شك بالدين والسياسة معًا. 

هو محمد بن عبده حسن خير الله، وتروى الكتابات التاريخية عنه أن والدَه من أصل تركمانى، بينما والدته مصرية تنتمى إلى قبيلة بنى عدى العربية. 

 

 

 

وُلد فى الأول من شهر يناير عام 1849، وكانت نشأته فى قرية «محلة نصر» بمحافظة البحيرة، وكالمعتاد فى زمانه بدأ دراسته وهو ما زال فى سِن صغيرة فى كُتّاب القرية فتلقى أولى خطوات المعرفة والحياة.

وعنما بلغ عمره الثالثة عشرة، درس علوم اللغة والفقه بالجامع الأحمدى «السيد البدوى» فى مدينة طنطا، وكان قد أتم حفظ القرآن الكريم وجوّده. 

التحق الصبى محمد عبده بالجامع الأزهر فى عام 1865، فدرس العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية والنحو والبلاغة والتفسير إضافة إلى العلوم الشرعية حتى نال الشهادة العليا «العالمية» عام1877. 

محطات متوالية

تميَز «عبده» بآفاقه المتفتّحة فتعمّق فى معرفة العلوم الدنيوية التى لم تكن تدرّس داخل الأزهر، فاجتهد فى البحث عمن يساعده فى إدراكها والتقط أول الخيط من نصائح الشيخ «درويش خضر» الناصح والمشجّع الأساسى له فى التعرُّف إلى مختلف العلوم بجانب علوم الفقه والشريعة. 

وتوالت محطاته فى الحياة، فتلقى دروسًا فى الرياضيات على يد الشيخ «حسن الطويل» ومنها إلى نقطة انطلاق جديدة بالصداقة بينه وبين أستاذه «جمال الدين الأفغانى»، فلكل منهما منهجه الخاص لكنهما اتفقا فى الهدف وهو الدعوة للإصلاح. 

بدأ الإمام محمد عبده حياته العملية بتدريس المنطق والفلسفة والتوحيد داخل الأزهر، ولم يتوقف عطاؤه فدرس «مقدمة ابن خلدون» فى مدرسة دار العلوم، كما عمل مدرسًا فى مدرسة الألسن آنذاك، وانضم إلى جريدة «الوقائع المصرية»، حيث اشتهر بكتابة المقالات الإصلاحية بعدما أدرك أنه لا مناص للإصلاح المنشود إلا بنشر التعليم فى فئات المجتمع المختلفة وبين جميع أفراد الشعب. 

وكانت الجريدة تضم معه الكثير من الكُتّاب والشخصيات المعروفة ذائعة الصيت، ومنهم الزعيم «سعد زغلول». 

 

 

 

وعندما اندلعت الثورة العرابية (1882) وأيّدها كان جزاؤه النفى ثلاث سنوات كاملة بعد فشلها، فاستقر الإمام فى بيروت بلبنان وبقى بها عامًا كاملًا بعدها توجَّه إلى باريس بدعوة من أستاذه «جمال الدين الأفغانى»، حيث لعب دورًا مُهمّا فى حياة الإمام وتحوُّله من الصوفية إلى الفلسفة والبحث عن الإصلاح وأسسا معًا جريدة «العروة الوثقى» فى عام 1884.

لم يدُم الحال طويلًا، فقد توقفت الجريدة عن الصدور بعد 18 عددًا فقط بسبب مقالاتهما التى كانت تندد بالاحتلال وتدعو إلى التخلص من كل أشكاله، وهو ما أغضب بالطبع الفرنسيين والإنجليز معًا. 

ومن جديد عاد الإمام محمد عبده إلى بيروت، وفيها عمل بالمدرسة «السلطانية»، ولأنه بالطبيعة مجدد فقد اجتهد فى تطويرها، كما كانت له إسهامات بالمقالات فى جريدة «ثمرة الفنون»، إضافة إلى هذا قدَم شرحًا لنهج البلاغة ومقامات «بديع الزمان الهمزانى». 

عندما أصدر الخديو «توفيق» عفوًا عنه بوساطة وتدخّل بعض الشخصيات السياسية، منهم «سعد باشا زغلول»، عاد الإمام إلى مصر شريطة عدم العمل بالسياسة، وذلك بعد أن قضى ست سنوات كاملة فى الخارج. 

بداية الأمل

حقيقة الأمْر أنه بدأ من جديد فى البحث عن تحقيق حلمه الأول، وهو إصلاح المؤسسات الإسلامية وتطوير التعليم، فعمل فى بادئ الأمْر قاضيًا فى محكمة بنها ومنها إلى محكمة الزقازيق وبعدها محكمة عابدين ثم مستشارًا بمحاكم الاستئناف. 

وبفضل معرفته باللغة الفرنسية تمكّن من الاطلاع على الكثير والكثير من الكتب والقوانين الفرنسية إضافة إلى ترجمته لكتاب «سبينسر فى التربية» من الفرنسية للعربية. 

تولى الإمام المُجدد منصب «مفتى الديار فى الثالث من يونيو «1899» بموجب مرسوم صادر عن الخديو «عباس حلمى» وكانت الحالة هى الأولى من نوعها، فالمعروف فى ذلك الوقت أن مَن يقوم برئاسة الأزهر هو مَن يتولى هذه الوظيفة، ولكن منذ هذا التاريخ أصبح هذا المنصب مستقلًا عن مشيخة الأزهر. 

واستمر عمله به ست سنوات قدّم خلالها نحو 944 فتوى فى مختلف شئون الحياة وجميعها مسجلة بسجلات ودفاتر الأزهر، واستمر عطاؤه حتى قدّم استقالته عام 1905 على خلفية التوترات بينه وبين الخديو «عباس». 

قبل استقالته قدّم «عبده» فتاوى فى قضايا متنوعة حول المواريث والمالية واستقلال المرأة ماليّا والحَجْر والديون وإبراء الذمة، كما كانت له فتاوى تخص الأسرة بما فى ذلك الزواج والطلاق والحضانة وأخرى فى قضايا القتل والقصاص.

 

 

 

كانت الفتاوى والآراء الجريئة للإمام بمثابة محاولة لإقصاء شيوخ الأزهر التقليديين فى عصره ولاقَى هذا الأمْرُ قبولًا من الإدارة المصرية آنذاك فلم تعارضه. 

دعا الإمام إلى الإصلاح الدينى مدركًا أنه لن يتأتّى إلا من داخل الأزهر، وكانت له جُملة شهيرة وهى «إن بقاء الأزهر متداعيًا على حاله محال»، وبدأت رحلته مع التجديد عندما أصدر الخديو «عباس» قرارًا يقضى بتأسيس مجلس إدارة الأزهر ليضم بين أعضائه الشيخ «محمد عبده».

قام «عبده» بإعداد مشروع متكامل لإصلاح الأزهر فى العام 1895، فقد رأى أن التجديد فيه صلاح للأمة من دون إهمال ولا إغفال للتراث الإسلامى، وإنه لا تعارُض بين الدين والتقدم العلمى، لكن الأمْر تصادم مع بعض أساتذة الأزهر الذين رفضوا فكره الإصلاحى وحاربوه.

بينما أيّدَه على الجانب الآخر فريق كبير لأنه عوّل على نهضة الأمة بالتربية والتعليم فى الأساس. 

وَجَدَ الشيخ محمد عبده أن أوروبا تسبق العرب والمسلمين لأنهم يطبقون الإسلام وهم لا يعتنقونه، فهم يؤسسون الحضارة آخذين بالأسباب دون انغلاق فكرى أو جمود عقلى. 

وعند سفره إلى فرنسا انبهر بما لاقاه من نهضة وحضارة وتنمية فقال مقولته الشهيرة «وجدت هنا إسلامًا ولم أجد مسلمين، وجدتُ المبادئ والقيم والمُثل وكلها صفات يطالبنا بها الإسلام».

وتيقن أن المشكلة لم تكن أبدًا فى الدين، ولكن فى الفهم الخاطئ له وما تراكم من أفكار أخفت حقيقة الدين الإسلامى الذى يدعو إلى البناء والرُّقى المادى والروحى باتساع المكان والزمان ووفق متطلبات العصر.

تم تعيين الإمام محمد عبده فى مجلس شورى القوانين كما أنشأ مدرسة القضاء الشرعى وأنشأ فى عام 1900 جمعية إحياء العلوم العربية.

فقه التجديد

انشغل الإمام محمد عبده طوال مسيرته العملية بقضايا الإصلاح، فهو من أهم قادة ودعاة التنوير الداعين إلى التجديد فى الفقه الإسلامى حتى يساير العصر، لذا أطلق عليه «مُجَدّد»، كما ساهم علمه ووعيه فى تحرير العقل العربى بدعوته إلى رفض الاحتلال وإيقاظ الوعى والعمل على إحياء الاجتهاد الفقهى لمواكبة تطور المجتمع فى شتى المجالات.

وتأثر به العديد من روّاد النهضة فى عصره، من بينهم محمد رشيد رضا وعبدالرحمن الكواكبى وشاعر النيل حافظ إبراهيم الذى رثاه يقصيدة طويلة عند وفاته، وشيخ الأزهر محمد مصطفى المراغى وسعد زغلول وقاسم أمين وطه حسين. 

أخذ الإمام على عاتقه تطوير الأزهر والاهتمام باللغة وتحرير الكتابة من التقليد، إضافة إلى التوفيق بين الفكر الإسلامى وحضارة العصر وكذا إصلاح التعليم وتحرير العقول من الجهل والخرافات والأوهام. 

كان للإمام محمد عبده رصيد وافر من الكتابات والمؤلفات، منها: رسالة التوحيد، تحقيق وشرح البصائر القصيرية للطوسى، تحقيق وشرح «دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة للجرجانى»، تقرير إصلاح المحاكم الشرعية، شرح مقامات بديع الزمان الهمزانى، شرح البلاغة للإمام على بن أبى طالب، الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، و«رسائل إلى بلنت» التى أرسلها إلى صديقه الشاعر والأديب الفرنسى «ويلفريد بلنت»عام 1904 عن النظام السياسى المقترَح فى مصر آنذاك وترجمت ونشرت فى كتاب لبلنت بعنوان «التاريخ السِّرّى للاحتلال الإنجليزى لمصر» عام 1907. 

 

 

 

وقام تلميذه «رشيد رضا» بتجميع كتاب عنه بعنوان «تاريخ الأستاذ محمد عبده»، وهو مجموعة من الفصول والأحاديث والمقالات التى نشرها الإمام فى شتى الموضوعات الإصلاحية. 

توفى الإمام محمد عبده يوم الحادى والعشرين من شهر يوليو 1905 عن عمر ناهز ستة وخمسين عامًا جراء إصابته بمرض السرطان.