السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

وحدانية أهلها وصلت الأرض بالسماء

كيف قرأ حجى القرآن بالرسم؟!

سلسلة مقالات «محاولات فهم عصرى للقرآن» فى «صباح الخير» نقطة التحول من الواقعية إلى الرمزية والتأمل  



 

«سيدة الأرض» وملتقى الأديان والحضارات.. قدّس أهلها الإله الواحد المعبود وتوجهت قلوبهم إليه فزادهم علمًا وعرفانًا، أمسكوا بتلابيب الحكمة، صارت زادهم الروحى والقلبى.

أولى وصاياه «التوحيد» والتواضع وحسن الأدب.

 

مصر دولة التوحيد لم تكن يومًا أرضًا وثنية، كفرت بالطواغيت.. بدءًا أقامت حضارة الأخلاق واستمدتها من تعاليم السماء، هنا عاش إدريس عليه السلام أول من خطّ بالقلم، وعليها استقى «لقمان» الحكمة وأهداها لابنه، وحفظت بنوارنية الله لتكون هديا للأبناء جميعًا من بعده.

وجاءت تعاليم «ماعت» لمعرفة الحق والعدل وماهية ومبادئ الأخلاق التى تحكم الكون، ووصاياها وضعت الأسس للديانة المصرية القديمة، علاقة المصرى بالسماء أصيلة أزلية تشبع بها فكانت جزءًا منه لا ينفصل ولا يتبدل.

تنزّل «القرآن الكريم» على رسوله وكان الوحى الذى تلاه «جبريل» لنبيه فى مكة ويواصل قراءة كلام الله فى المدينة ليبدأ عهدًا جديدًا فى التاريخ البشرى مفاده الرحمة والعدل واكتمال الإنسانية والتشريع الإلهى ليحذو حذوه المؤمنون به حتى آخر الزمان ويأخذوا منه قوانين السماء.

 

 

 

 

وفى مصر كان للقرآن الكريم شأن آخر، كان الكتاب منذ دخول الإسلام أرض الكنانة نورًا وهديًا قويمًا، تشرب منه المصريون الإيمان الفطرى بتبجيل وخشوع.. أحسوا به كترانيم عشق ومودة، ليكون لتلاوته شئون أخرى وتظهر الأصوات المصرية ليقرأوه بعبقرية فأظهروا حلاوة معانيه ويجولوا فى تلاوته صوتًا تلو آخر ليبقى القرآن ويكون له عِلم وعَلم ودولة امتدت خريطتها من أقاصى مصر إلى أدناها وتتنوع أصوات المقرئين لتبهر العالم وتكون أصواتهم عالية مدوية فى البلاد الناطقة بالعربية وأخرى أعجمية، حتى قيل إن القرآن تنزل ببلاد الحرمين وقرئ فى مصر.

فهنا تسمع القرآن بصوت الشيخ أحمد ندا الذى كان صوته سيد الأصوات - تسجيلاته نادرة - وكانت التسجيلات فى عصره لم تنتشر مرورًا بصوت الشيخ «رفعت» قيثارة السماء، والحنجرة الذهبية للشيخ «الطبلاوى» الذى أذهل مستمعيه فى مشارق الأرض ومغاربها، ويلمع فى سماء التلاوة الشيخ «خليل الحصرى» بصوته الرخيم، ونتمايل مع صوت الشيخ «عبدالباسط» ونعلو مع تلاوته لأعالى السماء، ونبكى خشوعًا مع صوت «المنشاوى» لننسى الحال والأحوال محلقين معه فى أجواء الروعة وجمال الألحان.

غير أولئك الكثير والكثير من قراء مصر السابقين - رحمهم الله - والمعاصرين الذين حملوا مسئولية تلاوة القرآن، واختلفت أصوات القراء المصريين وتنوعت نبراتهم، إلا أن الإحساس المميز بـ «كلمات الله» كان عاليًا لم يسبقهم أحد إليه، فأهلها - عمومًا - عرفوا وشهد لهم الجميع بالحس الفطرى السليم بالخالق ودينه العظيم.

وكما أبدع القراء فى تلاوة القرآن.. كان للفنانين كلمة أخرى معه فظهرت معانيه وإعجازه فى لوحاتهم لتتلألأ ألوانهم فى سمائه ويؤسسوا بخطوطهم رسومًا بديعة راقية لتعبر عن عشقهم للقرآن وكلماته بأسلوب عبقرى مستلهمًا منه تصميمات موحية بجلاله وعظمته.

أبرز من قرأ «القرآن» ورسمه الفنان المصرى الكبير «محمد حجى» الذى ولد عام 1940 فى إحدى قرى مصر بمحافظة الدقهلية والتحق بكلية الفنون الجميلة وتخرج فيها عام 1963 ليلتحق فى العام نفسه بالعمل بمؤسسة «روزاليوسف» ليصبح محررًا ورسامًا بها وبمجلة «صباح الخير» - أرسلته المجلة فى مهمة صحفية لتغطية حرب الاستنزاف كاتبًا ورسامًا ويشارك فعليًا فى حرب الكرامة بالأردن عام 68 - الفنان ينتمى لعائلة تعتز بمشاركتها بالحروب المصرية والتعاطف الشديد مع القضية الفلسطينية.

 

 

 

اكتسب الفنان خلال سنوات عمله بمجلة «صباح الخير» 1963 - 1980، حرفية عالية فى تحويل النص إلى لوحات فنية تميزت بالرمزية ومزجت أعماله الواقع بالخيال، وارتقى بالفن الصحفى لتتحول خطوطه إلى أفكار موازية للأدب الصحفى، وهو من حول أعمال كبار كتاب «روزاليوسف» و«صباح الخير» إلى معارض فنية متنقلة بين أيدى القراء، فكانت لوحاته بديلًا عن زيارة المعارض التشكيلية خاصة قراء المجلات فى القرى البعيدة عن القاهرة، أو هكذا كان يحلم أن يكون الفن الصحفى مدرسة خاصة يتزود منها القارئ العادى بالفنون التشكيلية.

لم تكن اللوحة لدى الفنان الكبير الراحل مجرد رسم مصاحب لتزيين الصفحات، بل كان محاولة جادة للعصف الفكرى للقارئ. تعامل فنيًا مع كتّاب من الوزن الثقيل مثل الكاتب الكبير عبدالرحمن الشرقاوى الذى رسم روايته «الأرض» فى إحدى طبعاته، وزمالة فنانين كبار مثل عبدالغنى وأبوالعينين وحسن فؤاد وجمال كامل، ورسوم قصص وروايات العالمى الكبير نجيب محفوظ فى مؤسسة «الأهرام» بعد ذلك بسنوات.

الثقافة الموسوعية للفنان وبحثه الدائم فى الأساطير وعالم ألف ليلة والثقافات المختلفة وزياراته لمعظم متاحف العالم ودراسته للـ «التاسيلى» وهى الصخور القديمة المرسومة، الفنان عضو بالجمعية الجغرافية المصرية.. كل هذه العوامل ساهمت فى تشكيل موهبة فريدة، وبالطبع كان للنشأة الأولى فى إحدى القرى بالوجه البحرى بخضرتها وحقولها وأرضها الطيبة ووجوه الفلاحين، أثر طاغٍ على الفنان الذى ظهر بوضوح فى خطوط لوحاته والتى تمازجت بين الطبيعة والأسطورة والخيال.

صدر للفنان عدة كتب تناول فيها برسومه قضايا إنسانية وحضارية، والمفارقة أن كتابه الأشهر «رسام يقرأ القرآن» لم يصدر حتى وقتنا الحالى، والذى وجد صعوبات فى نشره، على الرغم من نشر بعض هذه اللوحات فى الصحف والتى عبر فيها الفنان برسوم وجدانية رمزية عن فهمه وإحساسه بكلمات القرآن الكريم، بلغة فنية راقية ومميزة وغوص متأمل فى كلمات الله.

الفنان «محمد حجى» - كما يقول - عندما بدأ رسم أحلامه كان متمسكًا بالمدرسة الواقعية ولم يحاول نشر هذه الرسوم، لقد كانت مجرد متنفس بديل لما تتطلبه الطباعة وتقنياتها.

يقول الفنان: «عندما كلفت فى السبعينيات برسم قصص الأنبياء لمجلة «صباح الخير» بدت لى وكأنها أحلام إنسانية عميقة المغزى وكانت نصوصا موحية غنية بالرموز والدلالات وتبعها تكليفى برسم مقالات الدكتور مصطفى محمود فى محاولته لـ «فهم عصرى للقرآن».. هذه الرسوم حررتنى تمامًا من تأثير المدارس الواقعية التى كنت ألتزم بها فى عملى الصحفى وجعلتنى أحلق عن شوق ورغبة فى عالم الحلم».

 

 

 

كانت هذه المرحلة قفزة عالية فى أسلوب الفنان وإرهاصة فكرية وتحوله من الواقعية للرمزية، والتى اتضحت فى رسمه للوحات القرآن، والتى جاءت زاخرة بالعذوبة، تدهش المتلقى وتجعله يدور فى فلكها فى متعة بصرية وفكرية تلمس القلوب، وتؤصل للفن المعاصر لكونه امتدادًا أصيلاً لفنون الأجداد وحضارتهم الباقية.