السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

جوديت التى كسرت كاسباروف

توثيق صناعة العبقرية على لوحة شطرنج



 

يستعيد الفيلم الوثائقى «ملكة الشطرنج» سيرة جوديت بولفار التى كسرت احتكار الرجال للعبة، كاشفًا تجربة صنعت عبقريتها، ومعاركها مع كبار الأبطال وفى مقدمهم كاسباروف. حكاية إصرار وموهبة، تعيد للشطرنج سحرها فى زمن الفضاء الافتراضى الفوضوى.

لذلك أعاد وثائقى «ملكة الشطرنج» الذى تعرضه «نتفليكس» إلى الذاكرة تسعينيات القرن الماضى والعقد الذى تلاه، حين كان العالم يراقب نتائج مباريات الشطرنج على صفحات الرياضة ليعرف من كان ضحية الروسى جارى كاسباروف الجديدة، أو ما إذا كان فلاديمير كرامنيك قد حقق فوزًا آخر على مواطنه أناتولى كاربوف، وكيف يبلى لاعبون آخرون مثل فيسيلين توبولوف ونايجل شورت وفيشفاناثان أناند وغيرهم.

كان العالم ينتظر أيضًا نشر نقلات بعض المباريات المختارة ليعيد كل عشاق اللعبة حول العالم تنفيذها على ألواح الشطرنج.

 

ومن اللافت أن نسبةً لا بأس بها من المراهقين يمارسون اللعبة، بخلاف ما هى عليه الحال اليوم بين من هم فى العاشرة إلى الخامسة عشرة من العمر.

قبل عصر الإنترنت، كانت شعبية الشطرنج لا تزال مرتفعة نسبيًا.

وكانت دورات مثل ليناريس وويك آن زى أشبه ببطولات «جراند سلام» فى التنس، يتابعها الملايين، لا سيما فى زمن جارى كاسباروف، البطل غير التقليدى، قبل بروز النابغة النرويجى ماجنوس كارلسن.

ومن بين الأسماء التى كانت تتكرر فى الصحف اسم استثنائى هو جوديت بولجار، لا بسبب إنجازاتها فحسب، بل لأنها كانت المرأة الوحيدة فى نادٍ ذكورى يضم رجالًا واثقين بأنفسهم ومقتنعين بتفوق أداء الذكور على الإناث فى اللعبة.

 

 

 

نسمع فى الوثائقى على نتفيلكس تصريحًا للاعب الشطرنج الفذ بوبى فيشر يقول فيه: «النساء لاعبات شطرنج سيئات... لأنهن لسن ذكيات جدًا».

يرافق الوثائقى مسيرة هذه اللاعبة الفريدة منذ طفولتها.

والقليل يدرك أن جوديت وأختيها كن ثمرة تجربة تربوية عملية أقدم عليها والداها، ولا سيما الوالد. فقد تبنى الأب نظرية مفادها أن العباقرة يُصنعون ولا يولدون بالضرورة بقدرات استثنائية، وجعل هدفه تحويل بناته الثلاث إلى عبقريات.

وبحسب والدتهن، اختيرت لعبة الشطرنج لأنها لا تتطلب سوى لوحة وقطع يسهل اقتناؤها.

وهكذا غدت الشطرنج محور حياة الفتيات منذ الصغر.

لم يرتدن المدارس، بل تلقين تعليمهن فى المنزل ليتفرغن للتدريب المكثف.

كانت أيامهن تمتلئ بدراسة الافتتاحيات وتفرعاتها، وتحليل المباريات الشهيرة، والتدرب لساعات طويلة.

أثمرت هذه التجربة الحية فى أولمبياد الشطرنج للسيدات عام 1988، حين تمكن المنتخب المجرى، المؤلف من إلديكو مادِل والأخوات بولجار الثلاث: سوزان وصوفيا وجوديت، من إيقاف الهيمنة السوفييتية التى سيطرت على البطولة منذ انطلاقها عام 1957، باستثناء دورة 1976 التى قاطعتها دول الكتلة الشرقية لإقامتها فى إسرائيل.

وتصدرت سيدات المجر الترتيب بفارق نصف نقطة عن المنتخب السوفييتى.

«ملكة الشطرنج»

ومن بين الأخوات الثلاث، كانت جوديت الأكثر سطوعًا.

واصلت صعودها السريع، وبدأت المشاركة فى بطولات الرجال، وسرعان ما دخلت التاريخ بفوزها فى دورة مدريد عام 1994.

اتخذت من جارى كاسباروف قدوةً لها، رغم أنه عبر مبكرًا عن شكوكه فى قدراتها، قائلًا: «لديها موهبة رائعة فى الشطرنج، لكنها فى النهاية امرأة. الأمر كله يتعلق بنقاط ضعف النساء. لا تستطيع أى امرأة خوض معركة طويلة الأمد».

مضيفًا فى تصريح آخر أن النساء يفقدن تركيزهن تحت الضغط.

يرتكز جانب كبير من سردية الوثائقى على المواجهات بينها وبين كاسباروف، التى لم تخلُ من حوادث مثيرة للجدل، أبرزها قيام بطل العالم فى لقائهما الأول بتحريك إحدى قطعه ثم إعادتها إلى مكانها بعدما أدرك سوء الخطوة.

ووفق قوانين اللعبة، لا يجوز إعادة القطعة إلى مكانها بعد إفلاتها من اليد.

وقد انتهك كاسباروف هذه القاعدة، ورفض الإقرار صراحةً بخطئه، رغم أن الكاميرات وثقت الواقعة.

فى عالم مثقل بسخافات مواقع التواصل الاجتماعى، يعيد الوثائقى التذكير بسحر اللعبة البسيطة والمعقدة فى آنٍ معًا.

بسيطة لأنها لا تتجاوز لوحة و32 قطعة، ومعقدة لأنك تستطيع فوقها أن تخلق عالمًا موازيًا يعج بالتشويق والتخطيط الاستراتيجي.

يعيش الشطرنج اليوم نهضةً جديدةً، مدفوعةً بظاهرة بطل العالم النرويجى ماجنوس كارلسن، وبفترة الإغلاق خلال جائحة «كورونا» التى دفعت كثيرين إلى اللعب، فضلًا عن المسلسل الشهير «مناورة الملكة» الذى عرضته «نتفليكس» أيضًا قبل سنوات، وكلها عوامل أسهمت فى إنعاش اللعبة.

 

 

 

يبقى السؤال عن شعور جوديت حيال كونها كانت جزءًا من تجربة تربوية صارمة قادها والداها.

من جهةٍ أخرى نجح الوالدان فى تنشئة ثلاث فتيات امتلكن مهارة استثنائية فى الشطرنج، وإحداهن، جوديت، بلغت القمة واحتفظت منذ سن الثانية عشرة بلقب أفضل لاعبة فى العالم لمدة 26 عامًا متواصلة حتى اعتزالها عام 2014، وهو رقم قياسى يُستبعد أن يُكسر قريبًا.

تعبر جوديت فى ختام الفيلم عن مشاعرها قائلةً: «ليس من اللطيف أن يكون المرء جزءًا من تجربة. لم أشعر يومًا بأننى عبقرية. أعرف أن ما حققته جاء بفضل جهدى وتفانٍ بنسبة 95 فى المئة». بذلك تؤكد الدور الحاسم للمجهود الشخصى فى تحقيق الإنجازات، وهى رسالة بالغة الدلالة فى زمنٍ نميل فيه إلى إعلان استسلامٍ غير مشروط للذكاء الاصطناعى.