أسرار من حياة نجوم«العارفين» "الحلقة الثانية"
حكايات يرويها: محمد أبوالدهب
فقهاءٌ، وشعراءٌ، وفلاسفةٌ تجمّعوا تحت عباءة الزُّهد مع اختلاف مذاهبهم، وآرائهم، وقطعوا العلائق مع الدنيا، جاعلين متاعها خلف ظهورهم، معتصمين بحبلٍ من النور الإلهى، واستقاموا على الطريقة، فأسقاهم الله ماءً غدقًا، وساندهم بمَدَدٍ من عنده، فلُقبوا بأولياء الله فى أرضه.
هم أقطاب الفِكر الصوفى، الذى خلّد التاريخ ذكراهم.
المتصوف الليبرالى
يسمونه «المتصوف الليبرالى».
هو القطب عبدالقادر الجيلانى (المعروف بتاج العارفين) والمولود فى العراق 470هـ والذى يمتد نسبه إلى الحسن بن على بن أبى طالب.
وهو يُعتبر أولَ أقطاب الولاية الأربعة فى الصوفيّة، وإلى الآن يتوافد مريدوه على ضريحه، فتنسب له الطريقة القادرية أحد أشهر الطرُق الصوفية فى العالم الإسلامى، والعراق تحديدًا.
الجيلانى كان «ليبراليّا» بالمفهوم الحديث.
فلم يُعرف عنه التعصّب لمذهب دون آخر، لذا يحضر مجلس الغزالى شافعىّ المذهب، ويتعلّم منه رُغم انتسابه للمذهب الحنبلى.
وهو الذى دعا إلى التوحّد ضد أعداء الإسلام حينها المتمثّل فى الغزو الصليبى، محذّرًا من التشرذم المذهبى، والفكرى، فكان شعاره «لكلّ مذهبه الفقهى والفكرى، وهدفنا واحد هو تحرير القدس من نير الاحتلال الصليبى».
أما القطب أحمد الرفاعى فهو الذى تُنسب له الطريقة الرفاعية، وتشتهر الطريقة بين العامة بقدرة شيوخها على إخراج الثعابين السامة من المنازل عن طريق ترديد قَسَم مُعين.
والرفاعى من أشهر فقهاء القرن السادس الهجرى، فينتسب للفقه الشافعى، وعقيدة الأشاعرة، كما يعود نسبه إلى على بن أبى طالب. وُلِدَ عام 512 هـ فى العراق، وتكفّله خاله الشيخ منصور البطائحى بعد وفاة والده، فأخذ عنه الزُّهد، والتصوّف.

تأثّر الرفاعى بالنشأة الدينية، فشغف بدراسة العلوم الشرعية، وحفظ القرآن، واطلع على أصول الفقه الشافعى فى طفولته، وساعده فى ذلك ملازمته لشيوخ الفقه فى بلاده، وعصره مثل الحربونى، وأبى الفضل الواسطى.
وكان معاصرًا لأعاظم الفقهاء، وأقطاب الصوفيّة مثل الجيلانى، والغزالى.
برع فى تحصيل العلوم حتى صار عالمًا، وفقيها شافعيّا منفردًا فى التميّز، له طريقته الخاصة، التى تقوم على العمل بظاهر الكتاب والسُّنّة، ومجاهدة النفس، وتهذيبها وتزكيتها بكثرة الذّكر، وإقامة العبادات، وقراءة الورد، والالتزام بتعاليم الشيخ، والانصياع لأوامره.
أما شهاب الدين أبوحفص عمر السهروردى فقد ولد فى العراق 539هـ، وهو أحد أعلام التصوّف السُّنى فى القرنين السادس والسابع الهجريين، فتنسب إليه الطريقة السهروردية، ومؤلف كتاب «عوارف المعارف» أحد مراجع الصوفيّة، ويرجع نسبه إلى محمد بن أبى بكر الصدّيق.
أخذ السهروردى العلوم الشرعية فى أول الأمر من عمّه الشيخ الزاهد التقى أبى النجيب، كما التقى بالقطب الصوفى عبدالقادر الجيلانى فى بغداد، وتوافد العديد من مريديه على مجلسه، ونقلوا عنه تعاليم الصوفيّة، حتى توفى فى 632هـ، ودُفن بالمقبرة الوردية، ثم شُيّد بعد ذلك مسجد كبير بجوار ضريحه يحمل اسمه إلى الآن، حيث تحوّل لمزار لمريديه، وأتباع طريقته.
سلطان العارفين
لم يعرف تاريخ الفلسفة الإسلامية فيلسوفًا أو متصوّفًا بقدر محيى الدين بن عربى.
هو الذى كان نبراسًا فى العِلم، والتقوى، ومثالًا فى الزهد والتصوّف، فلُقب بـ«سُلطان العارفين».
عُرف عنه الانشغال بعلوم الدين والفلسفة، وفى سبيل ذلك جاب العديد من البلدان الإسلامية فى عصره، منطلقًا من مرسيه بالأندلس، التى وُلِدَ فيها فى شهر رمضان بمنتصف القرن السادس الهجرى تحديدًا فى 1164م.
نشأ فى أسرة متدينة، فوالده على بن محمد كان من أئمة الفقه والحديث.
حفظ ابن عربى القرآن الكريم فى السنوات الأولى من طفولته بعد انتقاله إلى أشبيلية على يد الفقيه أبى بكر بن خلف.
عاش ابن عربى متأثّرًا بظروف نشأته فى أجواء دينية صوفية، فضلًا عن تنقّله بين مدن الأندلس، فبدأ منذ أن بلغ صباه فى الاطلاع على أسرار التصوّف، والمسائل الروحانية، كما شُغف بدراسة إرث الفلسفة اليونانية، والحِكمة الفارسية كفيثاغورس، وأفلاطون، فتعلّم أسرار التأويلات المأخوذة عن حضارات أخرى قديمة مثل الإغريقية، والهندية، والفارسية.
ومن القصص التى رويت عن ابن عربى، ما ذُكر عن أنه أصيب بمرض الحُمَّى الشديدة فى صباه، وأثناء ذلك ألهم برؤيا رأى فيها عددًا من الشياطين كادوا الفتك به، قبل أن يظهر كائن نورانى يهاجم الكائنات الشريرة، وينقذه منهم، فسأله ابن عربى عن هويته، فقال إنه خادم سورة «يس»، فاستيقظ من نومه، فوجد والده يقرأ عليه سورة «يس»، فعُفى من مرضه فى يومه، وهى الواقعة، التى يرى مريدوه أنها بداية لحياته الروحية الطويلة.
ترك ابن عربى الأندلس إلى الشرق، وكان فى ذلك قصة أخرى تداولها مريدوه، تشابهت مع قصص بعض أباطرة التصوّف.
فقيل إنه رأى نفسه أمام العرش الإلهى، يُحلّق حوله طائرٌ بديعٌ، يأمره بالارتحال إلى الشرق، وينبئه بأنه سيكون مرشده السماوى فى رحلته الروحية، وبأن رفيقًا من البَشر ينتظره فى مدينة فاس.
وبالفعل رحل أولا إلى غرناطة عام 594هـ، والتقى هناك شيخه أبا محمد عبدالله الشكاز، وأقام معه نحو 3 سنوات، قبل ارتحاله إلى دمشق، ثم إلى مكة، التى التقى فيها الشيخ الفارسى أبا شجاع بن رستم الأصفهانى، فتزوّج ابن عربى نجلته الجميلة «نظام»، التى تأثّر بها بشدة، فاتخذ منها رمزًا ظاهريّا للحِكمة الخالدة، وأنشأ فيها قصائد عدة تضمّنها ديوانه الشهير «ترجمان الأشواق».
وعُرف عن ابن عربى عشقه للسَّفَر بين بلدة وأخرى لطلب العِلم، فرحل إلى الموصل للتزوّد من التعاليم الروحانية، والصوفيّة للعالم الشيخ على بن عبدالله بن جامع، الذى قيل إنه تلقاها مباشرة من الخضر.
ثم ارتحل إلى بغداد لمقابلة أحد أباطرة المتصوّفة هناك وهو الشيخ السهروردى، فأخذ من تعاليمه، واستقر ابن عربى فى حتى وفاته فى 1240م، فدُفن بجبل قاسيون، تاركًا خلفه أشهر مراجع الفكر الصوفى المتمثّل فى كتاب «الفتوحات المكيّة».

شمس.. ومولانا جلال
الإمام شمس الدين التبريزى ولد فى تبريز عام 582 هجرية.
وهو الآخر واحد من أبرز أقطاب الصوفيّة.
وهو عالم، وشاعر، عاش فى بدايات القرن السابع الهجرى، وأعد مع صديقه وتلميذه جلال الدين الرومى كتاب «الديوان الكبير»، وفيه قواعد العشق الأربعون الشهيرة، فخصصه للعشق الإلهى.
وجاب التبريزى مُدُنًا عربية عدة منها حلب، وبغداد، وقونية عاصمة السلاجقة، ودمشق، ومال قلبه للزهد، والتصوّف على يد ركن الدين السجاسى، ولازم الشاعر الصوفى جلال الدين الرومى لسنوات عديدة فى قونية، وربطتهما علاقة روحية قوية كانت محل حسد من بعض طلبة العِلم وقتها، وقُتل التبريزى عام 645هـ بقونية فى ظروف غامضة، وشُيّد له ضريحٌ بعد وفاته.
أما جلال الدين الرومى المُلقّب بـ«مولانا» فقد اكتسبت مؤلفاته أهمية خاصة خلال القرن السابع الهجرى، وأثّرت تأثيرًا كبيرًا فى الأدب الفارسى، والعربى، والتركى، والأردى، محدثة تطورًا ملحوظًا فى مسار الصوفيّة.
وجلال الرومى هو محمد بن حسين بهاء الدين البلخى، يرجع نسبه إلى محمد بن أبى بكر الصديق، وهو أحد أشهر الشعراء، وعلماء الفقه، والتصوّف فى القرن السابع الهجرى.
وُلِدَ فى 604 هـ، 1207م بمنطقة بلخ فى خراسان» أفغانستان حاليًا، وهو مؤلف كتاب المثنوى الشهير، وصاحب الطريقة المولوية المعروفة حتى الآن، وتنظم حفلاتها فى العديد من الدول الإسلامية، خصوصًا فى تركيا، والقاهرة الفاطمية بمصر، وفيها يتراقص أشخاص يرتدون ملابس خاصة بشكل دائرى، بالدوران حول مركز الجسد، على أنغام الموسيقى الصوفية، وأشعار قصائدها.
لعبت الصُّدفة دورًا كبيرًا فى تشكيل وجدان الرومى، واتجاهاته الفكرية، والأدبية، وفى كل مرحلة من مراحل حياته يلتقى أدبيًا أو عالمًا يُغيّر مسار حياته العلمية، وتعتبر أولى تلك الأحداث التى أثّرت فيه، ارتحال أسرته إلى نيسابور بسبب هجمات المغول، وهناك التقى الرومى الشاعر الفارسى الكبير فريد الدين العطّار، فشُغف بدراسة الشِّعر، والروحانيات، والصوفية.
وبعد ارتحال من بلدة إلى أخرى فى رحلة دامت نحو تسعة أعوام، استقرت أسرة الرومى فى قونية عاصمة دولة السلاجقة الأتراك، وهناك برع فى علوم الدين بمساعدة والده الفقيه، والشيخ سيد برهان الدين محقق بعد وفاة أبيه، فتولّى الرومى التدريس فى مدارس قونية المختلفة، واشتهر بعلمه فكان له مريدون، وأتباع ينهلون من علومه فى مجالس العِلم، وكان لزيارته دمشق، وإقامته بها بين العلماء أثر كبير فى شخصيته، خصوصًا بعد مقابلته للعالم المتصوّف محيى الدين بن عربى، فمال قلبه إلى الزهد، والتصوّف.
بخلاف تأثير العطار، والشيخين برهان الدين، وابن عربى، التقى الرومى بعد عودته قونية عالمًا آخرَ، لازمه فى أيامه الأخيرة، وأحبه حُبّا جَمّا، هو القطب الصوفى شمس التبريزى، الذى توفّى فجأة مقتولًا، فحزن عليه الرومى حزنًا شديدًا، فانعزل عن الحياة، واستمر فى نقل علومه، وخبراته، وتعاليمه لمريديه وتلاميذه، حتى فارق الحياة فى 1273م.
سلطان العاشقين
قلبــى يُحـدّثـنـى بأنـك متلفــى.. روحى فداك عرفت أم لم تعرف، كلمات تضمّنها مطلع أحد أشهر القصائد للشاعر الصوفى عمر بن الفارض، وهى القصائد التى يتغنّى بها المنشدون حتى الآن فى العشق الإلهى، لذا لُقب ابن الفارض بـ«سلطان العاشقين».
وهو أبوحفص شرف الدين عمر بن على الحموى.
هاجرت أسرته من سوريا إلى مصر قبل مولده فى 576 هـجرية لأسرة زاهدة، فكان والده عالمًا، وفقيهًا، حفظ ابن الفارض القرآن فى طفولته، ودرس أصول الفقه الشافعى، وعلوم التفسير، والحديث على يد معلمه الشيخ أبى الحسن على البقال، فروى أحاديث عن ابن عساكر.
سلك طريق التصوّف فى صباه بعد رحيله إلى مكة، وإقامته هناك لنحو 15 عامًا، فحبب إليه الزهد، والعزلة، والتأمُّل، فأخذ فى نَظم شِعر الغزل الصوفى، الذى خصص أغلبه فى العشق الإلهى، حتى ذاع صيته كأشهر شعراء المتصوّفة فى بدايات القرن السابع الهجرى، فتعتبر «التائية الكبرى» من أشهر قصائده.
قطع ابن الفارض خُلوته بمكة، وعاد إلى مصر مَرَّة أخرى، وقيل إن سبب ذلك سماعه أثناء خُلوته لصوت شيخه البقّال يطلب منه العودة للقاهرة.
قال: «سمعت الشيخ البقال ينادينى يا عمر تعال إلى القاهرة احضر وفاتى وصلِّ علىّ»، وأقام فى القاهرة حتى وفاته فى 632 هجرية، فدُفن بجبل المقطم بمنطقة الأباجية بجوار مقبرة شيخه البقال كما أوصَى، وهناك شُيّد مسجده المعروف باسمه، ويرتاده الكثير من مريديه إلى الآن.
واشتهر القطب الصوفى الشهير أبوالحسن على بن عبدالله الشاذلى المولود فى المغرب عام 571هـ، بتصوّفه، وزُهده فى نهايات القرن السادس الهجرى، والنصف الأول من القرن السابع، فكان أشهر متصوّفة عصره، وينسب له البعض الطريقة الشاذلية، التى تنتشر بشكل أكبر فى دول المغرب العربى، وتأثّرت به طرق أخرى شهيرة، خصوصًا فى مصر، مثل الأحمدية البدوية.. والدسوقية.
وسلك الشاذلى فى تصوّفه طريقًا ميّزه عن سابقيه من أقطاب التصوّف، الذين أسسوا تصوّفهم على مبدأ مجاهدة النفس باجتناب الشهوات، والإقامة على العبادات، والرياضة الروحية، فجعل الشاذلى محبة الله ورسوله الأساس الأول فى بينان التصوّف قبل مجاهدة النفس، وإقامة الفرائض.
فهو قد رأى أن تلك المجاهدة يجب أن تقوم فى الأساس على الإخلاص فى محبة الله ونبيه.
وفى مدرسة أبى الحسن الشاذلى تعلّم الفقيه المالكى تاج الدين ابن عطاء الله السكندرى دروب التصوّف السُّنّى، فكان من تلاميذه البارعين بعد أبى العباس المرسى، ووُلِدَ فى الإسكندرية عام 658هـ لأسرة دينية، فحفظ القرآن فى صباه، وتلقى العلوم الشرعية على مذهب الإمام مالك من خلال جَدِّه الفقيه أبى محمد عبدالكريم بن عطاء الله (السكندرى).
ولُقب ابن عطاء الله السكندرى بالعديد من الألقاب أبرزها «قطب العارفين»، «ترجمان الواصلين»، و«رشد السالكين».
ولشيخه الشاذلى الفضل فى وضع قدمه على أول طريق الصوفيّة، بعد أن كان منكرًا لها، فخطى أولى خطواته نحو الورع، الزهد، ودروب العارفين، منكبًّا على تعاليم الشاذلى، فأصبح من أقطاب الطريقة الشاذلية، واشتهر بين الناس، فتوافدوا على مجلسه، وشغفوا بعلمه، وحكمته، سواء فى الإسكندرية، أو بعد انتقاله إلى القاهرة ليسلك طريق التدريس بالمدرسة المنصورية.

ويعدُّ كتاب «الحِكَم العطائية على لسان أهل الطريقة» من أشهر مؤلفات السكندرى، فيعتبر من أهم مراجع الفكر الصوفى، حتى أنه لايزال يُدرّس فى الجامعات إلى اليوم، ومن مؤلفاته الأخرى «لطائف المنن فى مناقب الشيخ أبى العباس وشيخه أبى الحسن، القصد المجرد فى معرفة الاسم المفرد، التنوير فى إسقاط التدبير، أصول مقدمات الوصول، الطرُق الجادة فى نَيل السعادة، عنوان التوفيق فى آداب الطريق، مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح فى ذكر الله الكريم الفتاح». وتوفى ابن عطاء الله فى القاهرة سنة 709هـ، ودُفن بزاويته التى خصصها للعبادة بسفح جبل المقطم، وشُيّد على ضريحه مسجد عام 1973.