كيف اكتشف «الخميسى» السندريلا؟!
منير مطاوع
بدايات «زوزو» من صداقة «القديس» وجماعة «الجرامافون»!
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
عرفت عبدالرحمن الخميسى قبل أن ألتقيه بسنوات طويلة..
فقد كان والدى من المعجبين بأشعاره وكانت مكتبة منزلنا تضم أكثر من ديوان من إبداعه.. وكنت وقتها - فى منتصف الخمسينيات من القرن الماضى - فى العاشرة من عمرى، مكلفًا من والدى بتسجيل محتويات المكتبة فى قائمة تشمل بيانات عن عنوان الكتاب وموضوعه واسم المؤلف..
ومر عليّ شعر عبدالرحمن الخميسى ودواوينه وطلب منى أبى أن أقرأ بعض هذا الشعر بصوت مسموع.. وكان -على ما أذكر- شعرًا ثوريًا رومانسيًا متحررًا من النمط التقليدى للشعر العمودى.
طبعًا لم أكن أستوعب هذا الشعر لصغر سنى، لكن بقيت فى ذهنى انطباعات قوية عنه..
بعد عدة سنوات تردد اسم عبدالرحمن الخميسى بقوة كمؤلف لتمثيلية إذاعية مسلسلة كان يتم التلهف على الاستماع إليها فتخلو الشوارع من الناس، وتعطل جمع محصول القطن وقتها لأن عمال جمع المحصول كانوا يتركون عملهم كل يوم فى الساعة الخامسة والربع ليتجمعوا حول المذياع لمتابعة حكاية «حسن ونعيمة».. وهى قصة حب مصرية صميمة من قلب الريف.. كانت مصر كلها تتابعها.. ويشارك فى بطولتها الفنانون صلاح منصور وكريمة مختار وعمر الحريرى وحسن البارودى وغيرهم..
كان ذلك فى شهر سبتمبر سنة 1958..
«حسن ونعيمة» وملايين المستمعين

وما لا يعرفه الناس أن مؤلف التمثيلية التى دامت إذاعتها فى 30 حلقة كان يكتبها، حلقة حلقة، كل يوم حلقة، فى بيت سعاد حسني.. الذى تعيش فيه مع أمها وزوج أمها عبدالمنعم حافظ.. وهذه حكاية طريفة فقد تعرّف الخميسى على الشاب عبدالمنعم حافظ عندما تقدّم هذا الشاب نحوه وكان الخميسى يلقى محاضرة فى الموسيقى ضمن نشاط «جماعة الجرامافون» التى أنشأها مع الدكتور لويس عوض الأستاذ فى كلية الآداب. وكان الخميسى وقتها مغرمًا بدراسة الموسيقى الكلاسيك وتاريخها.
مرت سنوات عاود فيها حافظ التواصل مع الخميسى ودعاه لزيارة شقته المتواضعة وفيها يتبنى سعاد حسنى التى تزوج من أمها..
وفى هذه الشقة جرت عملية كتابة التمثيلية..
وفى هذه الشقة أيضًا اكتشف عبدالرحمن الخميسى هذه الموهبة البكر المسماة سعاد حسني.. صبية صغيرة فى الخامسة عشرة تتمتع بما جعله يصفها بعد أن شاهدها لأول مرة بأنها «نجمة»!
وروت لى سعاد حسنى جميلة الجميلات فيما بعد ذكرياتها عن مكتشفها فقالت:
أنا كنت فى حالة كده ممكن تسميها حالة انتظار، يعنى مش عارفه هاعمل إيه بالضبط لغاية ما ظهر الأستاذ الخميسى، هو أول إنسان علمنى إن الفن حاجة كبيرة أوي.
ولا أنسى هنا أنه قال لى ونحن نقرأ دور «نعيمة» إن أول حاجه عليّ أن أتعلمها، أن أنسى كل الممثلات اللى شفتهم فى الأفلام، وأنسى بالذات فاتن حمامة، ولا أنسى له أبدًا فخره الشديد بى وهو يقدّمنى لكبار الكتاب والشعراء والصحفيين، كان يقول لهم دى بنت مصرية جمالها من جوه ومن بره، وإليه يرجع الفضل فى أن يتكون بداخلى فى سن مبكرة مفهومى عن أن أكون فنانة شاملة مثله، لأنه شاعر وعبقرى ومثقف وكاتب وزعيم وكل حاجة، وكمان فلاح ابن فلاح.
مع «القديس» لأول مرة
عندما التقيت الخميسى لأول مرة كان ذلك فى مطلع السبعينيات فيما أعتقد.. فى الإسكندرية خلال موسم الصيف وكان يحيط به لفيف من مريديه أذكر منهم صديقى عبدالنور خليل الكاتب المتخصص فى الفن - والد رئيس تحرير «صباح الخير» الأسبق محمد عبدالنور- وكانوا يطلقون عليه لقب «القديس».
كنت مستمعًا مثلهم لحديث هذا الفنان الشامل الذى جمع بين الشعر والصحافة والمسرح والموسيقى وكتابة التمثيليات الإذاعية، وكان كما علمت إنسانًا عصاميًا علّم نفسه بنفسه على طريقة عباس محمود العقاد.. وعاش مطاردًا من كل النظم السياسية التى عرفتها مصر فى حياته وسجن وعذّب ونفى إلى عدد من بلاد الله ثم أتيحت له العودة لفترة قصيرة قبل أن يعاود حياة المنافى مرة أخرى.
شغلتنى وقتها حكاية تسميته بـ«القديس».. فتحرّيت الأمر وعلمت أن من أطلق عليه هذا الوصف هو صديق عمره الكاتب محمد عودة عندما شاهده يعطى كل ما فى جيبه من مال لرجل كان يقود به عربة حنطور.. ذُهل محمد عودة من هذا التصرف، وقال الخميسى لمن معه إن الرجل وحصانه لم يأكلا من زمن طويل.
فهتف عودة: والله إنك لقديس!
وهكذا رافقه هذا اللقب طوال حياته.
لؤلؤة نادرة المثال
نعود لحكاية اكتشافه سعاد حسنى، فهو عندما شاهدها لأول مرة، يقول لم أكن أدرى لحظتها بأن جدائل شعرها المنسكبة تختزن وراءها تلك اللؤلؤة النادرة المثال التى ستخلب بالفن قلوب الملايين. كانت فتاة نحيفة، صغيرة، خجولة، فى فستان متواضع للغاية، دخلت الصالة الضيقة فى الشقة بسيطة الأثاث وهى تحمل صينية شاى، ابتسمت لنا برقة ثم جلست ولم تنطق بحرف، فقط كانت تتطلع إلينا بصمت.
التفت الخميسى إلى سعاد مرة، وعاد للحكى، ثم التفت إليها ثانية وحدّق فيها، وصاح كأنما هو نفسه مدهوش مما رآه فيها:

هذه البنت نجمة!
كان الخميسى وقتها قد شكّل فرقة مسرحية بهدف تقديم روائع المسرح العالمى واختار مسرحية «هاملت» لشكسبير وفكر أن يعهد لسعاد بدور البطلة «أوفيليا» وكلّف أحد الممثلين الهواة وهو إبراهيم سعفان، بتعليمها القراءة والكتابة لأنها لم تكن قد التحقت بالمدارس، فوالدها الخطاط المشهور محمد حسنى كان يرى أن التعليم يقضى على المواهب!
لم تواصل الفرقة تدريباتها وتفككت لعدم وجود مسرح تقدم عليه أعمالها، فكل المسارح مرتبطة بفرق أخرى.
وشاءت الظروف أن يُطلب من الخميسى كتابة التمثيلية الإذاعية.. ورحب عبدالمنعم حافظ بأن يوفّر له غرفة فى شقته يتفرغ فيها للكتابة بعيدًا عن ضجيج مكتبه المزدحم بالممثلين الهواة.. وكانت سعاد تتولى موافاته بأكواب الشاى وفناجين القهوة.. ولاحظ هو ذات يوم أن سعاد كانت تستمع إلى التمثيلية وتقلّد أحد أدوارها، وأعجب بأدائها، وعندما طلبت منه إحدى شركات الإنتاج السينمائى تحويل قصة «حسن ونعيمة» بعد نجاحها الباهر فى الإذاعة إلى فيلم سينمائى ورشح له هنرى بركات مخرج الفيلم فاتن حمامة وعبدالحليم حافظ لبطولة الفيلم..
ناقش الأمر.. معترضًا وصمم على أن تقوم بالبطولة سعاد حسنى ووجه آخر جديد، مؤكدًا أن الاعتماد على وجوه جديدة لبطولة الفيلم سوف يجعل القصة الرومانسية الشعبية هى البطل.. ومضى وقت فى جدال مع المنتج محمد عبدالوهاب وشريكيه المخرج بركات والمصور وحيد فريد، قبل أن يوافقوه على فكرته التى قال عنها عبدالوهاب إنها مغامرة.
وبدأت خطوات العمل باختبار لقدرات سعاد حسنى قام به المخرج لهذه الصبية المجهولة ذات الستة عشر ربيعًا، ونجحت، لكن مشكلة واجهت الجميع، فهى لا تستطيع توقيع عقد عملها فى الفيلم لأنها قاصر.. والمطلوب الحصول على موافقة والدها!.. فهل يوافق الأب الذى انفصلت عنه بعد طلاقه من أمها منذ سنوات؟.. أخذ الخميسى سعاد وذهب إليه وفوجئ بموافقته الفورية.. وطارت سعاد من الفرح وقامت تقبّل وجه والدها.
ووقعت العقد والدتها نيابة عنها.. وحصلت سعاد حسنى على أول أجر لها عن أول بطولة سينمائية وكان 100 جنيه فقط!
وفى الأسبوع المقبل نواصل