الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

صـراع النفـوذ الصينى - الأمريكى علــى ملاعــب الشــرق الأوســط

حرب تكسير عظام

​قبل أن تلقى الولايات المتحدة قنبلة تشبه القنبلة النووية على مدينة «قدس»، إحدى أكبر القواعد العسكرية فى إيران، لم يكن انتقال السلطة فى طهران مجرد توريث سياسى؛ بل تدشين لعصر «الرايات السود» بوصول مجتبى خامنئى،  الذى يتبنى عقيدة «الخرسانى» الموعود لفتح القدس والثأر لوالده.



هذا التحول يأتى فى قلب صراع النفوذ «الأمريكى ــ الصينى»، حيث تسعى واشنطن لإضعاف أجنحة بكين عبر إعادة هندسة ديموجرافيا المنطقة، بينما تخطط تل أبيب لبناء «إسرائيل الكبرى» على أنقاض كيانات ستسقط  وولادة دويلات جديدة برعاية إسرائيلية.

عقيدة «الثأر»

​فى أول ظهور للمرشد الإيرانى الجديد ومن خلف الكواليس، بدت ملامح الاستراتيجية الجديدة واضحة لا تراجع، لا هدوء، بل تصعيد مستمر حتى الثأر لمقتل والده و60 من أطفال المدرسة الإيرانية، الذين راحوا  ضحية الهجمات الأخيرة. 

لم يتأخر الرد؛ فبينما كانت الطائرات الإسرائيلية تستهدف منشآت النفط فى «بوشهر» والإضرار بـ30منشأة أخرى، جاء الرد الإيرانى بضرب منشأة نفطية وأخرى نووية فى عمق إسرائيل بضربة جراحية دقيقة.

 

من الهجوم على طهران السبت الماضى
من الهجوم على طهران السبت الماضى

 

ويقول دانى سيترينوفيتش، الرئيس السابق لملف إيران فى الاستخبارات الإسرائيلية: «لو كنا نعلم أن مجتبى خامنئى سيخلف والده، لكان علينا التفكير مرتين قبل اغتيال القائد السابق. لقد صنعنا بأيدينا قائدًا أيديولوجيًا محافظًا يتجاوز والده تطرفًا بمراحل، والمشكلة الآن أننا أصبحنا وجهًا لوجه مع رجل لا يؤمن بالدبلوماسية بقدر ما يؤمن بالميدان». 

«​كمين الخليج»

المحرك الخفى للحرب الحالية هو «تكسير عظام» الصين عبر البوابة الإيرانية، فلا يمكن قراءة هذا الانفجار الإقليمى بمعزل عن صراع العمالقة فوق القمة؛ فالحرب  «الإسرائيلية - الأمريكية» الحالية ضد طهران ليست إلا فصلًا دمويًا فى استراتيجية واشنطن الكبرى لتحجيم نفوذ التنين الصينى، حيث تدرك الإدارة الأمريكية أن تدمير ايران يعنى كسر أحد أهم أضلاع  «مبادرة الحزام والطريق» وتحجيم حلفاء بكين فى قلب آسيا.

​إنها حرب تشنها واشنطن وتل أبيب حتى آخر قطرة نفط خليجى تصل الصين. 

الخطة بدأت ملامحها فى الظهور حينما نجح ترامب فى إسقاط  نظام «مادورو» والاستيلاء فعليًا على النفط الفنزويلى، فى خطوة استباقية لتأمين بدائل الطاقة للغرب قبل البدء بخنق الصين استراتيجيًا. 

والآن، تأتى المرحلة الثانية، وهى قطع النفط الإيرانى عن المصانع الصينية، والضغط على دول الخليج العربى ليس فقط لتمويل فاتورة هذه الحرب الباهظة؛ بل لجرها إلى صراع يُفضى فى النهاية إلى التحكم المطلق فى تدفقات الطاقة نحو الشرق، ما يضع بكين تحت رحمة «الصمام الأمريكى»، الذى سيبدأ فى بيع النفط الفنزويلى لأوروبا رغم شدة لزوجته والتكاليف الباهظة لإعادة تدويره وضخه. 

إلا أن أوروبا من دونه ستعيش شتاء متجمدًا، خصوصا بعد تفخيخ إيران لمضيق هرمز وضرب المنشآت النفطية فى الخليج العربى تزامنًا مع وقف تصدير النفط الإيرانى واستحواذ أمريكا كليًا على النفط الفنزويلى،  ما يجعل محبس الطاقة المتدفق لأوروبا فى يد ترامب وحده، وفى ظل وجود عقوبات أوروبية على النفط الروسى،  وقد أطل الدب الروسى «بوتين» برأسه عارضًا خدماته النفطية بقوله: إن موسكو مستعدة للعمل مرة أخرى مع المشترين الأوروبيين إذا أرادوا العودة إلى التعاون طويل الأمد وغير المسيَّس.

 

نزوح مواطنين إسرائيليين بعد الضربات الإيرانية
نزوح مواطنين إسرائيليين بعد الضربات الإيرانية

 

خلف دخان  الانفجارات، تدور معركة أكثر خبثًا يقودها الموساد الإسرائيلى لجر دول الخليج العربى إلى معسكر الحرب، فالاستراتيجية الإسرائيلية واضحة.. ضرب المنشآت الإيرانية لاستدعاء رد إيرانى على آبار النفط الخليجية، بل وصل الأمر إلى قصف إسرائيل لمحطة تحلية مياه فى إيران ومحاولة إلصاق التهمة بالإمارات، فى مقامرة خطيرة تستهدف ضرب عصب الحياة فى منطقة تعتمد بنسبة 90% على المياه المحلاة. 

​لكن المفاجأة الكبرى تفجرت فى المنامة؛ فبإعلان البحرين القبض على مهندس من جنسية أسيوية يسرب معلومات للموساد، انهار جدار السرية عن شبكة تجسس عمرها 25 عامًا، نسيجها تعاون شيطانى بين الموساد وجهاز (مخابرات آسيوى). 

بدأت القصة عام 1999 فى «حرب كارجيل» حين سلحت إسرائيل الهند فى 48 ساعة، ومنذ تلك اللحظة، تحول الوجود الآسيوى الكثيف فى الخليج (10 ملايين عامل) إلى غطاء لجيش خفى من الجواسيس التقنيين. 

​شركات تكنولوجية كبرى مثل «TCS» و«Wipro» و«L&T» أصبحت تدير قواعد بيانات وبنوكًا ورادارات فوق الأبراج الخليجية، بينما تُحقن أدوات التنصت داخل الشبكات عبر خوادم «بيجاسوس» مخبأة فى فنادق فارهة. 

لقد فككت تركيا سابقًا شبكة مماثلة تعمل على نظام (VoIP)، واليوم يدرك الخليج أن العدو قد يكون جالسًا خلف شاشة الحاسوب فى مؤسساته الحيوية.

خسائر تحت الرماد

​بينما يحاول «جيل دخمان»، المستوطن الإسرائيلى، وصف كيف تخفى بلدية تل أبيب آثار الدمار فى ساعة واحدة لتقليل الذعر، تؤكد التقارير نزوح عشرات الآلاف من الإسرائيليين نحو مناطق حدودية مثل «إيلات» و«الجليل الأعلى» هربًا من صواريخ إيران. 

وفى المقابل، اعترف الجيش الأمريكى رسميًا بتدمير منظومة «ثاد» للدفاع الجوى فى قاعدة «موفق السلطى» بالأردن بمسيَّرات إيرانية انتحارية، وضرب منظومات الدفاع الجوى «باتريوت وثاد» فى بعض دول الخليج العربى وتل أبيب، ما عطَّل أنظمة المراقبة والرادار وعطل منظومة الإنذار المبكر، وجعل الصواريخ الإيرانية تصل لأهدافها بدقة مع مضاعفة حجم الخسائر البشرية والعسكرية.

إلا أن ​الخطر الأكبر يكمن فى «الخيار النووى»؛ فبعد الهجمات التكتيكية النووية المحدودة التى شنتها إسرائيل داخل إيران، ورد طهران باستهداف قرب المفاعلات النووية الإسرائيلية، بدأت دول الخليج استعدادات الطوارئ باستيراد 10 ملايين جرعة من أدوية مضادة للإشعاع من شركات هندية، إنها «مقامرة التلويث» التى تسعى إسرائيل من خلالها لاستفزاز إيران لضرب المفاعلات الإسرائيلية، ما أدى لتسرب إشعاعى يلوث مصادر المياه فى المنطقة، تزامنًا مع هجمات إسرائيلية على منشآت نووية من المحتمل أنها أدت إلى تسريب إشعاعى محدود قد يصل إلى مصادر المياه العذبة فى الخليج العربى ويلوثها، وهو ما يجبر الخليج العربى على الانخراط فى الحرب كمسألة وجود.

ميزانية الطوارئ

الأرقام تفضح حجم «الكارثة» خلف جدار التعتيم، ​فى خطوة تعكس حجم التآكل الميدانى والارتباك الاستراتيجى، حيث أقرت حكومة الاحتلال وبشكل عاجل إضافة 30 مليار شيكل لميزانية الأمن، تم توفيرها عبر اقتطاعات قاسية من ميزانيات وزارات خدمية وأخرى مختلفة.

​دلالات التوقيت تشير إلى تصدع لا تجمّله التصريحات، فأن تطلب المؤسسة العسكرية هذا المبلغ الضخم بعد مرور 11 يومًا فقط على اندلاع المواجهة، هو مؤشر قطعى على وجود فجوات حادة فى الجاهزية والاستهلاك المفرط للموارد، هذا الدعم الفورى الموجه لقطاعى الدفاع والأمن يهدف بشكل مباشر إلى ​رأب الصدع ومعالجة الآثار التدميرية العميقة التى خلفتها الضربات الأخيرة.

​تسريع الإنتاج ومحاولة تعويض النقص الحاد فى الذخائر والمنظومات الدفاعية التى استُنزفت بمعدلات غير مسبوقة.

و​تمارس سلطات الاحتلال رقابة عسكرية صارمة، وصلت إلى إصدار أوامر قطعية لوسائل الإعلام بمنع نشر مواقع الاستهداف أو حجم الأضرار الحقيقية، وتكتفى الماكينة الإعلامية الإسرائيلية بنشر أخبار «الاعتراضات الناجحة» للصواريخ، أو استخدام العبارة المضللة الشهيرة «سقطت فى منطقة مفتوحة»، فى محاولة بائسة للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وتقليل حالة الذعر.

لكن قرار الميزانية الاستثنائية يظل هو «الثغرة» التى نفذت منها الحقيقة؛ فالأرقام لا تكذب، وهى تكشف بوضوح أن حجم الكارثة الميدانية يتجاوز بكثير ما يُسمح بنشره.

​وعلى المسار ذاته، لم تكن واشنطن بعيدة عن هذا الارتباك المالى؛ حيث تقدمت الإدارة الأمريكية بطلب عاجل للكونجرس للموافقة على ميزانية إضافية بمليارات الدولارات لدعم الحرب الحالية، هذا الاستنفار المالى المشترك بين تل أبيب وواشنطن يؤكد أن تكلفة الصراع الحالى باتت تشكل ضغطًا حقيقيًا لا يمكن تحمله ضمن الموازنات الاعتيادية، ويشى بأن القادم قد يكون أكثر كلفة وتعقيدًا.

فخ هرمز

​حينما بدأت إيران بتفخيخ مضيق هرمز، تغيرت لغة الرئيس ترامب لأول مرة ليتحدث عن إنهاء الحرب، طهران عرضت «الجزرة» مقابل «العصا»؛ فالدول التى تطرد السفارة الإسرائيلية ستحظى بحرية المرور المجانى،  هذا التهديد لشريان الطاقة العالمى وضع الغرب أمام خيارين إما الصدام الشامل وإما كبح جماح نتنياهو.