الجمعة 20 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

من دفاتر الصحابة فى «رمضان المصرى»

كان خليفة المسلمين عُمر بن الخطَّاب يتخوَّف دائمًا من مُتابعة الفتوحات قبل أن يُرسِّخ المُسلمون أقدامهم فى المناطق التى دخلوها فى العراق والشَّام، خاصَّةً بعد عام الرمادة وطاعون عمواس سنة 18هـ، حيثُ مات عشرات الأُلوف من الجُوع والوباء، ثُمَّ اقتنع بِفكرة عمرو بن العاص بِضرورة الزحف من الشَّام إلى مصر. 



وقد جاء مع عمرو بن العاص جيش قوامه أربعة آلاف جندى، وقيل 3500 جندى، وبحسب المراجع التاريخية أنهم قاتلوه قتالًا شديدًا استمر نحو 3 أشهر، وعندما استعصى عليه الفتح أرسل له الخليفة عمر بن الخطاب الزبير بن العوام ونحو 12 ألف مقاتل، وفتح المسلمون مصر بشكل كامل فى العام التالى بعدما تمكنوا من القضاء على آخر معاقل الروم فى الإسكندرية، وشاء الله سبحانه وتعالى ألا يقتصر رتباط المصريين بشهر رمضان بالاحتفال الدينى فقط، فقد عرف المصريون الإسلام مع أول يوم فى رمضان عندما قام عمرو بن العاص بفتح مصر، فشاهدوا جيش المسلمين وهم يصومون ويصلون ويؤدون الزكاة.

 

بريشة: سماح الشامى
بريشة: سماح الشامى

 

 البداية

نتوقف مع شيخ المؤرخين المصريين تقى الدين المقريزى الذى ولد فى القاهرة عام 764 هجريًا وتوفى يوم الخميس 16 رمضان عام 845 هجريًا، ومن مؤلفاته كتاب (عقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط) الذى حاول فيه المقريزى أن يكتب عن تاريخ مصر خلال الفترة التى امتدت منذ الفتح العربى إلى مرحلة ما قبل تأسيس الدولة الفاطمية، وحسبما يؤكد فإن الجيش الإسلامى بقيادة عمرو بن العاص اخترق سيناء وفتح العريش بلا مقاومة، ولم يشتبك الجيش مع جند الروم فى قتال حتى وصل إلى مدينة الفرما ذات الحصون القوية، فحاصرها المسلمون أكثر من شهر، وتم الفتح فى أول شهر رمضان عام 20 هجريًا، وقد شهد فتح مصر من الصحابة رضى الله عنهم كثيرون، منهم الزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص وعمرو بن العاص وعبدالله بن عمرو وخارجة بن حذافة العدوى وعبدالله بن عمر بن الخطاب وقيس بن أبى العاص السهمى والمقداد بن الأسود وعبدالله بن أبى سعد بن أبى سرح العامرى ونافع بن عبد قيس الفهرى وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عبدة وابن عبدالرحمن وربيعة ابنا شرحبيل بن حسنة وعبادة بن الصامت ومحمد بن مسلمة الأنصارى وغيرهم، وكانت أخلاق هؤلاء العظام وسلوكهم أكبر دليل عملى شاهد من خلاله المصريون عظمة الإسلام.. خاصة فى رمضان. 

رغم أن عمرو بن العاص أمر ببناء مسجد بداية دخوله مصر وهو «سادات قريش» فى مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، بعد الفتح الإسلامى للمدينة، ليكون أول مسجد يتم بناؤه ليس فى مصر فقط بل فى قارة إفريقيا، وتمت تسميته أيضًا مسجد «الشهداء» لأنه شهد وفاة 250 مسلمًا فى المعركة التى دارت بين المسلمين والرومان، كان من بينهم 20 من صحابة الرسول تم دفنهم أسفل المسجد، لكن دائمًا يشار لأن أول مسجد بنى فى مصر هو مسجد عمرو بن العاص، وهو معروف أيضًا باسم مسجد الفتح.

 

الزينة طقس رمضانى أصيل
الزينة طقس رمضانى أصيل

 

وبدأ بناؤه فى 24 رمضان سنة 20 هجريًا بالفسطاط، والاسم جاء من الفسطاط أو الخيمة التى كانت مسكنًا لعمرو بن العاص، أى بعد 24 يومًا فقط من فتح مصر بدأ المسلمون فى بناء المسجد، وقد لاحظ المؤرخ المقريزى أن أول معرفة المصريين بالإسلام كانت عن طريق الصيام بعدما تصادف فتح مصر مع دخول شهر رمضان.. وبعدها بأيام قرر عمرو بن العاص بناء مسجده ليس لأداء الفرائض الدينية فحسب، بل كان مسجدًا جامعًا لأمور الدنيا والدين، حيث كانت توجد به محكمة لفض المنازعات الدينية، وبيت للمال، كما كانت تعقد فيه حلقات دروس لكبار العلماء بعد ذلك أمثال الإمام الشافعى والليث بن سعد، والعز بن عبدالسلام، الشيخ محمد الغزالى.

 قصص وأساطير

يروى المقريزى أنه كان من الطبيعى أن يحكى عن جامع عمرو «الجامع العتيق» وأول جوامع مصر الإسلامية الكثير من القصص والأساطير، كما يعتبره الناس من الأماكن التى فيها يستجاب الدعاء.

ويقال إنه على يسار الداخل من الباب البحرى الكبير عمودان متجاوران يزعم الناس أنه لا يمكن المرور بينهما إلا لطاهر.

لذلك فإن من دنس بالذنوب والخطايا يقصدونهما بالمرور بينهما ليختبر الإنسان حاله ويزدحمون عليهما بعد صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان ازدحامًا شديدًا، ولذلك كان هذا المسجد مرتبطًا منذ قرون بصلاة التراويح فى رمضان.

 

جامع عمرو بن العاص
جامع عمرو بن العاص

 

وقد بنى عمرو رضى الله عنه المسجد.. ثم بنيت حوله مدينة الفسطاط التى هى أول عواصم مصر الإسلامية، وكان بذلك أول مسجد فى مصر وإفريقيا، والرابع فى الإسلام بعد مسجد المدينة الذى بناه الرسول صلى الله عليه وسلَّم فى العام الهجرى الأول، ومسجد البصرة الذى بناه عقبة بن غزوان رضى الله عنه عام 14 هجريًا، ومسجد الكوفة الذى بناه سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه عام 17 هجريًا، وأشرف على بناء مسجد عمرو بن العاص أربعة من الصحابة هم أبو ذر الغفارى، أبوبصرة، محمية بن جزء الزبيدى، نبيه بن صواب البصرى، وقام بتحديد القبلة فيه جمهور من الصحابة رضوان الله عليهم، مـنهم: ربيعة بن شرحبيل، عمر بن علقمة القرشى، الزبير بن العوام، المقداد بن الأسود، عبادة بن الصامت، رافع بن مالك، أبو الدرداء، فضالة بن عبيد الله، عقبة بن عامر. وغيرهم من أجلاء الصحابة الفاتحين. وافتُتح بأول صلاة جمعة مباشرة فكان بذلك أول مسجد جامع فى مصر والقارة الإفريقية ليخرج منه نور الإسلام والإيمان إلى باقى البلدان. 

 جامع عمرو على النيل

أنشئ هذا المسجد بشكل كامل عام 21 هجريًا على أرض كانت حديقة تبرع بها «قيسبة بن كلثوم» وكان يشرف على النيل، ومساحته وقت إنشائه 50 ذراعًا فى 30 ذراعًا وله ستة أبواب، وظل كذلك حتى عام 53 هجريًا وتوالت التوسعات فزاد من مساحته «مسلمة بن مخلد الأنصارى» والى مصر من قبل «معاوية بن أبى سيفان»، وأقام فيه أربع مآذن، وتوالت الإصلاحات والتوسعات بعد ذلك على يد حكام مصر حتى وصلت مساحته بعد عمليات التوسيع المستمرة نحو أربعة وعشرين ألف ذراع معمارى، وهو الآن حوالى 13200 متر، ويُعدّ أقدم أثر إسلامى باق حتى الآن فى مصر والقارة الإفريقية.

وحسبما يشير المؤرخ ابن دقماق فى كتابه «الانتصار لواسطة عقد الأمصار» فإن عددًا كبيرًا من مشاهير الصحابة شارك فى تحرى قبلة هذا الجامع، إلا أنها جاءت منحرفة بعض الشيء عن الاتجاه الصحيح للقبلة، وتزخر المصادر التاريخية بأوصاف تاج الجوامع الذى عمره الصحابة بأداء الصلوات وإلقاء الدروس حتى إن أحد المؤرخين يصفه بأنه «إمام المساجد ومقدم المعابد وقطب سماء الجوامع ومطلع الأنوار اللوامع وموطن أولياء الله وحزبه وطوبى لمن حافظ على الصلوات فيه وواظب على القيام بنواحيه وتقرب منه إلى صدر المحراب وخر إليه راكعًا وأناب».

 

يحرص المصريون على صلاة التراويح فى المساجد التاريخية خصوصًا جامع عمرو بن العاص
يحرص المصريون على صلاة التراويح فى المساجد التاريخية خصوصًا جامع عمرو بن العاص

 

والحقيقة أن جامع عمرو كان صغيرًا عند تشييده إذ لم تتعد أبعاده الأولى 50 ذراعًا طولًا و30 ذراعًا عرضًا، كانت كلها ظلة للصلاة بلا صحن مكشوف ولم يكن للجامع محراب مجوف، بينما كانت جدرانه عارية من كل زخرف وله بابان فى الضلعين الشمالى والغربى، وآخران يواجهان دار الإمارة الملاصقة لجدار القبلة. وعندما اتخذ والى مصر عمرو بن العاص لمسجده هذا منبرًا من الخشب ليخطب فى الناس من فوقه كتب إليه الخليفة عمر بن الخطاب يأمره بكسره قائلًا: أما يكفيك أن تقوم قائمًا والمسلمون جلوس تحت عقبيك، فكسره ويقال إنه أعاده بعد وفاة الفاروق عمر بن الخطاب.

مع تزايد الهجرات العربية إلى مصر وانتشار الإسلام بين المصريين ضاق الجامع بالمصلين فتعاقب الولاة على توسيعه فترة بعد أخرى حتى توارت تمامًا كافة المعالم الأصلية للجامع الأول. وفى سنة 53هـ/ 672م قام الوالى مسلمة بن مخلد الأنصارى بزيادة مساحة الجامع وأنشأ أربع صوامع للمؤذنين فى أركانه وزخرف جدرانه وسقوفه وأمر بفرشه لأول مرة بالحصر بدلًا من الحصباء.

وجاء الوالى قرة بن شريك فهدم الجامع وأعاد تشييده بمساحة كبيرة فى عام 93هـ وظهر المحراب المجوف لأول مرة فى عمارة قرة بن شريك.

وخلال العصر العباسى زيدت مساحة الجامع حتى وصلت على يدى الوالى عبدالله بن طاهر فى سنة 212هـ «827هـ» إلى مساحته الحالية وهى 120 مترًا طولًا و113 مترًا عرضًا، ورغم ذلك لم يبق من الأعمال المعمارية لهذا الوالى سوى بعض زخارف على الخشب نقلت إلى متحف الفن الإسلامى بالقاهرة. وبعد استقرار مساحته شرع الولاة فى العناية بزخرفته وتزيينه ولم يأت منتصف القرن الرابع الهجرى حتى كان الجامع قد بلغ ذروة الغنى الجمالى مما جعل الرحالة المقدسى يصفه بالفخامة وأنه حسن البناء وفى حيطانه شيء من الفسيفساء على أعمدة رخام أكبر من جامع دمشق وهو أكثر مواضع مصر عمرانًا، ويحكى لنا الرحالة ناصر خسرو الذى زار الجامع خلال (1045م – 1047م) فى عهد الخليفة المستنصر الفاطمى ووصفه بأنه كان قائمًا على أربعمائة عمود من الرخام، وكان يوقد فى ليالى المواسم بأكثر من أربعمائة قنديل، ويفرش بعشر طبقات من الحصير الملون، وهو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة، ولا يقل من فيه فى أى وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود.

لكن رغم العناية الكبيرة التى أولاها الفاطميون لجامع عمرو بن العاص، فإن بناء الجامع أصيب فى عام 564هـ (1168م) عندما أقدم الوزير الفاطمى شاور على إحراق مدينة الفسطاط خشية سقوطها بأيدى الصليبيين، وظلت النار مشتعلة بها 54 يومًا فتخربت مبانيها وتشعث جامع عمرو بعد أن هجره المصلون ولم تفلح محاولات الحفاظ عليه من قبل الأمراء والسلاطين لانتقال العمران إلى شاطئ النيل بعيدًا عن موقع الجامع.

وكُتب وقُيض لتاج الجوامع أن يعاد ترميمه بصورة شاملة على يد الأمير مراد بك فى العهد العثمانى وبالتحديد فى عام 1212هـ (1797م) أى قبل مقدم الحملة الفرنسية لمصر بعام واحد.

ويقال إن مراد بك فعل ذلك بحثًا عن كنز أخبره بعض العرافين أنه مدفون تحت أرض الجامع، ولكن هذه الأعمال المعمارية انهارت بصورة جزئية فى عام 1300هـ (1882م) مع الاحتلال البريطانى لمصر، وأعيد بناء الأروقة فى الظلتين الجنوبية والشمالية واستغرقت أعمال البناء والزخرفة التى أشرفت عليها لجنة حفظ الآثار العربية حوالى 17 عامًا انتهت مطلع القرن العشرين. وخلال ذلك أجريت تنقيبات أثرية فى أرض المسجد أسفرت عن كشف القواعد القديمة للأعمدة وهو ما أتاح إجراء ترميم علمى وشامل لإعادة جامع عمرو بن العاص إلى هيئته التى كان عليها. 

حلقات الدرس 

لجامع عمرو شهرته القديمة فى عقد حلقات التدريس، وقد شرع فى السنوات الأخيرة فى إحياء تقاليدها تحت إشراف علماء من الأزهر، وتجدر الإشارة إلى أن تقسيم الدروس فى العصور الوسطى كان يتم على حلقات وصل عددها فى القرن الرابع عشر الهجرى إلى أكثر من أربعين حلقة لا تكاد تنفض.

وكثيرًا ما كان يطلق على أماكن حلقات دروس كبار العلماء بالجامع الزوايا فعرف درس الشافعى بزاوية الإمام الشافعى لأنه كان يدرس فيه الفقه وحرص على التدريس بها أعيان الفقهاء والعلماء من أتباع المذهب الشافعى.

وحافظ الجامع العتيق الذى صادفه حظ عاثر فى الحفاظ على معالمه الأثرية القديمة وعلى مكانته الروحية والدينية ودوره الثقافى بفضل سيرة الصحابة الأوائل الذين عمروه بناء وتدريسًا.

ويحتضن المسجد مكتبة تاريخية غنية بالمخطوطات الإسلامية والكتب الدينية التى تعكس الحضارة والعلم. 

 طقوس مصرية

 على مدى قرون طويلة ارتبط شهر رمضان فى عقول وقلوب المسلمين بطقوس كثيرة، معظمها مصرية الأصل، وأول من عرف من المؤذنين فى مصر هو الصحابى الجليل أبو مسلم بن عامر بن المرادى وكان أذانه فى مسجد عمرو بن العاص، وكان أبو مسلم هو مؤذن الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، وأرسله الفاروق مع عمرو بن العاص عند فتح مصر، وعندما فتح الله على عمرو بن العاص بفتح مصر قام أبو مسلم فأذن أول أذان للإسلام فى مصر وإفريقيا كلها، وقد عمد عمرو ابن العاص إلى عشرة مؤذنين فى مصر كان من بينهم أبو مسلم بن عامر بن المرادى رضى الله عنه، والذى ظل المؤذن الأول فى مصر إلى أن توفاه الله، ومن بعده توارث الأذان فى مسجد عمرو بن العاص أولاده وأحفاده والذين قاموا بنفس دور والدهم رضى الله عنه وأرضاه بالنداء إلى الصلاة.

فأول مسحراتى عرفته مصر كان عنبسة بن إسحاق سنة 228 هـجرية وكان واليًا على مصر، ويذهب سائرًا على قدميه من مدينة العسكر فى الفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص وينادى الناس بالسحور، ورغم مكانته حاكمًا للمحروسة، كان ينزل إلى الشارع سيرًا على قدميه، ليطوف أحياء مصر القديمة، أيضًا من مظاهر الاحتفال بشهر رمضان أغنية وحوى ياوحوى التى يرددها الأطفال وهم يحملون الفوانيس.

يقول البعض إن الاغنية عرفها المصريون القدماء منذ آلاف السنين، وأن كلمة «أيوحة» مأخوذة من «ايوح» وهو اسم القمر عند الفراعنة، فكانوا يرددون هذه الأغنية فى مطلع كل شهر، كذلك ارتبطت الأكلات الشعبية الأخرى بشهر رمضان فى مصر، مثل طبق الفول المدمس، والزبادى، والمقبلات المتنوعة، إضافة إلى ياميش رمضان ومشروب قمر الدين المصنوع من المشمش، وكانت الكنافة والقطايف موضع مساجلات بين الشعراء، فجلال الدين السيوطى له رسالة عنوانها: «منهل اللطايف فى الكنافة والقطايف».