لماذا كان شعر سلطان العاشقين ابن الفارض أكثر تأثيرا فى نفس الشيخ ياسين التهامى
مدير مدح آل البيت
زين إبراهيم
يتربع الشيخ ياسين التهامى «76 عامًا» على عَرش الإنشاد الصوفى المصرى منذ سنوات بعيدة.
استطاع هذا الرجل الصعيدى ذو الملامح المميزة والصوت الموحى أن يمثل حالة خاصة ومتفردة فى عالم الإنشاد الصوفى أهم معالمها قوة الإحساس مَهما كانت صعوبة الكلمات التى يتغنى بها، فضلًا عن تقريب تلك المعانى والكلمات الصوفية الصعبة إلى جمهوره ومستمعيه بسلاسة جعلتها على ألسنة العامّة قبل المثقفين والنخبة، ناهيك عن أن الرجل أصبح له جمهور ومريدون متنوعو الثقافة والتعليم والاهتمامات مثل المطربين العظام داخل مصر وخارجها.
اسمه بالكامل ياسين تهامى حسانين محمد، وُلِدَ بقرية الحواتكة بمركز منفلوط بمحافظة أسيوط عام 1949، وهى قرية مميزة تحظى بالعديد من أضرحة أولياء الله الصالحين الذين تقام لهم موالد سنوية، ومن الأضرحة الموجودة بها: ضريح الشيخ التهامى حسانين، وهو بالمناسبة والد الشيخ ياسين التهامى، وضريح الشيخ أبى الحسن المحمدى، والشيخ عبدرب النبى، والشيخ الحلوى، والشيخ الريدى وغيرهم، ومعظم أبناء القرية ينتمون إلى الطرُق الصوفية ومن عشاق ومحبى آل البيت.
البدايات
نشأ الشيخ ياسين فى بيت دينى؛ والده كان من أولياء الموالد والذين يقدرونها.
وكان لهذا الجو الدينى تأثير عميق على «ياسين» الذى نشأ وتربّى فى جو يسوده التدين وحُب وذِكر الله، وذلك من خلال ليالى الذكْر التى كان يقيمها والده فى المناسبات الإسلامية، مثل المولد النبوى الشريف وغيرها من المناسبات الدينية.
كان من البديهى أن يرسل الوالد ابنه إلى الأزهر الشريف ليتلقى تعليمه هناك، وبالفعل التحق الابن به حتى وصل إلى السنة الثانية فى المرحلة الثانوية الأزهرية عام 1970.
بعدها انقطع عن الدراسة لأسباب غير معروفة.
ورُغم أن الشيخ ترك تعليمه الأزهرى؛ فإن هذه الفترة من التعليم كانت خير معين له فى رحلته التى شاء القدَر أن يُسيره فيها.
فقدْ حفظ القرآن الكريم وتمكن من تجويده، كما ساعده حفظ القرآن الكريم على إنماء ملكة الحفظ لديه التى كانت عاملًا مُهمّا بالنسبة له فيما بعد، بالإضافة إلى اللغة العربية وقواعدها التى درسها، وساعدته على معرفة أصول اللغة وقواعدها وكيفية نطقها نطقًا سليمًا.

كان الشيخ ياسين مولعًا بالشِّعْر الصوفى، الذى كان يسمعه من والده وممن يحضرون ليالى الذكْر التى كان يقيمها، لذلك ظل لمدة عامين متأملًا ومنقطعًا لقراءة أشعار المتصوفة الكبار من أمثال: عمر بن الفارض، والحلاج، والسهروردى، ومحيى الدين بن عربى، وغيرهم الذين كان لهم الفضل، وأكبر الأثر فى تكوين شخصيته خصوصًا أن هذه الأشعار تحمل معانى وقيمًا عديدة مثل تهذيب النفس والروح والارتقاء بها إلى أسمَى المراتب، وكان «ياسين» يردد مع نفسه هذه الأشعار، ويحفظها بجوار آيات القرآن الكريم.
نقطة التحوّل فى حياة الشيخ عندما كانت تقام إحدى الليالى التى كان يقيمها والده بمناسبة المولد النبوى، وكان يردد ما يقوله الذاكرون، ثم وجد نفسه مندفعًا إلى حلقة الذكْر منشدًا: هو الحب فاسلم بالحشى ما الهوَى *** سهل فما اختاره مضنى به وله عقل
وعش خاليًا فالحب راحته عنا *** فأوله سقم وآخره قتل
ومن كلمات سُلطان العاشقين - عمر بن الفارض - الذى يُعد الأكثر تأثيرًا فى نفس الشيخ ياسين التهامى.
ونستطيع أن نقول إن «التهامى» تخصص فى غناء قصائد القطب الصوفى الأشهر ابن الفارض، وأنشد تائيته الشهيرة (537 بيتًا) على مراحل عمره الفنى المختلفة.
وبدأ الشيخ بالإنشاد فى الموالد والحفلات بقرى ونجوع الصعيد أولًا قبل أن يسطع نجمه فى منتصف السبعينيات ليصبح بمرور السنوات والخبرات نجم الإنشاد الدينى الأول فى مصر، وتمتد شهرته خارجها حيث يُطلب بالاسم فى عدد كبير من الدول الأجنبية.
ونستطيع القول إن التهامى ظهَر فى فترة لم يكن فيها كثير من الأسماء المشهورة فى عالم الإنشاد سوى الشيخ أحمد التونى ابن قرية الحواتكة أيضًا، الذى ورث هذا الفن عن سابقيه من أمثال الغنيمى والشيخ الشبيتى وآخرين.
والإنشاد فى تلك الفترة المحكم على لحن معين يلتزم به المنشد ولا يغيره مع اعتماده فى أغلب الأحيان على الكلام العامى.
ولكن هذا النوع النمطى من الإنشاد لم يستهوِ الشيخ ياسين التهامى، الذى قرر أن يرتقى بهذا، ويدخل فيه ما حفظه فى صباه من كلام أعلام الصوفية الكبار، ونجده فى أولى حفلاته يبدأ بقصيدة للسهروردى مطلعها:
أبدا تحن إليكم الأرواح ووصالكم ريحانها والراح
أو نجده يتغنى بقصيدة لسلطان العاشقين عمر بن الفارض مثل:
ما بين معترك الأحداق والمهج أنا القتيل بلا إثم ولا حرج
ورُغم صعوبة هذا الكلام؛ فإن «التهامى» استطاع بأسلوبه وإحساسه العالى أن يجذب إليه الجمهور العادى البسيط الذى أخذ يردد ما يسمعه منه ولو لم يفهم معناه بالكامل إلا أنه يحسّه.

وبهذا الأسلوب أصبح «التهامى» صاحب مدرسة فى الإنشاد الدينى فى مصر تعتمد على الارتقاء بالإنشاد الدينى الشعبى من الأسلوب الدارج والكلمات العامية إلى تطعيمه بأرقى وأجمل ألوان الشّعْر الصوفى الفصيح لعمالقة الشعراء مضافًا إليه إحساس الشيخ الذى ليس له حدود.
أهم ما يميز الشيخ ياسين التهامى إحساسه بالقصائد وقدرته على تقديم حالة فنية متكاملة فيها الصوت والكلمة واللحن والأداء المسرحى، وطريقته فى الإنشاد فريدة ولها خصوصيتها، وتعتمد على التواصل المستمر بينه وبين فريق اللحن والجمهور وطبيعة وأجواء الزمان والمكان.. واستحضار ما يسميه هو نفسه «الحالة»؛ حيث التفاعل المستمر، وتبادل المشاعر والأحاسيس مع الجمهور وانفعالاته.
ولأنه وُلِدَ وتربّى فى أجواء التصوف، وحلقات الذكر.. جاء معظم إنشاد ياسين التهامى من قصائد وأشعار المتصوفة التى تربطه بها علاقة عشق.
وأنشد لعبدالقادر الجيلانى وعبدالكريم الجيلى والحلاج ومحيى الدين بن عربى والغوث وأولهم بالطبع عمر بن الفارض، وغيرهم من أقطاب الصوفية، وهو ما يناسب الإنشاد الدينى فى الموالد وحلقات الذكْر، ولهذا يكثر فى إنشاد ياسين التهامى المعانى والمصطلحات التى تدعو إلى وحدة الكون والوجود، وتبجيل الأولياء وأهل البيت والاستغاثة بهم وطلب العون منهم والمَدَد، وهى المعانى التى تصادف هوًى عند معظم المصريين الذين يقدرون ويحبون آل بيت النبى ومن سار على طريقهم.
ويقول «التهامى» عن هؤلاء الشعراء واختياراته لهم «أنا لا أقول إن هؤلاء شعراء إنما هم لسان حال.. فهم أكبر من أن يكونوا شعراء.. هم لسان حال واضح وفصيح صادر عن منابع كلها صدق، ولا تزال حية وموجودة».
ولا يخرج «ياسين» عن عيون الشعْر الصوفى إلا نادرًا، وإذا ما أنشد لآخرين نجده يميل لشعراء لهم نفس الروح والمشاعر والعاطفة القوية؛ مثل الأمير عبدالله الفيصل وعبدالله البردونى وأحمد شوقى والأخطل الصغير (بشارة الخورى)، وطاهر أبوفاشا، وإيليا أبوماضى، ومن القدماء المتنبى وأبوفراس الحمدانى ورابعة العدوية، ولعنترة بن شداد من الشعراء الجاهليين.
ويقول «التهامى» فى حواراته «إن المبدأ عندى هو روح القصيدة وليس شخص صاحبها».
الإنشاد قبل وبعد
ونستطيع القول إن الإنشاد اختلف قبل ياسين التهامى وبعده، فقبله كانت قصائد المتصوفة، مكانها بطون الكتب أو حلقات الذكْر ومجالس شيوخ الطرُق.
ولكن بعد ظهور «ياسين» فى الموالد والميادين والحفلات أصبحت القصائد والأشعار الصوفية على ألسنة العوام فى القرى والأرياف والمدن، بل إن أغلب جمهور «التهامى» يحفظ عبارات لأقطاب المتصوفة من كثرة ما رددها وراء الشيخ «ياسين» فى الموالد والحفلات، أو لكثرة ما سمعها فى أشرطة الكاسيت التى تحتوى إنشاده الدينى والتى تجاوزت المائة والخمسين شريطًا مثل عبارات «ما حيلتى والعجز غاية قوتى»!، «أنا قلم والاقتداء أصابع»! «قلبى يحدثنى بأنك متلفى»! «روحى فداك عرفت أم لم تعرف».

وياسين التهامى رُغم ارتجاله، ورُغم أنه لم يحصل على دراسات أكاديمية أوعلمية؛ فإنه يمكن اعتباره أفضل مُنشد عربى فى علاقته مع الموسيقى وتوظيفه لها فى الإنشاد؛ لأنه أبدع لونًا جديدًا فى الإنشاد الدينى لم يكن موجودًا من قبل، يعتمد فيه على المزاوجة بين إيقاعات النغم الشرقى الأصيل والنغم الشعبى، وأدخل فيه الآلات الموسيقية على اختلاف أنواعها، ونوّع من المقامات الموسيقية المتعارف عليها؛ فطوّر بذلك فى الإنشاد الدينى، وميزه عن أنواع مختلفة قد تتداخل معه؛ مثل الابتهال الدينى الذى قدّمَه كبار المنشدين من أمثال النقشبندى ونصر الدين طوبار وطه الفشنى، ليس على مستوى الكلمة فقط.. بل وكذلك اللحن وشكل الأداء.
فقد ظل الابتهال أقرب للدعاء والمناجاة، ولا يرتبط فيه المبتهل بإيقاع بعينه بل هو حُرّ فى أغلب الأحيان، وتصاحبه دائمًا بطانة تردد خلفه من دون موسيقى غالبًا.
وطوّر «ياسين» - بحسب النقاد الموسيقيين- لونًا من الإنشاد يعتمد على إدخال المقامات الشرقية بما فيها المقامات المهجورة على القصائد الدينية والتنويع بينها، وكذلك الآلات الموسيقية على اختلافها من كمان وناى وقانون وأكورديون، ومزَج بين إيقاعات النغم الصعيدى وإيقاعات النغم الشرقى الأصيل، كما اختلف أيضًا فى طريقة الأداء التى تعتمد أساسًا على العلاقة مع الجمهور وتقوم على التفاعل والتأثير المتبادل؛ خصوصًا أنه يُقدّم فى الميادين والموالد والشوارع مباشرة إلى الجمهور.
ويحوز التهامى طاقة ومساحة صوتية هائلة، وصوته بالأساس هو ما أتاح له إنشاد أصعب القصائد بمقامات لم يؤدِّ عليها إلا كبار الفنانين، من أمثال ناظم الغزالى وأم كلثوم وصباح فخرى، وهو أقرب إلى البَوْح الذى يخوض فى مساحات واسعة فى النفس الإنسانية تجعله يؤثر فى ذاته دون معرفة معنى الكلمات أو حتى اللغة العربية نفسها، فهو صوت إنسانى بامتياز يحسه كل من يسمعه حتى ولو لم يكن يفهمه، أو كما قيل عنه «إن صوته وألحانه تفتح فى النفوس طرقًا من النور والإيمان».