رفض مقابلة عبدالوهاب.. وأسقطوه فى الإذاعة 9 مرات
حكاية كسوة الكعبة مع حافظ القرآن
أسماء إبراهيم
هو صوت تام التجريد تتراجع الحلية فيه لصالح الصنعة وقواعد الأحكام فيخلق جماليته المجردة الخاصة به وحده ولتستمع لموسيقاه الذى ظل يدفع عنه شبهتها.
ينفى عن نفسه تهمة اللحن فى القراءة وزيادة مقدار الغُـنَّـة لجذب انتباه المستمع. وهو صوت يدعى صاحبه أنه أبعد ما يكون عن توسُّـل النغم..
فما بالنا نطرب لسماعه؟!
علاقة الشيخ الطبلاوى بالموسيقى علاقة ملتبسة، فهو الشيخ الذى كان يستمع إلى محمد عبدالوهاب، لكنه يعتذر عن مقابلته حين يعلم برغبته فى مناقشته فى بعض الطرق الموسيقية فى ترتيل القرآن.
وهو الشيخ المنفتح الذى كان يستمع لأسمهان وسعاد محمد ولأم كلثوم التى كانت تدعوه لقراءة القرآن فى منزلها وتشيد بالفرامل لديه مثنية على أدائه قائلة:
- «القفلة بتاعتك مضبوطة يا شيخ محمد».
- «ده من ذوقك يا ست.. انتى سمِّـيـعة كويسة».
لكن الموسيقى والأنغام ظلت هواجس يتجنبها القارئ الذى عُـرف بصبر أيوب حين ظل يتقدم إلى لجنة اختبار المُـقرئين بالإذاعة لمدة 9 سنوات وقوبل فى كل مرة بالرفض بسبب عدم درايته بالانتقال النغمى، وكان ينجح فى كل شىء: الصوت، الحفظ، التجويد، قوة الأداء، إلا أن «الجماعة بتوع الموسيقى»- وِفق وصفه- كانوا يشكِّـلون عائقًا كبيرًا أمامه، إلى أن مَنَّ الله عليه، كما يقول، بوجود الشيخ الغزالى الذى أقنعهم بأن له طريقة خاصة به، ونجح أخيرًا فى عام 1970، وبعدها عرف طريق الشهرة بعد سنوات من دأب الصعود. وكان التحاقه بالإذاعة براتب 3 جنيهات فى السهرة الواحدة.

وقد بدأ الطبلاوى القراءة فى الموالد والليالى والحفلات البسيطة، وكان يتقاضى خمسين قرشًا فى الليلة تكفيه لمدة شهر، فكان يحرص على شراء الشاى والسكر بـ«نكلة»، إلى أن أنعم عليه الله ونال شهرة واسعة وهو فى الثانية عشرة من عمره، لينفرد بسهرات كثيرة ويُحيى مآتم كبار الشخصيات، ليحتل مكانة مرموقة بين صفوف القراء لأدائه المميز وقوة صوته التى كانت تملأ أرجاء المكان من دون وجود ميكروفونات.
تزوج الشيخ الطبلاوى وعمره 16 عامًا من قريبته الحاجة «هادية» وكان عمرها آنذاك 13 عامًا، وأنجب منها عشرة أولاد، خمسة من الذكور وخمس إناث، تزوجوا جميعًا، وأصبح لديه 28 حفيدًا، ولم يرغب أحد من أولاده فى العمل بمجال قراءة القرآن الكريم سوى عمر الابن قبل الأخير، الذى رفض العمل بالمحاماة رغم حصوله على ليسانس الحقوق، وفضل لبس العمة والكاكولا ومصاحبة والده فى الحفلات، فأصبح كما يصفه والده يعمل بمجال القراءة كهواية وليس احترافًا.

هو زملكاوى بحُكم الجيرة والنشأة والميلاد فى يناير 1934 بميت عقبة، التى كان يقرأ لقاطنيها فى مواسم الخميس، الأربعين، الرواتب، حتى حصل من عمدتها على 10 قروش كأول مبلغ كبير يحصل عليه من القراءة فى مأتم والدته.
شيخ عموم
تقلَّد الطبلاوى عبر سنِى عمره العديدَ من المناصب الرسمية، فكان نقيب القراء وشيخ عموم المقارئ المصرية، وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وعضو لجنة القرآن بوزارة الأوقاف ومستشارٌاً دينيٌاّ بها.
ويتذكر شيخنا فيقول: «علاقتى بحكام مصر كانت جيدة، وجميعهم يحبوننى، كنت أتعامل بعزِّة نفس، لا أحب السياسة ولكنى احتفظت بعلاقات طيبة مع الجميع». ودائمًا ما كان يُـثار أنه مقرئ الحكام والملوك؛ وهو لا ينفى هذا الادعاء، فالشيخ جاب دول العالم بدعوات خاصة وعامة مُمثلًا لمصر ومُحكٍّما بالمسابقات الدولية. كما شرف بالتلاوة أمام الجاليات العربية والإسلامية فى إيطاليا وأمريكا والعديد من الدول الأوروبية والآسيوية، وكان يقرأ سنويّا فى مولد سيدى أبوالكوم بالمنوفية بدعوة من الرئيس الأسبق السادات، كما أنه قرأ تلاوته فى عزاء حفيد مبارك، وعلى الصعيد الإقليمى فقد قرأ فى مأتم الملكة «زين شرف» والدة الملك «حسين» بقصر رغدان فى عَـمان الأردن 1973.

جاب «الطبلاوى» العالم من أقصاه لأدناه، لكنه يشكو من أنه لم يتم تكريمه فى مصر رغم أنه يقول إن أعظم تكريم كان قراءته للقرآن الكريم فى جوف الكعبة حين تصادف وجوده مُحكمًا فى مسابقة للقرآن بمكة المكرمة وتقدم من يحمل مفتاح الكعبة طالبًا منه قراءة (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) فصلى بكل ركن من أركان الكعبة وشاهد مراسم غسلها وتطييبها وأهدوه قطعة معتبرة من كسوتها الشريفة حينها شَعَر أنه بالجنة.

لكنه يعود بالذاكرة أبعد قليلًا فيتذكر والده الذى كان يقسو عليه فى حفظ القرآن ومراجعته قائلًا: «إنَّـا سنلقىِ عليك قولًا ثقيلًا»، وهو على العهد لم يزل حين ألزم نفسه بمراجعة خمسة أو ستة أجزاء يوميّا من القرآن، حيث يبدأ بجزء عقب صلاة الفجر، وجزأين عقب صلاتىّ الظهر والعصر، وجزء قبل النوم.
يحزن الشيخ الطبلاوى ألا يُـذاع المصحف المرتَّـل بصوته فى إذاعة القرآن الكريم، فى حين يبرر انتشار ترتيل القُرَّاء العرب بأن الناس تسمعهم لأنهم يذكِّرونهم بالحرم المكى والبقاع الشريفة.
ويرى أن أهـم صفات قـارئ القرآن هو خشية الله. لأن القرآن هو بركة ورزق قارئه، لكن شيخنا لا يستمع إلى نفسه، حيث يكون غير راضٍ عن مستوى التلاوة فى بعض الآيـات وهو لا يريد أن يشغل نفسه بهذا الأمر.
