الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

جدل أدب التاريخ

عين على التاريخ وعين على الأدب، تقدم لنا الرواية التاريخية فى معظم الأحيان تأويلًا لأحداث مهمة تشغل الدارسين، وتثير اهتمام القراء، وخاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات اجتذبت الضوء، ولعبت دورًا حيويًا تأثرت به الأحداث، ومن الروايات التاريخية الصادرة حديثًا: رواية «السيدة الكبرى»، للكاتبة شيرين سامى، الرواية صادرة عن دار الكرمة.



نماذج إنسانية مؤثرة

من خلال قصة حب ناعمة بين «المعتمد بن عبّاد» أمير أشبيلية، «واعتماد الرميكية» تستطيع الكاتبة أن تُلقى المزيد من الضوء حول قصة سقوط الأندلس التى وقعت فى ذلك الوقت نهبًا لصراعات عدة بين ملوك الطوائف، والروم، والإسبان، وظل ملوك بنى عبّاد وآخرهم المعتمد بن المعتضد مكافحًا عنها إذ كان فى ذلك الوقت أميرًا لأشبيلية.

وما يميز السرد فى هذه الرواية امتزاج النثر بالسرد، والأحداث بالمشاهد، واضطرام الشخصيات بصراعاتها الداخلية والخارجية مما يجعلها نماذج إنسانية مؤثرة، نماذج انحازت للحرية الإنسانية، والقدرة على مواجهة الصعوبات، ونضج الاختيار واتخاذ القرار، إضافة إلى معالجة الشخصيات المرسومة برهافة.

«المعتمد بن عباد» كان أميرًا وشاعرًا، و«اعتماد الرميكية» هى أيضًا شاعرة عاشت فى زمن «ولادة بنت المستكفى» والتقت بها، كما استوزر «المعتمد» الشهير «ابن زيدون» بعدما فقد «المعتمد» ثقته فى «ابن عمّار» وهو شاعر من شعراء البلاط من مادحى الملوك، واستطاع عن طريق التآمر والحيل، التفاوض مع «الأذفونش» على حكم «مرسية».

 قيمة الحرية

اعتماد الرميكية هى فتاة مصرية فقدت حريتها، فقد اشتراها تاجر من الأندلس ربما فى زمن الشدة المستنصرية، لكنها كانت تدرك بعمق قيمة الحرية، وهربت من حياة العبودية ففرت من قصر من اشتراها لتلقى بها الظروف فى مكان واحد مع «ابن عمّار» الشاعر الذى يحاول إغواءها، وأن تكون ملك يمينه لكنها رغم عاطفتها نحوه رفضت، فعرض عليها الزواج، لكنها عرفت حبه للنساء، ونزواته، وتركه لزوجته وطفليه فى مدينة أخرى فرفضته.

فى بيت «الرميكى» عاشت «اعتماد» حتى طلبها «المعتمد بن عبّاد» منه زوجة لا جارية، فوافقت، وهنا بدأت فصول جديدة من حياتها تقترن بأحداث تاريخية مهمة، فقد كانت شاهدة حقيقية على هذا الصراع الذى خاضه «المعتمد» ليحافظ على أشبيلية، وعلى الأندلس.

 

 

 

 نعيم الأندلس

بطولات وخيانات، انتصارات وهزائم سطرتها الكاتبة عن لسان بطلتها «اعتماد الرميكية» التى سجّلت قصتها فى أوراق أخفتها فقد ينصفها زمن ما، وربما هذه اللحظة هى ذلك الزمن، ففى أوراقها تقول: 

يزعمون أننى من أخطط للمعتمد، وأدفعه إلى فعل ما أريد، وأجبره على شتى ألوان الصرف، وبعثرة الأموال بجنون، أنا سبب البذخ والترف والنعيم الذى يعم قصور الأندلس وربوعها، الأندلس التى وجدتها بكل هذا النعيم، منذ أن فتحت عينى عليها، وقصورها الموروثة التى كلما أتاها ملك زاد فى عددها، وغالى فى معمارها، ونحن النساء نفاجأ بكل تصاريف الرجال، يقولون إن «الرميكية» تنسحر له، ويصفون العشق الذى علمنى إياه، وعلمته إياه بالسحر، وما أنا بساحرة، وإلا كنت استطعت أن أجد أهلى، وأجبر زوجى ألا يتزوج غيرى، وألا يتعاشق مع امرأة سواي.

 أطماع بن عمّار

خطط «ابن عمّار» لتولى «مرسية» بالتآمر والحيلة.

استنزف الجيوش من أجل ذلك، وها هو بعد أقل من عام يطرد، ويتنقل بين الفونسو، وبعض ملوك الأندلس، يبحث عن مأوى ومستقر له، حتى استقر عند بنى هود فى سرقسطة، يخطط لهم، ويعيد إليهم حصونهم، لكن تم القبض عليه وأودع السجن على يد ابن مبارك، الذى عرضه لمن يدفع أكثر! فأرسله «المعتمد» يشتريه، ويحضره مقيدًا إلى أشبيلية.

 هجاء وأكاذيب

ويحاول «ابن عمّار» استنقاذ نفسه بإغواء «الرميكية» مرة أخرى بعد أن هجاها، وهجا «المعتمد» فى قصيدة نابية، يخادعها فيقول: طليطلة ضاعت، وغدًا تضيع قرطبة، وأشبيلية، لقد سجننى لأنه يعرف أن الحق معى، وأن ملوك الأندلس يؤمنون بى، ويوالوننى، لولا خوفهم منه، لأنه صاحب للأذفونش، وألبونت، وبنى الرزين على أن ننقذ الأندلس بجيوش ليس لها آخر».

يحاول إقناعها بأن تكون معه، ضاربًا آمالها فى المقاومة فيقول:

بى أو من دونى ستسقط أشبيلية إما بالأذفونش، وإما بالملثمين فكونى معى.

ويغريها بفكرة إنقاذ الأندلس، بقوته وفطنتها، لكنها كانت تدرك خبثه ومكائده، وتحقق ظنها عندما أرسل رسائل لصديق له من خصوم المعتمد، وهو فى محبسه، فقتله المعتمد قائلًا:

- أنت شر يموت معك كل الغدر والخديعة.

 صراع داخلى

وتستطيع الكاتبة أن تصور هذه اللحظة الفارقة فى حياة اعتماد فهذا هو الرجل الذى علمها الحب مقتولًا، وها هو ابن وهبون يصفها فيقول:

«عجبنا لمن أبكيه ملء مدامعي/ وأقول لاشُلت يمين القاتل».

فالصراع الداخلي للرميكية مرسوم بدقة فهى تخلص لزوجها، «المعتمد» لكن «ابن عمّار» هو أول رجل أنقذها من الأسر، وعرفت معه معنى الحب والكره، ويصلنا صوت الساردة عارفًا بما يضطرم فى نفس بطلتها:

هناك فى ظلام الغرفة بكت من دون أن يسمعها أحد، لا تعرف سببًا لبكائها، فموت ابن عمّار كان جل ما تتمناه، لكن جزءًا منها ما زال يفزعه الموت، فما بالك بموت من تعرفه، ومن تشارك معها شيئًا من حياتها حتى إذا كان أسوأ جزء منها، وهى أيضًا تبكى لما تشعر به يعتلج بصدر المعتمد من الأسى.

 

 

 

 أسئلة للتاريخ

.. لماذا منح المعتمد الجزيرة الخضراء للمرابطين ليقيموا فيها، وجعل ابنه «الراضى» يسلمها لهم؟

لماذا توافق مع ابن تاشفين الذى جعله فى مقدمة الجيوش، حيث ازدادت فرصة إصابة المعتمد أو القضاء عليه؟

وبالفعل عاد بجراح عميقة..

نطل مع الساردة من نوافذ السرد المطعمة بالمعلوماتية عن هذه المعارك فتقول:

المعتمد وملوك غرناطة، وسرقسطة، وبلنسية يجتمعون فى الجهة الغربية من الأندلس، جيوش الإسبان تعدت الستين ألف مقاتل وهو ضعف عدد مقاتلى الأندلس والمرابطين معًا، اجتمعت من الجلالقة وقشتاله وليون وأشتوريس، تتجه لملاقاتهم من طليطلة.

واستطاعوا هزيمة الإسبان ودمروا حصونهم، وجرح المعتمد، واحترم آراء ابن تاشفين لكنه كان قلقًا لأن ابن تاشفين لم يلحق بفلول الأذفونش المهزوم ويقضى عليها.

 هناك لحظة

ونسمع الصوت الداخلى للمعتمد وهو يصف سر تحالفاته، فيقول:

هناك لحظة لن يدركها إلا من خاض غمار هذه الحرب، لحظة تمنعنى من أن أتحرى الصدق أو الخداع من وراء ابن تاشفين، إنها اللحظة التى ظهر فيها إلى جوارى فى أرض المعركة، وكنت قبلها محاطًا من كل جهة بجنود الأذفونش، سلطهم عليّ لقتلى، كأنه بهذا يقتل الجيوش جميعًا، وتماسكت، وثبت بقوة من الله، لا أعرف كيف غشيتنى حتى هذه اللحظة، وقد استحّر القتال، وحمى، لكننى أردت أن أحيا لتحيا الجيوش جميعًا.

 أسئلة المواجهة

وتصف الرميكية مخاوفها مما يحدث حولها، والوضع الذى أصبحت عليه الأندلس فى ذلك الوقت فتقول:

بعد مرور سنوات على موقعة الزلاقة ما زلنا ندفع الجزية للأذفونش من ناحية، ومن الناحية الأخرى نهادن المرابطين، ونقدم لهم فروض ولائنا لماذا لا يحررون طليطلة من الروم؟!

.. المرابطون حطوا على أرضنا، ويحاصرون غرناطة، وقرطبة، ومرسية، وإن أشبيلية ستكون محطتهم الأخيرة، سيأتى دورنا ونحن فى انتظاره، وما زال سؤالى بلا إجابة..

لماذا لا يحررون طليطلة من الروم؟!

 بين لحظتين

استبسل «المعتمد» رغم جراحه، أشهر سيفه، وعندما أخبره الحرس بأن المرابطين اقتحموا القصر، وفتحوه للعامة فصار الخطر خطرين، ثم قتلوا ابنيه المأمون والراضى، لكن المعتمد خرج حاملًا سيفه وهو يقول: 

السلطان إما فى القصر وإما فى القبر.

وبعد أن وقع المعتمد فى الأسر، مقيدًا إلى فراشه، يسير بقيوده إذا دعت الضرورة، عملت بناته بمهنة غزل خيوط الحرير، والصوف، وجلست «الرميكية» قربه دامعة العينين، تذكر لحظات صعبة فى حياتها فهى التى تقلبت بين الخشونة واللين/ والشظف والرفاهية، وخبرت الحياة حرة وأسيرة فى حياة صاخبة حافلة بالشعر والمقاومة فتصفها الساردة قائلة:

عندما وصلوا إلى النهر عادت إلى ذاكرتها بنت فى الخامسة عشرة تنتظر مع أهلها على الرصيف رحلة الضياع الأولى، مصابة بالحمى تهذى فوق سفينة كبيرة ولا تتذكر كيف وجدت نفسها أسيرة بعد أن كانت حرة، وبين اللحظتين دائمًا، هناك خطأ ما لاتفهمه، والآن تقاد إلى سفينة أخرى فى رحلة الضياع الأخيرة، وبين الرحلتين ثم أهل ضاعوا، وأبناء ماتوا، لكن بعد الرحلة الأولى كان هناك أمل، وكان هناك وقت لصناعة أهل من جديد، أما الآن فالوقت انتهى، والأمل ضاع.

 مصير الأندلس

ويتوافق هذا المصير الفردى مع ضياع الأندلس، وتقدم الرميكية رؤيتها حول هذه الأسباب التى كانت وراء سقوط الأندلس فتقول:

لم يكن هناك ابن عمّار واحد، كان هناك مائة، ابن عمّار، ومئات الدسائس، والوشايات، والخيانات، وكان هناك الأذفونش، واليهود، والصقالبة، والبرابرة، وجيوش إفريقية، لكنهم يقولون إن المرأة شرك الشيطان!

ويعودون عليها بكل شيء وكأنها المحرضة، وسبب العبث واللهو والبذخ والإسراف، وتتعجب «الرميكية» فتقول:

هل هى المرأة جذوة الحروب والشر وقتل الرجال؟

.. الرجال الذين يبيعونها ويشترونها ويأمرونها بالغناء والرقص والتعرى والبغاء وحتى الحديث والصمت.

ثم تثور على ذلك كله واصفة وضع المرأة حينذاك:

المرأة المقيدة بأغلال سلطة مالكها وأبيها وأخيها وزوجها حتى أبنائها، هى السبب فى سقوط الأندلس؟!

 حرة وأسيرة!

.. اعتماد الرميكية عرفت حقيقة مأساتها من أخيها الذى بحثت عنه طول العمر، وعندما التقته قال لها إن والديها باعاها تحت وطأة الفقر والجوع والشظف وكانت عرضة لتكون جارية لذة لكنها آثرت أن تكون جارية خدمة صونًا لعرضها وإنسانيتها، وكانت تحسب أن «المعتمد كان لا يريدها أن تتصل بأهلها، فيباعد بينها وبينهم، لكنها عرفت الحقيقة، أنه كان يعرف ما خفى عنها، وعرف الحقيقة من أخيها، لذا تصف عمق عاطفتها نحوه فتقول:

إنه يشاركنى الغرام، ويدفع عنى الأسى والغضب، إنه يراضينى لأنه يعلم أننى وحيدة فى عالمه، ليس لى أهل ولا صديقة واحدة هو كل حياتى، ولم يكن يريد أن يزيد من وحدتى بمغاضبتى.

 حب وحزن

شعر «المعتمد» وما كتبه فى الرميكية أضفى شجناً خاصًا على علاقتهما، وعلى تنوع لغة السرد فى الرواية، ومما قاله فيها:

حب اعتماد فى الجوانح ساكن/ لا القلب ضاق به ولا هو راحل، ومما قاله «المعتمد» فى رثاء ابن له:

يقولون صبرًا لا سبيل إلى الصبر / سأبكى وأبكى ما تطاول من عمرى.

 بين المعتمد وخصومه

وتضفير الجوانب الإنسانية والتاريخية أضفى على الرواية اقترانًا ما هو عاطفى بما هو فكرى، فالمعتمد الشاعر والمحب والأب والزوج هو أيضًا صاحب العقلية المفكرة، كما بدأ فى الرواية وبينما اتهمه معارضوه بأنه ضحّى بالأندلس من أجل أن يزداد ملكه، وأنه عندما عاهد الإسبان كان ذلك ضد أبناء وطنه ودينه، وعندما اعترف بقوة «الأذفونش» وسطوته عد ذلك خصومه تحالفًا مشئومًا سيكون بداية الانهيار، لكن «المعتمد» يرى أنه فعل ذلك إنقاذًا للممالك التى أصبحت ضعيفة خوفًا من أن تقع فى يد «الأذفونش»، فالملوك لا يغيرون على ممالك أخرى بغير سبب، ويقول لو أنه فعل مثل أبيه «المعتضد» لامتلك العديد من الممالك، ولفقدت «أشبيلية» الكثير من الأرواح من جراء ذلك.

 غضب وكرامة

لقد وقف المعتمد موقفًا شجاعًا واستبسل رغم ما أحاطه من ظروف صعبة، يطالبه مبعوث الفونسو بمضاعفة الجزية، وأن تقيم زوجته فى «الزهراء» حتى تلد وتضع طفلها فى مسجد قرطبة، وقال له «ابن شاليب» اليهودى مبعوث الفونسو إنهم فى «قشتاله» أشاروا عليه إذا ولد له ولد فى أكبر المساجد كانت له السيطرة عليهم، وأن الجزية التى يدفعها من مال سيدفعها فيما بعد من الحصون والمدن، فما كان من «المعتمد» إلا أن طرده ورفض أن يعطيه الجزية ورفض أن تلد تلك المرأة بمسجد «قرطبة» وأمر بأسر قادة الفونسو الرابضين على أبواب أشبيلية.

 فارس وعاشق وشاعر

وعندما تم أسر المعتمد على يد يوسف ابن تاشفين كان هناك من تشفّع له من الذين عرفوا قدره كحاكم وأمير، وشاعر، وإنسان فتحرر وأسرته من القيود، وبعد أربعة أشهر توفى المعتمد ونادى المنادى: «الصلاة على الغريب»..

.. لقد عاش «المعتمد» فارسًا، وشاعرًا وعاشقًا نبيلًا، فبقيت صورته ماثلة فى القلوب، ورغم معترك السياسة، وما قاله خصومه ومعارضوه فقد كانت له فى الحكم وجهات نظر، لقد عاش معجونًا بالحب وبالشعر وبالسياسة، يسمى حبيبته الرميكية بالسيدة الكبرى لتطلع على أوراقها الخاصة من خلال حيل روائية متقنة، وسرد تنوعي، واغتنى بلغة الشعر والمشاهد المعبّرة.