ماذا أراد ترامب من إيــران؟
هشام البقلى
منذ اللحظة الأولى لضرب إيران لم يكن الهدف الأمريكى تقنيًا أو محدودًا فى إطار الملف النووى فقط. المسألة كانت أعمق من نسب تخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي.
سعت الإدارة الأمريكية إلى كسر الإرادة السياسية للنظام الإيرانى وإعادة صياغة سلوكه بالكامل، سواء فى البرنامج النووى أو الصاروخى أو فى شبكة نفوذه الإقليمى الممتدة من العراق إلى لبنان مرورًا بسوريا واليمن.
المطلوب كان انتقال إيران من موقع الفاعل المتمدد إلى موقع الدولة المنكفئة التى تقبل بالشروط الأمريكية دون قدرة على المناورة.
سياسة الضغط الأقصى لم تكن مجرد عقوبات اقتصادية، بل منظومة متكاملة شملت حصارًا ماليًا، ملاحقة شبكات تمويل، حشدًا عسكريًا غير مسبوق فى الخليج، وتعزيزًا للوجود البحرى والجوى فى محيط إيران. الرسالة كانت واضحة إما تعديل السلوك جذريًا أو مواجهة مفتوحة.
لكن طهران قرأت المشهد باعتباره محاولة إذلال استراتيجى لا خلافًا تفاوضيًا، لذلك جاء الرد بالتمسك لا بالتراجع.
الضربات العسكرية شكلت تحولًا كبيرًا فى قواعد الاشتباك. استهداف قمة الهرم السياسى (المرشد خامنئى) كان رسالة أن واشنطن مستعدة للذهاب بعيدًا.
ومع ذلك، لم يظهر حتى الآن تغير فى القرار السياسى داخل طهران. مجلس القيادة المؤقت تحرك بسرعة لإعادة ضبط الداخل ومنع أى فراغ أو انقسام.

تم توظيف الحدث كرمز تعبوى لتعزيز التماسك الداخلى، وتحويل الصدمة إلى رواية صمود فى مواجهة عدوان خارجى، بل تم استدعاء الأذرع الإيرانية من خلال حزب الله ردًا على اغتيال خامنئى.
الرد الإيرانى لم يتأخر
إغلاق مضيق هرمز فعليًا أدخل الاقتصاد العالمى فى حالة ارتباك حاد. هذا الممر البحرى يمر عبره جزء ضخم من إمدادات الطاقة العالمية، وأى تعطيل فيه ينعكس فورًا على أسعار النفط والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد.
حتى دون إعلان قانونى دائم، فإن توقف السفن وارتفاع المخاطر الأمنية يعنى أن الورقة الأخطر استخدمت بالفعل.
إيران بعثت برسالة مفادها أن الضغط عليها سيقابله ضغط على شريان الطاقة العالمى.
الأخطر كان انتقال الضربات إلى نطاق العواصم الخليجية وصولاً إلى قبرص واستهداف مدن أو منشآت حيوية فى الخليج يعنى توسيع دائرة الصراع عمدًا.
هذه الخطوة لا تحمل بعدًا عسكريًا فقط، بل بعدًا سياسيًا ونفسيًا، فإيران تدرك أن أمن الخليج مرتبط بالمظلة الأمريكية، وبالتالى فإن ضرب هذا الأمن يخلق ضغطًا داخليًا على حكومات المنطقة لإعادة حساباتها، ويضع واشنطن أمام اختبار حماية حلفائها. المعادلة هنا تقوم على توزيع الكلفة وعدم السماح بحصرها داخل الجغرافيا الإيرانية.
لكن هذا التصعيد يحمل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع. ضرب العواصم يرفع احتمالات الرد المباشر ويزيد من فرص الخطأ فى الحسابات. كما أنه يوسع فجوة الثقة ويجعل أى مسار تهدئة أكثر صعوبة وتعقيدًا.
هل يمكن إسقاط النظام؟
التجارب تشير إلى أن الضربات الجوية مهما كانت كثافتها لا تسقط نظامًا متجذرًا ما لم تترافق مع تصدع داخلى عميق. إسقاط النظام يحتاج انقسامًا داخل المؤسسة العسكرية أو حراكًا شعبيًا واسعًا يفقد السلطة السيطرة، لكن فى ظل مواجهة خارجية مباشرة، غالبًا ما تتماسك الأنظمة أكثر. الخطاب التعبوى يتصاعد، والأصوات الداخلية تتراجع، وأولوية البقاء تطغى على الخلافات.
وماذا بعد؟
إذا لم تنجح واشنطن فى كسر الإرادة السياسية سريعًا، فنحن أمام سيناريو استنزاف طويل. قد نشهد ضربات دورية تستهدف البنية الصاروخية والنووية بهدف التعطيل لا الإنهاء الكامل.
قد يتوسع الضغط على الوكلاء فى ساحات متعددة لحرمان طهران من أوراقها الإقليمية. سيتواصل الخنق الاقتصادى مع تشديد الرقابة على شبكات التهريب والتمويل، كما أن الحرب السيبرانية قد تتحول إلى ساحة رئيسية لاستهداف البنية التحتية الحساسة.
فى المقابل ستسعى إيران إلى تثبيت معادلة الردع عبر استمرار الضغط البحرى وإبقاء العواصم الخليجية ضمن نطاق التهديد، بما يمنع حصر المواجهة داخل حدودها، وهذا يعنى أن المنطقة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية بالاقتصادية، ويتحول النفط والممرات البحرية إلى أدوات صراع مباشرة.
سيناريو الضربة الخاطفة التى تحقق حسمًا سريعًا تراجع بقوة. ما يتشكل الآن هو صراع مفتوح منخفض الوتيرة، لكنه مرتفع الكلفة، قد يطول ويتغير شكله دون أن ينتهى سريعًا، فالولايات المتحدة تريد تغيير السلوك بالقوة، وإيران تريد إثبات أنها لا تنكسر تحت الضغط. وبين الهدفين تقف المنطقة أمام معادلة معقدة، لا نصر حاسمًا فيها ولا خسارة يمكن احتواؤها بسهولة.