الجمعة 13 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

.. ولماذا لن تحسم الحرب بسهولة؟!

تصاعد الدخان في العاصمة القطرية الدوحة بعد اعتراض صواريخ ومسيرات إيرانية
تصاعد الدخان في العاصمة القطرية الدوحة بعد اعتراض صواريخ ومسيرات إيرانية

خلال شهرى فبراير ومارس، دخلت منطقة الشرق الأوسط نفقًا مظلمًا لم تشهده منذ عقود، حيث تحولت المناوشات إلى صدام جبهوى مباشر تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران ووكلائها فى المنطقة، بإطلاق واشنطن عملية «الغضب الملحمى»، وتل أبيب لعملية «زئير الأسد»، ولم تعد المواجهة تقتصر على البرنامج النووى؛ بل امتدت لتشمل محاولة تفكيك المحور الإيرانى بالكامل وتحجيم السلاح الباليستى.



ما يحدث، تجاوز فكرة العملية النوعية بالضربات الجوية، وصولا إلى «صدام كبير» بسيناريوهات متعددة، حيث تشير المعطيات الميدانية إلى أننا أمام حرب استنزاف طويلة الأمد، فلم تكتفِ إسرائيل بضرب منشآت «نطنز» و«فوردو»، بل انتقلت لاستهداف «رأس الهرم» السياسى المرشد الأعلى، على «خامنئى»، وقتله ومعه قادة الصف الأول والثانى فى إيران، رغبة فى الوصول إلى سيناريو «الفراغ الاستراتيجى»، باستهداف القادة والمنظرين لإحداث شلل فى اتخاذ القرار.

 

حزب الله حليف استراتيجى لإيران
حزب الله حليف استراتيجى لإيران

 

فمنذ عملية «مطرقة منتصف الليل» الأمريكية يونيو الماضى، التى استهدفت 3 منشآت نووية رئيسية، ممهدة الطريق لغزو جوى وصاروخى واسع استنزف 70% من أنظمة الدفاع الجوى الإيرانية، ومع الكثافة النارية الإسرائيلية يبقى السؤال: هل انكسرت أجنحة «محور المقاومة»؟

فى لبنان، لا يزال حزب الله يحتفظ بـ120 ألف صاروخ رغم الغارات التى طالت بيروت بدءًا من 4 مارس، منها صواريخ دقيقة «فاتح 110» القادرة على تجاوز القبة الحديدية بنسبة خطأ لا تتجاوز 10 أمتار. وما زال الحزب متماسكًا على الصعيدين السياسى والعسكرى واستطاع بناء قواعده من جديد وبشكل جزئى بعد حرب الاثنى عشر يومًا وبدعم من طهران.

وفى اليمن، أثبت الحوثيون أو ما يطلق عليهم «جماعة أنصار الله» فاعلية استثنائية؛ فرغم اعتراض إسرائيل 90% من مسيَّراتهم، فإن «الصدفة التقنية» سمحت لبعضها بالوصول إلى مطار «بن جوريون»، قرب تل أبيب ما تسبب بخسائر اقتصادية تُقدر بـ450 مليون دولار فى أسبوع واحد من تعطل الملاحة. بخلاف نزوح آلاف المستوطنين الإسرائيليين إلى مناطق متاخمة للحدود السورية والإقامة فى الوحدات السكنية التى أنشأتها إسرائيل حديثا فى جنوب سوريا مستغلة حالة الفراغ الأمنى والعسكرى بعد هروب الرئيس السابق بشار الأسد ووصول أحمد الشرع للحكم. حيث ابتلعت إسرائيل 500كم فى العمق السوري. 

ورغم أن صواريخ الحوثى أعادت تشكيل ديمغرافيا الكيان الإسرائيلى؛ فإنه فى المقابل خسرت  الهجمات الإسرائيلية أمام جغرافيا اليمن وتضاريسها الوعرة حيث الثكنات العسكريه للحوثى بين الجبال وساهمت فى حماية قادة الصف الأول من «الحوثى» وصعّبت على إسرائيل مهمة تجنيد عناصر استخباراتية داخل الجماعة بما يقلل من حجم المعلومات التى تحصل عليها إسرائيل حول نشاط وتحركات الجماعة وما يصلها من دعم عسكرى إيرانى.

 

مسيرات الحوثيين فى اليمن
مسيرات الحوثيين فى اليمن

 

أما فى العراق، فإن الحشد الشعبى: يمثل «قوة التعطيل»، حيث استهدف أكثر من 40 قاعدة أمريكية مطلع عام 2026 باستخدام مسيرات «أبابيل-3». 

 اتصالات سرية

إن قدرة الأجنحة فى الحفاظ على قدر وافر من قوتها، دفع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى إجراء اتصالات سرية مع قادة أكراد العراق «مسعود بارزانى وبافل طالباني» وفقا لتقارير حصرية من موقع «أكسيوس» وصحيفة «وول ستريت جورنال»، بهدف تحريض الأكراد على فتح جبهة برية من جهة «كردستان إيران» مقابل وعود أمريكية بدعم «حلم الدولة». 

إقليميًا، يعنى دخول الأكراد بريًا تفكيك إيران عرقيًا، لكنه أيضًا سيجر «تركيا» للصراع، حيث صرح مسئولون فى أنقرة أن «قيام دولة كردية فى إيران هو خط أحمر سيعقبه غزو تركى لشمال العراق وسوريا»، وهو سيناريو قد يؤدى لموت 200 ألف مدنى، حسب تقديرات مختلفة، فى الشهر الأول نتيجة تداخل العرقيات.

فى الوقت نفسه، فجرت الصحافة الغربية مفاجأة عن تصريحات الإعلامى تاكر كارلسون مارس 2026، حول ضبط خلايا للموساد فى قطر والسعودية، هدفها تنفيذ تفجيرات تخريبية فى منشآت نفطية سعودية ومراكز حيوية فى الدوحة باستخدام متفجرات إيرانية الصنع، لإيهام العواصم الخليجية بأن طهران بدأت تغزوها، وذلك لـ«تعظيم العداء» وجر دول الخليج لتكون شريكًا ماليًا وعسكريًا فى الحرب، لكن اليقظة الأمنية فى الدوحة والرياض أحبطت هذه المخططات، ما خلق توترًا صامتًا بين تل أبيب وبعض عواصم الخليج.

 

من منطقة النخلة بدبي
من منطقة النخلة بدبي

 

أوروبيًا، برزت إسبانيا داخل حلف شمال الأطلسى «الناتو» كصوت أخلاقى معارض لـ«الفوضى» تحت قيادة «خوسيه مانويل ألباريس»، حيث أدانت مدريد رسميًا قصف إسرائيل للمدارس فى طهران وأصفهان، الذى خلَّف مئات القتلى من الأطفال والمدنيين، معلنة قرارها السيادى 3 مارس، بمنع الولايات المتحدة من استخدام القواعد العسكرية المشتركة على أراضيها لضرب إيران، مؤكدة أن «أمن أوروبا لا يتحقق بإشعال الشرق الأوسط». 

وتبقى مشاركة كل من الصين وروسيا موضع تساؤل، فقد زودت روسيا إيران بأنظمة تشويش إلكترونى متطورة أدت لسقوط 12 مسيرة أمريكية من طراز «Reaper» فى أسبوع واحد، فيما كانت الصين وقعت اتفاقية طاقة طارئة مع طهران لضمان تدفق النفط، محذرة من أن أى هجوم على ناقلاتها سيعتبر «عدوانًا على المصالح الصينية العليا». 

ورغم ضبابية الرؤية عن حجم الدمار والخسائر؛ فإن البيانات المسربة والتقديرات الصادرة عن المنظمات الدولية والمراكز البحثية تكشف عن أرقام مرعبة قد تلحق بالمنطقة والعالم حال استمرار التصعيد. 

 قفزات تاريخية

بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، فإن تحليلات مصرف «جولدمان ساكس»، تشير إلى أن إغلاق مضيق هرمز أو استهداف المنشآت النفطية الإيرانية والخليجية أدى إلى اضطراب حاد فى سلاسل الإمداد، مع توقعات بقفزة تاريخية فى أسعار النفط لتصل إلى 160 دولارًا للبرميل الواحد، ما يهدد بإدخال الاقتصاد العالمى فى حالة «ركود تضخمي» لم يشهدها منذ أزمة السبعينيات.

 

بيدرو سانشيز   رئيس وزراء إسبانيا
بيدرو سانشيز رئيس وزراء إسبانيا

 

وأوضح تقرير أممى مسرب، أن الخسائر البشرية سجلت أرقاما مفزعة؛ حيث سقط ما يقارب 55 ألف قتيل خلال أول 10 أيام فقط من بدء العمليات القتالية المكثفة، ما يعكس عنف المواجهة واستخدام أسلحة فتاكة فى مناطق مأهولة، كما تسببت العمليات العسكرية فى جبهات غرب إيران وشمال العراق فى موجات نزوح بشرية هائلة. 

وتشير بيانات مفوضية اللاجئين إلى وجود ما يقارب 4 ملايين نازح يتدفقون حاليًا من المناطق الحدودية الإيرانية باتجاه الأراضى العراقية والتركية، ما يضع ضغوطًا هائلة على البنى التحتية لهذه الدول ويهدد بنشوء أزمة إنسانية عابرة للحدود قد تصل آثارها إلى أوروبا.

عسكريًا، تشير تقديرات البنتاجون الأمريكى إلى أن الضربات الجوية الإسرائيلية والأمريكية رغم قوتها لم تنجح فى تحييد كامل القوة الصاروخية الإيرانية، ولا تزال إيران تحتفظ بقرابة 2500 صاروخ باليستى بعيد المدى مخبأة فى «مدن صاروخية» تحت الأرض، وهى جاهزة للإطلاق فى أى لحظة لاستهداف القواعد الأمريكية فى المنطقة أو العمق الإسرائيلى.

إذا نجحت خطة ترامب فى توريط الأكراد، فإننا سنشهد زلزالًا جغرافيًا يغير حدود 4 دول، وإذا استمرت عمليات «العلم الزائف» الإسرائيلية، فقد تنهار الثقة بين واشنطن وحلفائها العرب، حيث ينتظر العالم الآن: هل تسقط طهران، أم أن الانفجار سيحرق الجميع؟ ليبقى الشرق الأوسط فى 2026 على حافة الهاوية. 

أما لماذا عادت المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية لاختراق الأجواء العراقية بكثافة الآن؟ فهو لأن العراق يمثل «الرئة العسكرية» لإيران فى المنطقة، فالفصائل المسلحة المتمركزة هناك باتت تشكل تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل والقواعد الأمريكية فى الخليج. 

وبعيدًا عن لغة الرصاص، ثمة بعد عقائدى لا يمكن تجاهله فى التفكير اليمينى المتطرف الذى يلقى بظلاله على السياسات الحالية، فالعراق فى الشريعة التوراتية ليس مجرد جغرافيا؛ بل هو «بابل»؛ أرض السبى القديم ومهد التلمود البابلى، حيث يرى الفكر العقائدى اليهودى فى العراق أرض «أور الكلدانيين» مسقط رأس النبى إبراهيم، وفى الوقت ذاته هى رمز للشتات والاضطهاد التاريخى.

هذا التداخل بين «الأمن القومى» و«النص الديني» يعطى الصراع طابعًا وجوديًا يتجاوز المصالح النفطية أو الحدود الجغرافية، حيث يرى البعض فى ضرب القوة العراقية الحالية استكمالًا لرؤية تاريخية قديمة.