حكايات القبطى صاحب أقدم مائدة رحمن فى شبرا
بنايوتى يتمنى لكم صومًا مقبوًلا
حوار: وليد فاروق محمد
منذ 53 عامًا بدأت الحكاية.
فبعدما حقق جنودنا النصر فى حرب أكتوبر 1973 بأيام كان جميل بنايوتى مجندًا يجلس بين زملائه فى أرض المعركة منتظرًا أذان المغرب، فمع بداية الشهر الكريم كان- مثل غيره من الجنود والضباط المسيحيين- يصومون عن الأكل والشرب تمامًا تقديرًا لمشاعر إخوتهم المسلمين، خاصة أن المجند جميل كانت وحدته متقدمة فى خطوط القتال بسلاح المدرعات، كما ظلت تحارب لفترة أطول بسبب الحصار الذى فرضته القوات الإسرائيلية فيما بعد.

ويروى جميل بنايوتى سببًا آخر لصومه.. فحجم التموين المخصص فى تلك الفترة «التعيين» كان يكفى بالكاد، ولا أحد يعرف متى ستنتهى الحرب، لذلك قرر الجميع الصوم ليكون - وهو المسيحى - قدوة للجميع، فكما يقول «مدافع العدو عندما كانت تتساقط علينا لم تفرق بين محمد وجرجس»، ثم انتهت الحرب.. وأكمل جميل خدمته العسكرية ثم بدأ عمله كمحاسب فى جامعة عين شمس.
تغيرت أمور كثيرة فى الحياة لكن الثابت هو أن جميل بنايوتى ظل يصوم فى شهر رمضان.. وبعدما أصيب بمرض السكر الذى يحتاج لعلاج بأقراص منتظمة.. أصبح على الأقل يمتنع نهائيًا عن الأكل والشرب طوال فترة وجوده فى عمله أو بين الناس لخدمة المائدة.

وللحكاية وجه آخر.. عم جميل أصلًا من قنا، وعندما كان عمره 10 سنوات انتقل مع والده إلى حى شبرا وبيته الحالى بشارع يلبغا الذى عاش فيه عمره كله.
ومنذ 48 عامًا بدأ قصة أخرى مع شهر رمضان، يقول: كان لى جار اسمه ناصر يقيم مع عدد من تجار المنطقة مائدة رحمن صغيرة فى الشارع، بدأت بمساعدته عن طريق تنظيم المائدة فى قطعة أرض مجاورة ملك لوالدى، وبمرور الوقت كنت أنزل لأنظم معهم الترابيزات والكراسى، وبعدها بدأت المشاركة الفعلية عندما خرجنا للشارع.
يقول: بعد فترة استغللت جزءًا من بدروم العمارة التى أسكن فيها وأصبح هو المطبخ، ثم زاد عدد المتطوعين المشاركين فى عمل المائدة.. وأيضًا مساهمات أهل الخير، وقد بدأنا بـ4 ترابيزات كنا نؤجرها فى البداية من محلات الفراشة، لكن بعد عدة سنوات اشترينا عددًا كبيرًا من الترابيزات والكراسى وأصبحت المائدة بطول الشارع.. ثم اشترينا أفرانًا للطهى وثلاجات لحفظ الأكل، وكذلك نشترى أجولة الأرز من قبل شهر رمضان بفترة ونخزن كل احتياجات المائدة، وفى البداية كانت سيدات الحى يقمن بتنقية الأرز وتقطيع البصل والخضار والطهى أو إعداد العرقسوس والعصائر والحلويات.
كنت تجد الكل هنا يشارك بسعادة.. الموظف الكبير يكنس الشارع قبل رص الكراسى ورجل الأعمال يضع الأطباق على المائدة، كان المعنى الحقيقى للتكافل والحب، ومؤخرًا هناك طباخ نتعاقد معه سنويًا للقيام بهذه المهمة مع بقية شباب الحي.

عم جميل رغم سنوات عمره الـ83 ما زالت روحه معلقة بشبرا.. وأيضًا بشهر رمضان، يسافر للإقامة عند أولاده المهاجرين لأمريكا، ولكنه يحرص على التواجد قبل بداية شهر رمضان بأسبوعين ليقضى الشهر كله والعيد بين أبناء منطقته.
يقف يوميًا بعكازه بين مجموعة كبيرة من أبناء الشارع لتجهيز مائدة الرحمن بكل ما تحتويه من لحوم وخضروات وأرز، لكن هذه المائدة بالذات لها نظام مختلف بعض الشيء.
يقول: طبيعى أن يشعر البعض بالإحراج والكسوف من الجلوس على المائدة رغم حاجته، ونحن نفعل الخير وليس هدفنا الإعلان عنه، ولذلك ابتكرنا فكرة «عواميد الأكل.. فقد اشترينا عددًا كبيرًا من «العواميد» ومن قبل رمضان نوزعها على من يرغب، ويأتى يوميًا قبل المغرب ليأخذ إفطاره هو أسرته فى العمود، وإذا أراد الجلوس للإفطار معنا فى الشارع فأهلًا وسهلًا.
وإذا شعر بالإحراج أو رغب فى الإفطار مع أسرته فى البيت فأيضًا أهلًا وسهلًا، والهدف من هذا النظام هو قيام الأسر بعدم إلقاء الطعام المتبقى لاستخدامه مرة أخرى، وأيضًا لتمكين الأسرة من الاجتماع فى منازلها على مائدة واحدة، بعدما تبين تعذر حضور كبار السن والأطفال أو المرضى، وصعب أصف لك شعورى بالحزن منذ 6 سنوات عندما اضطررنا لعدم إقامة المائدة بسبب كورونا.. لكن وقتها قررنا أن نستبدل طعام المائدة بعمل كراتين للوجبات الجافة وأوصلناها للبسطاء فى بيوتهم، وبعدها عادت المائدة مرة أخرى.

عم جميل يرفض تمامًا تسمية البعض لها بـ«مائدة الوحدة الوطنية»، ويقول: هى مائدة لكل المصريين.. فوقت الإفطار يأتى ليأكل مسيحيون بينما الذى يتكفل بتكلفة الأكل مسلمون، أو العكس، وهذه الروح مستمرة طوال العام، ولكننا نقدم خدمات أخرى كالعلاج وغيره حسب مقدرتنا.
عم جميل يؤكد أيضًا أن المائدة ليست ملكه.. بل هى ثمرة جهد صديقه الحاج ناصر وكثيرين يرفضون ذكر أسمائهم بنية «الحسنة المخفية»، وعدد كبير من أهالى شارع يلبغا من المسلمين والمسيحيين الذين يقدمون الخير ويتبرعون بالمال والجهد.
وعندما سألته فى النهاية: كيف أثر ارتفاع الأسعار على المائدة هذا العام؟ رد ببساطة: نحن نعيش بالمحبة والتسامح، وكله برزقه.. هل نحن فى بيوتنا رغم المعاناة لن نأكل.. الله يرزق الجميع بقدر نواياهم الطيبة، صحيح لم تعد قطعة اللحمة كبيرة مثل زمان أو أنواع الخضروات كثيرة أو طبق الأرز أكبر.. لكن «قلل من النذر وأوفى» كما يقال، وكل سنة الأسعار تزيد.. لكن الغريب إن عدد كراسى المائدة يزيد أكثر، ويفيض الخير لدرجة أننا نوزع المواد التموينية والخضروات واللحوم المتبقية بعد شهر رمضان على الأسر الفقيرة، كما نوزع عليهم بقية التبرعات لشراء ملابس العيد لأطفالهم.
أنهيت كلامى مع عم جميل – الذى يحمل فعلًا نصيبًا من اسمه – وظل يشغلنى السر وراء تلك الروح المصرية الفريدة التى تتميز بها شبرا وأهلها.
فالرجل صديق عمره كان جنديًا عنده فى الكتيبة خلال حرب 1973 اسمه عبد الله الألفى من المحلة.
وظلت صداقتهما نحو نصف قرن قبل أن يتوفى منذ أشهر.. وكانت عيناه تنهمران بالبكاء وهو يحكى لى عن تأثره برحيله، وعم جميل أوصى أولاده بأن تبقى هذه المائدة الرمضانية حتى بعد وفاته لتكون صدقة وعمل خير يتواصل حتى بعد غيابه، فهو يعتبر المائدة مثل الشجرة التى تكبر بمرور السنين.. صحيح هناك فروع ماتت ووقعت.. لكنها تتجدد بفروع من الشباب والأولاد الذين يتمسكون بالمائدة ليس فقط لأنها «عزومة أكل».. لكنها مظاهر تشعرهم بأصالة هذا الشعب.