الثلاثاء 17 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

حكاية وراء كل ولى من تمساح الدسوقى .. إلى أسد القنائى

عندما كلم الشاذلى الله على جبل زغوان؟!

مسجد الشاذلى بين جبل حميثرة
مسجد الشاذلى بين جبل حميثرة

الأضرحة هى أماكن يتردد عليها المصريون ويتبركون بها، وتنشأ فوق قبر أحد الصالحين، ليذهب بعدها الناس للتبرك بها، وهو ما يطلق عليه «أضرحة الرؤيا».



وفقا لإحصائيات رسمية، فقد وصل عدد الأضرحة، لمن يسموا أولياء الله الصالحين وآل البيت فى مصر، إلى 6 آلاف ضريح، يوجد منها فى القاهرة وحدها 294 ضريحا أشهرها «الحسين - السيدة زينب - السيدة  نفيسة» فيما تتوزع البقية على باقى المدن والمحافظات.

 

مسجد عبدالرحيم القنائى
مسجد عبدالرحيم القنائى

 

 

وتذكر الدكتورة سعاد ماهر فى كتابها «مساجد مصر وأولياؤها الصالحون» أن أقدم ضريح فى الإسلام أقيمت عليه قبة يرجع إلى القرن الثالث الهجرى، ويوجد فى مدينة سامراء بالعراق على الضفة الغربية لنهر دجلة إلى الجنوب من قصر العاشق.

وأصبح  توقير القبور والأضرحة لازمًا من لوازم الطرق الصوفية، بحيث لا يتصور أحد وجود طريقة صوفية من غير ضريح أو أكثر تبجله، فظهر ما يسمى بأضرحة «الرؤيا» فى العصور الوسطى، خصوصًا فى أوقات المحن والحروب، فإذا رأى ولى من أولياء الله الصالحين فى منامه رؤيا مؤداها أن يقيم مسجدا أو ضريحا لأحد من أهل البيت أو الولى المسمى فى الرؤيا فكان عليه أن يقيم الضريح أو المسجد باسمه».

ومن الحيل الرائجة لإقامة ضريح أو مشهد، نسج الكرامات حول الولى، أو حول المكان المزعوم بأنه مكان قبر ولى.

 

ضريح ومسجد إبراهيم الدسوقى
ضريح ومسجد إبراهيم الدسوقى

 

ويعتقد البعض أن الكثير من أولياء الله يحضرون لذويهم فى المنام؛ لحثهم على بناء مقامات لهم.

ويذهب بعضهم إلى أن مشاهد الرؤى تنقسم إلى مشاهد مؤكدة وأخرى غير مؤكدة، وأن من أبرز الرؤى المؤكدة هى قبور «الإمام الحسين» والسيدة نفيسة، والسيدة سكينة، والسيدة رقية والإمام الجعفرى.

أما الرؤى غير المؤكدة فمنها أضرحة السيدة زينب للاختلاف حول صاحبة الضريح، والإمام زين العابدين.

 خلافات المكان

يعتبر مقام سيدنا الحسين من أشهر المقامات الموجودة بمصر، وهو للإمام الحسين بن على ويوجد فى القاهرة القديمة، وتمت تسمية الحى على اسمه، وتم بناء مسجده فى عهد الفاطميين فى عام 549 هجرية والموافق 1154 ميلاديًا.

وتتداول الحكايات حول دفن رأس الحسين  بالقاهرة، فالبعض يؤيد الواقعة وغيرهم يرفضونها، حيث إضافة إلى مشهدى الحسين فى عسقلان بفلسطين والقاهرة هناك ضريح آخر فى سفح جبل الجوشن غربى حلب ينسب إلى رأس الحسين رضى الله عنه أيضا، وهو من أضرحة الرؤيا.

وكذلك توجد أربعة مواضع أخرى يقال إن بها رأس الحسين: فى دمشق، والحنانة  بين النجف والكوفة، وبالمدينة عند قبر أمّه فاطمة رضى الله عنها، وفى النجف بجوار القبر المنسوب إلى أبيه رضى الله عنه، وفى كربلاء، حيث تروج حكاية حول أنه أعيد إلى جسده هناك.

وليس بعيدًا عن مقام الحسين يوجد مقام السيدة نفيسة وهى ابنة الإمام الحسن الأنور بن زيد الأبلج ابن الإمام الحسن، ولدت فى مكة المكرمة عام 145 هجريا فى الحادى عشر من ربيع الأول، وأمها هى زينب بنت الحسن.

مسجدة السيدة زينب هو أحد أشهر المساجد الموجودة فى مصر، وينسب إلى السيدة زينب بنت على بن أبى طالب، وقد تم إطلاق اسمها على الحى الذى يوجد به الضريح والمسجد.

ورغم أن المحققين يقولون إن السيدة زينب بنت على «رضى الله عنهما» ماتت بالمدينة  ودفنت بالبقيع، فإن القبر المنسوب إليها والذى أقامه الشيعة فى دمشق هو «القبر الأول الذى يحظى بحج الجماهير إليه».

 

ضريح   السيدة زينب
ضريح السيدة زينب

 

ولا يقل عنه جماهيرية ذلك الضريح المنسوب إليها فى القاهرة والذى لم يكن له وجود ولا ذكر فى عصور التاريخ الإسلامى، إلى ما قبل محمد على باشا بسنوات معدودة، كما يذكر أحمد زكى باشا.

ويقول على مبارك فى الخطط التوفيقية: «لم أر فى كتب التاريخ أن السيدة زينب بنت على رضى الله عنهما جاءت إلى مصر فى الحياة أو بعد الممات».

ومن أضرحة الرؤيا: «مشهد السيدة رقية بنت الرسول بالقاهرة، أقامته زوجة الخليفة الفاطمى الآمر بأحكام الله، ومنها كذلك: «ضريح السيدة سكينة بنت الحسين بن على رضى الله عنهم».

 حكايات وقصص

عند الأضرحة ينتقل كل مريد ومحب لشيخ أو ولى ليصفه بالعديد من الأوصاف، والكثير من الكرامات والأفعال الخارقة، والكثير مما لا يمكن لبشر أن يدركها.

وتثير بعض الكرامات الدهشة بشكل كبير؛ لكنها تبقى كرامة لأولياء الله الصالحين، نقلها البعض عنهم وتعلق الناس بهم وبمساجدهم وبمقاماتهم والتى من أبرزها:

يقول محمد عثمان البرهانى فى كتابه «تبرئة الذمة فى نصح الأمة» عن السيد البدوى «دعا الله بثلاث دعوات، فأجاب الله دعوتين وأبطل الثالثة؛ دعا الله أن يشفعه فى كل من زار قبره، فأجاب الله ذلك، ودعا الله أن يكتب حجة وعمرة لكل من زار قبره، فأجاب الله ذلك، ودعا الله أنى دخله النار، فرد الطلب، فسألوا لماذا؟ فقال: لأنى لو دخلتها فتمرغت فيها تصير حشيشا أخضر، وحقّ على الله ألا يعذب بها الكافرين».

وينقل الرحالة ابن بطوطة عن كرامة أبى الحسن الشاذلى: «أخبرنى الشيخ ياقوت عن شيخه أبى العباس المرسى، أن أبا الحسن كان يحج فى كل سنة، ويجعل طريقه على صعيد مصر، ويجاور بمكة شهر رجب وما بعده، إلى انقضاء الحج، ويزور القبر الشريف، ويعود على الدرب الكبير إلى بلده، فلما كان فى بعض السنين، وهى آخر سنة خرج فيها، قال لخادمه:

استصحب فأسًا وقفة وحنوطا، وما يجهز به الميت، فقال له الخادم: ولِم ذا يا سيدى؟ فقال له: فى حميثرا سوف ترى».

وحميثرا فى صعيد مصر، فى صحراء عيذاب، وبها عين ماء زعاق، وهى كثيرة الضباع.

وأكمل ابن بطوطة «فلما بلغا حميثرا اغتسل الشيخ أبوالحسن، وصلى ركعتين، وقبضه الله عز وجل فى آخر سجدة من صلاته، ودفن هناك وقد زرت قبره مكتوباً عليه اسمه ونسبه متصلا بالحسن بن على رضى الله عنهما».

 

ضريح   السيد البدوى
ضريح السيد البدوى

 

وفى كتاب «درة الأسرار» للدكتور عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق، يحكى عن كرامات الشيخ الكثيرة ويحتفى به فى كتابه، مؤكدا أن «له من العلم الكثير»، ومن إحدى الكرامات التى ذكرها الشيخ فى كتابه أن الله كلمه على جبل زغوان، وهو الجبل الذى اعتكف الشاذلى على قمته، وتعبّد وتحنث.

ومن الكرامات المنسوبة للشيخ إبراهيم الدسوقى أن تمساح النيل، وكان منتشرا فى نهر النيل بمصر فى ذلك الوقت خطف صبيا من على شاطئ دسوق بمحافظة كفر الشيخ، فأتت أمه مذعورة إلى الدسوقى تستنجد به، فأرسل نقيبه فنادى بشاطئ النيل: «معشر التماسيح، من ابتلع صبيا فليعيده»، فطلع ومشى معه إلى الشيخ الدسوقى، فأمره يأن يلفظ الصبى فلفظه حيا فى وجود الناس، وقال للتمساح: «مت، فمات فى حينها».

وفى كرامة أخرى نسبت إليه، ذكر أن أحد تلامذته توجه إلى الإسكندرية لقضاء شيء من السوق لشيخه، فتشاجر أحد التجار مع الرجل، فاشتكاه التاجر إلى قاضى المدينة، وكان هذا القاضى ظالما يكره الأولياء، حسب الرواية، ولما علم أن خصم البائع من أتباع إبراهيم الدسوقى أمر بحبسه وإهانته، فأرسل التابع إلى الشيخ يستغيث به من ظلم القاضى، فكتب الشيخ الدسوقى رقعة وأعطاها لرجل من أتباعه، وأمر بتسليمها للقاضى، فلما وصلت إليه الرقعة جمع أصحابه وأخذ يستهزئ بحامل الورقة وبما فيها، حتى وصلت به الحال إلى سب الشيخ، ثم أخذ يقرأ الورقة على أصحابه، فلما قرأها قضى نحبه، إذ شهق فمات، وفى رواية أخرى، عندما وصلت إلى قول الشيخ: (إذا أوترن ثم رمين سهما) خرج سهم من الورقة فدخل فى صدره وخرج من ظهره فوقع ميتا».

 

بريشة: جنة علاء
بريشة: جنة علاء

 

 صاحب الأسرار

يحكى مريدو «المرسى أبوالعباس» وريث الطريقة الشاذلية من أبى الحسن الشاذلى أنه «كان لديه قدرة على معرفة ما يدور فى خاطر الرجل أمامه فيخبره به، وأنه يفكر فى كذا وكذا، ويقول أبوالعباس عن نفسه: (والله ما سار الأولياء والأبدال من قاف حتى يلقوا واحدا مثلنا، فإذا لقوه كان بغيتهم، ثم قال: وبالله لا إله إلا هو، ما من ولى لله كان أو كائن إلا وقد أطلعنى الله عليه وعلى اسمه ونسبه وكم حظه من الله».

وتحكى كتب مريدى سيدى عبدالرحيم القنائى أنه وذات يوم كانت هناك ساقية يدورها عِجل فأتى أسد وأكل العجل فقالوا للقنائى الأسد أكل العجل الذى تدور الساقية به وأتى عبدالرحيم القنائى بالأسد ووضعه مكان العجل لمدة ثلاثة أيام وكان يطعمه وأخذ لقب عبدالرحيم يا أسد وكانت هذه من ضمن كرامته.

وفى كتابه «كرامات الصوفية» يقول الشعرانى عن أبوالحجاج الأقصرى إنه «يجتمع بالخضر عليه السلام، وكان يطبخ طعام القمح كثيرا فقيل له وما فى ذلك فقال رضى الله عنه:

إن الخضر عليه السلام زارنى ليلة فقال: «اطبخ لى شوربة قمح، فلم أزل أحبها لمحبة الخضر عليه السلام لها».

 مقام الجمام

يتوافد الزائرون على مقام «على الجمام» قاضى قضاة البهنسا بمحافظة المنيا، وهى أرض يعتقد أهلها لا تأكل أجساد المدفونين تحتها، ليتبركوا بها وفيها، فهو مقصد للمقبلين على الزواج، وهناك تنتشر حكاية إنه حين حاولوا نقل جثته كان بجسده قطعة كبير من القطن، وعندما نزعوها فوجئوا بأن الدماء تسيل من جسد «على الجمام».

 

بريشة: خضر حسن
بريشة: خضر حسن

 

وفى البهنسا أيضا يوجد مقام سيدى «الحسن بن صالح» المنتهى نسبه إلى الحسين بن على بن أبى طالب الذى بنى بها مسجدا كبيرا، وقال المريدون إن من أتاها خاض فى الرحمة حتى يعود، ومن زارها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنه لا يزورها مهموم إلا فرَّج الله همه.

وفى مدينة المنيا هناك مقام سيدى أحمد الفولى، وضريح شهير آخر هو مقام سيدى على المصرى، وهذا المقام له قصة يتداولها الأهالى تقول إن أحد محافظى المنيا السابقين أصدر قرارا بإنشاء كوبرى جديد يتم معه ترحيل المقام من مكانه فتوقفت الحفارات والآلات تماما وبقى المقام فى مكانه.

 

ضريح السيدة رقية
ضريح السيدة رقية

 

وملوى الواقعة جنوب المنيا، من أكثر المدن التى بها مقامات وأضرحة وترتبط بروايات لأولياء الله الصالحين، ومن بينها أضرحة «العسقلانى بمسجد العسقلانى» والشيخ «أبوالسباع»، والشيخ «أبوالبقاء» بمسجد البيوسفى، والشيخ «عبدالرحيم» بالمسجد اليوسفى، وهو مقرئ المسجد مع الإمام أبوالبقاء، وكان شيخ القراء الحفظة الكبار، وضريح «الشيخ عبدالمهيمن أبوالحسن السبروت»، والشيخ «يحيى»  و«الشيخ أبونعيمة»، و«الشيخ علم الدين»، والشيخ «ناصر» بجوار مسجد الشيخ ناصر، «الشيخ الأربعين» و«الشيخ بخيت»، «الشيخ أبوالحجاج»، «الشيخ أحمد الشريف»، «الشيخة صفية، الشيخ عيسى، الشيخ أبوشبكة، الشيخ سالم، الشيخ أبوطاقية، الشيخ أحمد الشريف، الشيخ محمد الضوى وجميعها مرتبطة بمفهوم الرؤيا لدى الصوفية.

 

مولد السيد البدوى 1880
مولد السيد البدوى 1880