الثلاثاء 17 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الهروب من الحروب .. بمديح المصطفى

«لا تحكم على الطريقة التى يتواصل بها الناس مع الله، فلكل شخص صلاته الخاصة»… هذه واحدة من قواعد العشق التى صاغها أحد المحبين الكبار فى عالم التصوف، شمس الدين التبريزى، ونقلها عنه مولانا جلال الدين الرومى، وبقيت كلماتها المضيئة عنوانًا لكل العاشقين الهائمين فى سماء المحبة الإلهية، الباحثين عن صلاة محببة إلى القلوب، قريبة إلى السماء. 



ولعل الإنشاد الدينى بشكل عام، والصوفى على وجه الخصوص يمثل واحدة من تلك الصور التى تتعانق فيها الأحاسيس مع الجوارح، صوب السماء، فالكلمات والألحان الرقيقة تأخذك إلى عالم نورانى، يمنحك حالة من الصفاء الوجدانى التى بتنا نتشوق إليها وسط زحام الحياة، وهدير الأحداث، فالكل يبحث عن واحة هدوئه وسط الصخب، بعضنا يجدها، والبعض الآخر يظل حائرًا فى بحثه، تائهًا عن مقصده.

 

وصلة سماع
وصلة سماع

 

 

والحقيقة أن الإنشاد الدينى الذى يعيش حاليًا مرحلة من مراحل التجديد، واستعادة أمجاده القديمة، ليس فنًّا جديدًا فى حد ذاته، بل كان الإنشاد بشكل عام قرينًا ببحث الإنسان فى مختلف الحضارات والديانات عن الله، فالمصريون القدماء أنشدوا قصائد تمجيد الآلهة، وقدموا الموسيقى مع قرابينهم للحصول على رضا السماء، والمسيحية صاغت ترانيم لا تزال تتردد فى حياتنا إلى اليوم، تعلو بمستمعيها إلى عنان السماء، وتأخذه فى رحلة عبر الحجب.

لما كان القتال مستعرًا فى سوريا لم تجد فرق الإنشاد من يستمع إلى أهازيجها، فصوت القنابل والبراميل المتفجرة، لا يترك مجالًا لقصائد المديح، وكان من أول من اختار المجىء إلى مصر فرقتا الرضوان والإخوة أبو شعر للإنشاد الدينى، اللتان شدتا رحالهما من سوريا، وقصدتا مصر، وفى وقت قصير، ذاع صيت الفرقتين، وأصبح لهما جمهور يذهب وراءهما أينما حلتا وأنشدتا.

 

 

 

 

 

تكونت فرقة الرضوان عام 1980 فى دمشق وعُرف مؤسسها عبد القادر المرعشلى، بإنشاد القصائد باللهجة المصرية التى جذبت السوريين. فأنشد قصائد سيد النقشبندى ومحمد الطوخى وطه الفشنى، وهو ما ساهم فى ذيوع صيت الرضوان بعد إنشائها، ولعل ذلك أيضًا أحد أهم أسباب الانتشار السريع لتلك الفرقة فى مصر، فما تقدمه قريب إلى الذائقة المصرية، مثل الأغانى التى باتت تشتهر بها الفرقة «لأجل النبى» و«قمر سيدنا النبى» و«على باب النبى» و«أنت جاهى يا رسول الله».. فضلًا عن أن الفرقة تقدم كل الألوان الإنشادية، سواء المصرية أو المغربية أو التركية وغيرها.

كما باتت فرقة «الإخوة أبو شعر» تتمتع بحضور مميز فى مصر، وصار لها جمهور كبير يحرص على حضور حفلاتها وأمسياتها، وقد تأسست الفرقة فى سوريا أيضًا عام 1983، فى عائلة أبو شعر، التى تعد من عائلات دمشق العريقة، ويمتد نسبها إلى الحسين حفيد الرسول.

سميت الفرقة وقت تكوينها على يد الشيخ موفق أحمد أبو شعر، بـ«رابطة أبى أيوب الأنصارى»، نسبة إلى المسجد الذى كانوا ينشدون فيه فى منطقة الزاهرة بدمشق، إلا أنها عُرفت بعد ذلك بالإخوة أبو شعر، لأنها تضم 10 أعضاء من بينهم ستة أشقاء.

ولم تكن الفرقة غريبة عن مصر حتى قبل اندلاع الحرب فى سوريا، فهى تقدم حفلاتها مصر منذ عام 2000، لكنها قررت الاستقرار فى مصر عام 2012، وقد اختاروا مصر لأهميتها الكبيرة فى عالم الإنشاد الصوفى والروحى بالعالمين العربى والإسلامى، ولقربهم من الروح المصرية التى لم يجدوا معها غربة تحول دون اندماجهم واستمرار نجاحهم.

 

بريشة: جون مراد
بريشة: جون مراد

 

 

كما لم تقتصر الفرقة على إحياء تراث كبار المنشدين المصريين فقط، إنما أيضًا تعاقدت مع كتّاب من مصر يكتبون لها أناشيد أمثال بهاء الدين محمد، الذى كتب للفرقة عدة أناشيد ولحنها محمد النادى، وهو ما يكشف رغبة الفرقة فى تقديم أعمال تضمن لها البقاء على الساحة المصرية.

هذا الازدهار الكبير لم يقتصر فقط على الفرق السورية ذائعة الصيت فى هذا المجال، بل شجَّع كثيرًا من المصريين على السير على الدرب نفسه، بل وتطوير أساليب جديدة فى الإنشاد تنهل من الثراء الدينى والحضارى المصرى.

وتعد فرقة المولوية المصرية، التى تأسست على يد المنشد عامر التونى، من أجمل فرق الإنشاد الصوفى، حيث تقدم تراث المولوية من موشحات وابتهالات مع عرض أشكال الاحتفالات والطقوس الخاصة بكل طريقة من الطرق الصوفية فى مصر، كالطريقة الميرغنية والشاذلية والرفاعية والبيومية وغيرها من الطرق التى تستخدم القوالب الموسيقية الدينية المختلفة. 

 

الراحل عامر التونى
الراحل عامر التونى

 

 

 

كما تأسست فرقة «الحضرة» التى تحظى حفلاتها بحضور كبير، خصوصًا من فئة الشباب، وهى فرقة للإنشاد الصوفى الجماعى، تتكون من 11 عضوًا أكبرهم عمره 41 عامًا وأصغرهم 21عامًا، وتأسست الفرقة فى بدايات عام 2015، وينتمى أعضاؤها إلى مختلف الطرق الصوفية مثل «النقشبندية والخليلية والبرهانية»، وتستخدم الفرقة ثلاث معدات موسيقية فقط وهى «الناى والدف والعود»، ويصرّ أعضاء الفرقة على التمسك بوظائفهم الأولى حتى يبقى الإنشاد فى منطقة الهواية، فمنهم من يعمل بالتدريس، أو البنوك، بالإضافة إلى وجود أئمة بالأوقاف ضمن الفرقة، ومن أشهر أعمالهم حتى الآن قصائد «حلفت بسرك الأسمَى يميناً» للشيخ أحمد أبوخليل و«إنى جعلتك فى الفؤاد محدثى» لرابعة العدوية، و«المسك فاح» للشيخ صالح الجعفرى.

حكاية «أكابيلا»

  لمعت   من فرق الإنشاد الدينى المصرية فرقة «سماع»، التى شارك فى تأسيسها الفنان السرحى انتصار عبدالفتاح، رئيس ومؤسس مهرجان «سماع» الدولى للإنشاد والموسيقى الروحية، الذى بات مناسبة سنوية تلقى اهتمامًا جماهيريّا واسعًا.

وتقدم فرقة «سماع» أعمالًا تستطيع الوصول إلى المشاهدين بكل سهولة وصدق، حتى للجمهور الأجنبى الذى لا يعرف العربية، فالناس تشعر بالروحانيات والأحاسيس حتى دون معرفة المعانى، لذلك قد تدهش وأنت تتابع تجاوب الجمهور الأوروبى فى حفلات الفرقة، وهى تقدم روائع الإنشاد الصوفى مثل «بردة البوصيرى» و«نهج البردة» برؤية معاصرة. 

 

فرقة المرعشلى
فرقة المرعشلى

 

 

 

وبعد الاندماج الذى حدث بين فرقة «أكابيلا» للترانيم الكنائسية وفرقة «سماع» أصبح هدف الفرقة واحدًا وهو الحفاظ على تراث الإنشاد الدينى بشقيْهِ الإسلامى والمسيحى فى مصر، وهو لون بات يلقى تجاوبًا جماهيريّا واسعًا، مستعيدًا تلك الروح المصرية الشفافة والمتسامحة التى تجمع فى جذورها الجينات الحضارية المسيحية والإسلامية، فظهرت أيضًا فرق مثل فرقة «الكاروز» وهى تقدم رؤية جديدة للمزج بين الألحان القبطية والأشعار والأغانى الصوفية والمديح، ومنها تقديم أغنية «كيرياليسون» فى تناغم موسيقى ومزج بين صلاة كيرياليسون القبطية وأسماء الله الحسنى.

ولعل هذا الازدهار الذى بات يلقاه الإنشاد الدينى فى مصر، جعل انتصار عبدالفتاح، يعلن عن تأسيس أول مدرسة للإنشاد الصوفى، وهى مدرسة «سماع» بالتعاون مع المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى، برئاسة الأنبا أرميا، لتخريج أجيال من المنشدين والمبتهلين بدراسة منتظمة وشهادة معتمدة، الأمر الذى يؤكد أن العقل والوجدان المصرى قد بدأ رحلة استعادة رحابته وانفتاحه بعد عقود من الانغلاق، وإذا كان بشار بن برد يقول إن «الأذن تعشق قبل العين أحيانًا»، فإن انتعاش الإنشاد الدينى فى مصر ربما يردد أن «الأذن تعى قبل العقل أحيانًا».

 

الإخوة أبوشعر
الإخوة أبوشعر

 

 

 

الإنشاد فى المنبران

لم يكن الإسلام عند ظهوره بعيدًا عن عالم الإنشاد، رُغم أنف المتشددين والمتنطعين، الذين يريدون تعرية الإسلام من كل صور الجمال والرقة والاهتمام بالروح، ويحاولون تغليفه بمسحة بدوية صحراوية لا تهتم سوى بالجسد واحتياجاته، ولعل الرسول- صلى الله عليه وسلم- كان خير مثال على ذلك، فكان المصطفى يطرب لأشعار الحِكمة، ويعجب بغناء أهل المدينة له، بل عندما رأى أحد صحابته رؤية الأذان، وأخبر بها الرسول راجيًا أن يصدح بذلك الأذان من فوق مسجد رسول الله، اختار الرسول بلال بن رباح ليكون أول مؤذن فى الإسلام، وكان المبرر النبوى الرائع أن بلال «أندَى صوتًا»، أى أجمل وأحلى صوتًا، ومن نداوة الصوت فى الأذان بدأ فن الإنشاد الإسلامى، لينهل من روائع أشعار الحكمة والحب الإلهى عبر العصور.

وتطور فى العصر الأموى وأصبح فنًّا له أصوله، وضوابطه، وقوالبه، وإيقاعاته، وشجع عبدالملك بن مروان على ذلك، فقد كان محبّا لمجالس الإنشاد، مقربًا لفنانيها منه، ووصل فن الإنشاد ذروته فى عهد الفاطميين لاهتمام الدولة بالاحتفالات المجتمعية، فهم أول من أقاموا الاحتفال برأس السنة الهجرية وبليلة المولد النبوى الشريف وليلة أول رجب وليلة الإسراء والمعراج وليلة أول شعبان ونصفه وغرة رمضان ويوم الفطر ويوم النحر، وهم الذين قاموا بالاحتفال بمولد أمير المؤمنين على بن أبى طالب ومولد ولدَيْهِ الحسن والحسين والسيدة زينب ويوم شم النسيم ويوم الغطاس وخميس العهد مشاركة لأقباط مصر فى شعورهم الدينى، وكانت الأناشيد الدينية أساس هذه الاحتفالات.

ومع ازدهار الحركات الصوفية فى مصر، ازدهر فن الإنشاد، وباتت أصوات المنشدين قرينة بحضرات المتصوفة، ووسيلة للاقتراب من طبقات التجلى التى يسعى إليها أهل العشق الإلهى. وغلب على الإنشاد الدينى فى تلك الفترة شكل فرق تنشد فى مجالس مخصصة للذكر والتقرب من الله ومدح الرسول وآل البيت. ومن هنا ظهرت طوائف المتصوفة والدراويش وأصبح لكل فئة منشدوها وحواريوها، فقد ابتدع الدراويش لأنفسهم طريقة جديدة فى التعبير والتقرب إلى الله، وهى مجالس الأذكار التى راح العامة من الناس يجتمعون لها، يرقصون ويطربون ويأكلون، وقد أدرك الدراويش أهمية الجانب الوجدانى فأكدوا على مبدأ التأثير بالموسيقى، وأدخلوها ضمن شعائرهم.

كما عرفت مصر على مدى تاريخها القديم والمعاصر أسماء خالدة من المنشدين والمبتهلين، بل ربما كانت البداية الحقيقية لرموز الموسيقى والغناء العربى مثل أم كلثوم والشيخ سلامة حجازى والشيخ أبو العلا محمد وغيرهم تنطلق من محطة الإنشاد الدينى، وقد بلغت المدرسة المصرية فى الإنشاد الدينى ذروتها مع الشيخ سيد النقشبندى «أستاذ المداحين»، أو «الكروان» كما يلقبه كثيرون واللافت أن الإنشاد الدينى بشكل عام والصوفى على وجه الخصوص كان أحد أهم المجالات التى ترتبط بانفتاح الفكر الدينى أو انغلاقه، فهو ينتعش مع موجات الإصلاح والتحرر من أفكار ضيقى الأفق، ويعانى عندما تنتشر أفكار التحريم واختزال الدين فى مذهب أو فكر بعينه، ولعل أحد أهم أسباب انتعاش الإنشاد الدينى والصوفى فى السنوات الأخيرة هى تلك الرغبة الجارفة فى الارتواء الروحى بعد سنوات من انتشار موجات التسلف السياسى والدينى، سواء بموجاته الإخوانية، أو موجة السلفية الوهابية منذ سبعينيات القرن الماضى، وصولًا إلى السلفية الجهادية، وهو ما مثل عنصر ضغط هائلًا على الإنشاد الدينى الذى لم ينجُ من دائرة التحريم، والحرب الشعواء التى يشنها السلفيون باختلاف توجهاتهم على الصوفية بكل صورها وتجلياتها.