الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أيام فهمى عبدالحميد من العباسية إلى أيقونة رمضان

ما تيسَّر من سيرة ساحر «الفوازير»

طوبى لصانعى البهجة، فإنهم يسكنون قلوب الناس ولا يغادرونها. بهذه الحكمة عاش فهمى عبد الحميد مسيرته كاملة، وما آمن به تحقق عبر صورة صنعت الفرح، وخيال فتح نوافذ الحلم، وأعمال بقيت حاضرة فى ذاكرة أجيال متعاقبة. لم يسع إلى المجد من بوابته السهلة، فاختار طريق الإبداع اليومى، والعمل الصبور، والإيمان بأن الفن رسالة قادرة على تهذيب الروح قبل إبهار العين. إنه المخرج الذى استطاع عبر الفوازير الرمضانية أن يحوّل التليفزيون من نوافذ مكررة تنقل الأخبار والعروض البسيطة، إلى لوحة بصرية تتربّع فى ذاكرة الملايين.



مع يحيى الفخرانى
مع يحيى الفخرانى

 

فهمى عبدالحميد ذلك الاسم الذى تحوّل إلى رمز للفن الاستعراضى والتليفزيونى فى مصر والعالم العربى، وأصبح أيقونة رمضانية نتذكر أعماله دائمًا فى الشهر الفضيل. وُلد فى حى العباسية بالقاهرة فى الأول من فبراير عام 1939. جاءت نشأته محمّلة بالتحديات منذ اللحظة الأولى، فقد رحل والده وهو فى الرابعة من عمره، فانتقلت رعايته كاملة إلى والدته داخل منزل العائلة بالقناطر الخيرية، حيث تشكّلت ملامح شخصية مبكرة تعرف معنى الاحتمال وقيمة الالتزام. تلك التجربة الأولى كانت مدرسة حياة مفتوحة، صقلت داخله حس المسئولية والإصرار، وصنعت شابًا واعيًا بأهمية الدقة والانضباط فى تفاصيل اليوم والعمل. 

 

 

 

التحاقه بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة مثّل منعطفًا حاسمًا، وتخرّجه عام 1963 من قسم الحفر شكّل حجر الأساس لرؤيته البصرية والإخراجية. دراسة فن الحفر منحته قدرة خاصة على التعامل مع المساحات والخطوط والتكوينات، وأكسبته عينًا فنية ترى الصورة قبل اكتمالها، وتفكك المشهد إلى عناصره الأولى.

بعد تخرجه، انضم إلى التليفزيون المصرى عام 1964، وبدأت رحلته المهنية من بوابة قسم الرسوم المتحركة، ذلك القسم الذى كان يمثل آنذاك طليعة التجريب والابتكار التقنى داخل الشاشة المصرية. فتعلّم على أيدى رواد هذا الفن فى مصر، وفى مقدمتهم المخرج على مهيب، فدخل عالم التحريك لا كمجرد تقنية، وإنما كلغة بصرية كاملة لها قواعدها، ثم تولّى تصميم تترات عدد من الأعمال الفنية، من بينها فيلم «الخط الأبيض» (الذى أخرجه الأخوان حسام وعلى مهيب) وحاز تقدير النقاد والجمهور والجائزة الذهبية لمهرجان التليفزيون العربى عام 1965، إلى جانب أعمال مثل «وليد ورندا فى الفضاء» ومسلسل «جحا» بطولة عبد المنعم مدبولى. منحته هذه التجارب مساحة مبكرة لاختبار المزج بين الخدع البصرية والتحريك، ورسّخت لديه يقينًا بأن الصورة قادرة على تجاوز حدودها التقليدية، ممهدة الطريق أمام التحوّل الكبير الذى صنعه فى فوازير السبعينات القرن الماضى.

 

مع هالة فؤاد والفخرانى
مع هالة فؤاد والفخرانى

 

عام 1974 شكّل نقطة تحوّل حاسمة فى مسيرته، مع انطلاقه إلى إخراج فوازير رمضان التليفزيونية، واختياره الفنانة نيللى لتقديم العمل الأول بعنوان «صورة وفزورة». جاءت هذه التجربة بوصفها رؤية فنية مكتملة العناصر، حيث التقت الموسيقى بالغناء، وتجاور الرقص الاستعراضى مع التمثيل، وتقدّمت الخدع البصرية لتصنع عالمًا فنيًا متكاملًا على الشاشة.

 

أبريق الشاى
أبريق الشاى

 

أسلوب فهمى عبدالحميد فى الفوازير اعتمد على إيقاع متدفق يحافظ على يقظة المشاهد، وتنويع بصرى قائم على حركة الديكورات وتبدّل الأزياء واستخدام الخدع البسيطة ذات الأثر العميق، مع عناية واضحة بإبراز الأداء الاستعراضى للنجمة المحورية. فصنع حالة مشاهدة يومية ترتكز على الدهشة والمتعة والانتظار، وتتابعت الأعمال بعد ذلك فى مسار تصاعدى مع فوازير «صورة وفزورتين» ثم «صورة وثلاث فوازير» ثم «أنا وأنت فزورة»، لتؤسس جميعها نمطًا جديدًا من الترفيه الرمضانى،  وتكرّس نيللى أيقونة حقيقية للشاشة الصغيرة. خلف كل مشهد كانت تختبئ تفاصيل محسوبة واهتمام فنى استثنائى،  تُبنى الزوايا وتُختار الكادرات وتُضبط الإضاءة بعين فنان تشكيلى يرى الصورة لوحة حيّة تنبض بالحركة.

مرحلة جاهين

التعاون مع الشاعر الكبير صلاح جاهين أضاف بعدًا شعريًا وجماليًا للفوازير، التقت الرؤية الإخراجية بفطرة الشعر الشعبى،  فخرجا معًا بأعمال كـ«عروستى» و«الخاطبة». وتعمّق الارتباط بالجمهور عبر لغة قريبة من القلب، بسيطة فى ظاهرها، واسعة الدلالة فى معناها، فصارت الكلمات والأغانى جزءًا من الذاكرة اليومية للمشاهد، تحمل روح الشارع ودفء الحكاية.

خلال تلك المرحلة، انغمس عبد الحميد فى تفاصيل كل حلقة انغماسًا كاملًا، من اختيار الديكور إلى بناء الموسيقى التصويرية، من نوع الكاميرات إلى حركة الممثلين داخل الكادر. كل عنصر كان يُفكَّر فيه باعتباره جزءًا من نسيج واحد، تجربة متكاملة تتجاوز فكرة العرض الفنى إلى مساحة أوسع. فتحولت الفوازير إلى حالة تعليمية غير مباشرة، تعلّم فيها الأطفال والكبار معنى الفن الاستعراضى، وتفتح أمامهم أبواب التمثيل والموسيقى والخيال.

 

 

 

بعد سبع سنوات من النجاح المتواصل، تبلورت لديه قناعة بضرورة ضخ روح جديدة فى عالم الفوازير، فجاءت فكرة ابتكار شخصية فطوطة بالتعاون مع المؤلف عبد الرحمن شوقى والفنان سمير غانم خلال الفترة من 1982 إلى 1984. فطوطة ظهرت كتجربة فنية وتقنية غير مسبوقة، شخصية تتجاوز الكوميديا التقليدية إلى لوحة بصرية متكاملة. جسّدها سمير غانم فى شكلها الغريب، وظهر فى مشاهد أخرى بشخصيته الطبيعية، فصنعت هذه الازدواجية مفارقة كوميدية ذكية.

اعتماده على الكروما (الشاشة الخضراء) والخدع البصرية والمنظور القسرى والتحريك اليدوى والرسوم المتحركة التقليدية شكّل ثورة حقيقية فى لغة الصورة التليفزيونية. فتحولت فوازير فطوطة إلى مدرسة قائمة بذاتها فى الخدع البصرية، وقدّمت درسًا واضحًا مفاده أن الإبداع ينبع من الخيال قبل الإمكانيات.

خلف الكواليس، وُلدت حكايات تعكس هذا الشغف بالتفاصيل، من شراء شنطتين لاستخدامهما حذاءً مضحكًا ولافتاً لفطوطة، إلى ساعات طويلة من التدريب مع سمير غانم لإتقان حركة الجسد الخاصة بالشخصية. تفاصيل صغيرة كشفت عن مخرج يرى العمل فى أدق جزئياته، ويؤمن أن السحر الحقيقى يكمن فى العناية بما قد يراه الآخرون هامشيًا.

بعد نجاح فطوطة، عاد إلى الفوازير الاستعراضية بروح ملحمية واضحة، فقدم «ألف ليلة وليلة» مع شريهان خلال الفترة من 1985 إلى 1987. فى هذه المرحلة، انتقلت الفوازير من كونها لوحات خفيفة إلى دراما استعراضية كاملة البناء، تعتمد على الحكايات التراثية الإذاعية التى كتبها الشاعر طاهر أبو فاشا، وأعاد صياغتها شعريًا وفنيًا داخل الحلقات الشاعر عبد السلام أمين، فخرجت فى شكل سردى متماسك يحمل روح الأسطورة.

الإبهار البصرى صار السمة الغالبة لهذه التجربة، مع ديكورات واسعة، وأزياء فخمة، وتصوير أقرب إلى اللغة السينمائية بتعدد الكادرات والزوايا. تحولت فوازير شريهان إلى ملحمة بصرية حقيقية، ظهرت فى أعمال مثل «عروس البحور» و«وردشان» و«ماندو»، حيث صار رمضان موعدًا منتظرًا، وصارت كل حلقة حديث البيوت والشوارع. هذه الأعمال ارتبطت فى وجدان المشاهدين بذكريات الطفولة والشباب، وفى أواخر الثمانينات، واصل مغامرته الإخراجية مع فوازير 1988 التى جمعت يحيى الفخرانى وصابرين وهالة فؤاد، بالتعاون مع الكاتب الساخر يوسف عوف، قُدمت الفوازير للمرة الأولى فى إطار كوميدى قائم على المواقف والشخصيات. تلتها فوازير 1989 بانضمام ليلى علوى،  لتتسع التجربة وتتنوع فى أشكالها وأصواتها، مع استمرار عبدالسلام أمين فى  كتابتها.

امتدت عبقرية فهمى عبد الحميد إلى مساحة أوسع شملت أغانى الأطفال والدراما التليفزيونية والأغنية الوطنية. وأخرج عددًا من أغانى الأطفال التى رسخت فى وجدان الأجيال، من بينها «إبريق الشاى»، كما أشرف على الرسوم المتحركة المصاحبة لأغانى عفاف راضى وليلى نظمى ولبلبة وإيمان الطوخى، مقدمًا نموذجًا فنيًا قادرًا على مخاطبة مختلف الأعمار بذائقة راقية.

تجارب متنوعة

فى التليفزيون، قدّم برامج تركت أثرًا واضحًا، من بينها برنامج «كشكول» الذى أعده صلاح جاهين وقدّمته سلمى الشماع، وظهرت خلاله شخصية كرتونية محبوبة حملت اسم «سكر» وأداها إبراهيم نصر، فى تجربة جمعت بين التثقيف والمرح والابتكار البصرى.

على مستوى الدراما، أخرج مسلسل «مبروك جالك ولد» من تأليف لينين الرملى وبطولة نيللى ومحمود عبد العزيز، كاشفًا عن قدرة إخراجية تتعامل مع النص الدرامى بنفس الحس الدقيق الذى تعامل به مع الاستعراض.

وفى الأغنية الوطنية، ترك بصمته عبر أعمال خالدة مثل «على ضفافك يا نيل» بصوت وردة و«يوم الهنا» بصوت نجاة الصغيرة، فى مسار يعكس اتساع رؤيته الفنية وشمولية مشروعه الإبداعى.

أسلوبه الإخراجى كان حجر الزاوية فى تميزه، قائمًا على دقة متناهية وعناية صارمة بأدق التفاصيل، من الإضاءة إلى الديكور، ومن تكوين الكادرات إلى حركة الكاميرا داخل المشهد. هذه السمات ارتبطت بخلفيته فى الفنون التشكيلية، حيث تُبنى الصورة بوصفها لوحة متكاملة العناصر. صبره الطويل ومهارته العالية فى تنفيذ الخدع البصرية، فى زمن سابق على الحوسبة الرقمية.

رغم وهج الشهرة وإشعاع الشاشة، احتفظ فهمى عبدالحميد بعالم خاص يعكس هدوءه الداخلى. تزوج فى فترة مبكرة من حياته، وأنجب أبناءه الثلاثة، وائل، محمد، ولمياء. وائل أخذ طريقه فى عالم التليفزيون كمخرج، متأثرًا برؤية والده. 

أما محمد فمشى فى خطواته الخاصة، حاملاً حب الفن والإبداع. ولمياء ظهرت فى الإعلام كمذيعة شهيرة.

رحيله جاء صادمًا وقاسيًا، توفى فى السابع عشر من يناير عام 1990 إثر أزمة قلبية مفاجئة أثناء تصوير حلقات فوازير «ألف ليلة وليلة» من بطولة مدحت صالح ورغدة ومنى عبد الغنى،  تاركًا خلفه إرثًا فنيًا واسع التأثير.