أسرار من حياة نجوم «العارفين» الحلقة الأولى
حكايات يرويها: محمد أبوالدهب
لمعت فى سماء الصوفيّة نجوم، استرشد بنورها طلبة العلم فى كل زمان ومكان، واهتدى بها المريدون.
فقهاءٌ، وشعراءٌ، وفلاسفةٌ تجمّعوا تحت عباءة الزُّهد مع اختلاف مذاهبهم، وآرائهم، وقطعوا العلائق مع الدنيا، جاعلين متاعها خلف ظهورهم، معتصمين بحبلٍ من النور الإلهى، واستقاموا على الطريقة، فأسقاهم الله ماءً غدقًا، وساندهم بمَدَدٍ من عنده، فلُقبوا بأولياء الله فى أرضه.
هم أقطاب الفِكر الصوفى، الذى خلّد التاريخ ذكراهم.
أول هؤلاء النجوم الحلاج الذى اتُهم بالكفر والزندقة واقتيد من محبسه، سائرًا فى خطوات واثقة مقيدًا بالقيود، إلى الصليب المنصوب بباب خراسان، لتنفيذ الحُكم بقتله.
النهاية أخرجها الوزير حامد بن العباس، تنفيذًا لأوامر الخليفة العبّاسى المقتدر بالله، الذى وضع الفصل الأخير فى «مأساة الحلّاج».
والحلّاج هو الحسين بن منصور بن محمى، وكنيته «أبوالمغيث».
عاش شاعرًا ومات فيلسوفًا.
وهو الصوفى الأكثر إثارةً للجدل فى التاريخ الإسلامى، وأحد أهَمِّ الأقطاب الذين اصطدموا بالسُّلطة الحاكمة وقت الخلافة العبّاسية بالقرن الثالث الهجرى.
وُلِدَ عام 244 هجرية، بقرية تابعة لبلدة البيضاء الفارسية، وقيل فى واسط بالعراق، ونُسب إليه أنه غيّر مفهوم التصوّف، فبات عنده جهادًا فى سبيل إظهار الحق، ومجابهة الظلم سواء داخل النفْس الإنسانية أو المجتمع الذى يعيش فيه، وليس فقط مجرد زُهد وانعزال فى سبيل التقرّب للخالق، والتعبُّد لله، فمثّل التصوّف عنده علاقة بين ثلاثة أطراف هى الخالق والنفْس والمجتمع.
ويقال إن الحلاج قد اعتقد فى مفهوم «الحلول والاتحاد»، رُغم أن أغلب أقطاب الصوفية كعبدالقادر الجيلانى نفوا ذلك.

لذلك كفره بعضهم ورموه بالزندقة وعلى رأسهم ابن تيمية، ولم ترض أفكاره الفقيه محمد بن داود، قاضى بغداد حينها، وطالب بمحاكمته، فألقى القبض على «الحلّاج» بأمر «المقتدر»، وأحيل إلى المحاكمة، وفى 24 من ذى القعدة سنة 309هـ، نُفذّ فيه حُكم الخليفة بصلبه، وضرب عنقه.
حكايات أخرى
هو أبوالفيض ثوبان بن إبراهيم، المُلّقب بـ«ذوالنون المصرى» هو أحد أشهر الفقهاء والمتصوّفة فى بدايات القرن الثالث الهجرى، ليس فقط فى مصر، بل فى العالم الإسلامى.
وُلِدَ فى أخميم بصعيد مصر سنة 179هـ، ويعود أصله إلى إحدى القبائل العربية، التى توطّنت النوبة بعد الفتح الإسلامى لمصر، وقيل إنه من ضمن العلماء العرب الذين سبقوا شامبليون فى فك رموز الأبجدية الهيروغليفية.
وذُكر اسم ثوبان فى الرسالة القيشرية من بين الأوائل فى تعاليم الصوفية، فقالت عنه: «أول من عرّف التوحيد بالمعنى الصوفى، وأول من وضع تعريفات للوجد والسماع والمقامات والأحوال»، فوضع العديد من قواعد الصوفيّة، وكان سببًا فى بلورتها، وانتشارها، فعُرف بالورع، والتقوى، وعِلمه الجَمّ، فروَى الحديث عن مالك بن أنس، والليث بن سعد، ووضع كتابه الأشهر «حل الرموز وبرء الأرقام فى كشف أصول اللغات والأقلام»، رُغم ذلك فإن بعض معاصريه رموه بالزندقة، لكنهم فشلوا فى الإيقاع بينه وبين الخليفة المتوكل.
وتوفى ثوبان فى الجيزة سنة 245هـ.
أما أبوالقاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريرى فهو من أوائل المتعلّقين بالتصوّف فى بدايات ظهوره بالقرن الثالث الهجرى، وهو أحد علماء أهل السُّنة والجماعة، تعلّم أصول الفقه على يد خاله سرى السقطى ببغداد، فكان من أوائل علماء الصوفيّة.
ورُغم مكانة الجنيد، التى جعلت التابعين له من مشاهير الصوفية يأخذون عنه، فإنه لم يحظ بشهرة توازى تلك المكانة مقارنة بغيره من أعلام تصوّف آخرين وهو الأمر الذى دفع بعض المحققين إلى جمع ما استطاعوا من مخطوطات تُمثّل موروث تعاليم الجنيد، وآراءه، وأقواله المنقولة عنه من معاصريه، والتابعين له، وتضمينها فى كتاب واحد عام 2005 تحت عنوان «رسائل الجنيد».
وتُعَدّ «الرسالة القشيرية» لمؤلفها القطب الصوفى الشيخ العالم عبدالكريم بن هوازن المُكنّى بأبى القاسم القشيرى، أحد أشهر مراجع الصوفيّة، التى تتلمذ عليها العديد من المتصوّفة بعد القرن الرابع الهجرى.
وفى القرن الخامس الهجرى برز اسم أبى حامد الغزّالى، صاحب الكتاب الشهير «إحياء علوم الدين»، وهو أحد أهم المراجع فى علوم التصوّف، والأخلاق.
والغزالى، هو فقيه عصره، وأحد أشهر الرموز فى تاريخ الفلسفة الإسلامية، كما أنه أحد مؤسسى عِلم الكلام عند الأشاعرة، وكان متصوّفًا سُنيّا شافعى المذهب، وأحد أبرز علمائهم، ووجد فى الصوفيّة ملجأ له من غرور الدنيا. وُلِدَ الغزالى فى طوس «مدينة مشهد الإيرانية حاليًا»، ثم انتقل إلى نياسبور قبل أن يرتحل إلى بغداد، ويعمل مُدرّسًا بالمدرسة النظامية فى عهد الدولة العباسية بدعوة من الوزير السلجوقى نظام الملك.

فى بغداد لمع نجم الغزالى، وذاع صيته، لكنه بعد سنوات، قرر الارتحال من بغداد، والتنقّل بين البلاد رغبة فى التصوّف، فلجأ إلى الزهد، والاعتزال عن عموم الناس.
وفى تلك الفترة التى دامت نحو 11 عامًا وضع كتابه الشهير «إحياء علوم الدين»، ثم عاد إلى مسقط رأسه طوس، وخصص لنفسه مجلسًا للعِلم، ومِحرابًا للتعبّد والخلوة.
واعتمد خلفاء العباسيين آنذاك على الغزالى ومنهجه للتصدى لنفوذ فكر الباطنية الإسماعيلية المتزايد.
فقاد الغزالى معركة فكرية لتفنيد معتقداتهم، وأفكارهم عَبْرَ مجالس العِلم، والتدريس بالمدرسة النظامية على أسس المذهب الشافعى فى الفقه، والأشعرى فى العقيدة، وألف عددا من الكتب على رأسها «فضائح الباطنية»، و«حُجّة الحق»، و«قواصم الباطنية».
كشف الغزالى فى مؤلفاته عن بواطن شخصيته، وما كان عليه فى مراحل تكوينه الفكرى من صراع داخلى، وشكوك حول العديد من المسائل العلمية، وتحيّره من تعاليم الفِرَق، والمدارس الفكرية المختلفة فى عصره.
لذا كرّس حياته للتزوّد بالعلم، وعدم الاكتفاء بنشأته على أصول المذهب الشافعى السُنّى، فخصص كل وقته مُجتهدًا لدراسة تعاليم وأفكار كل طريقة وفِرقة، وأنواع العلوم الغريبة عنه، فدرسها حتى أتقنها، وأعد فيها مؤلفات لتوضيحها، وتصنيفها لغيره.
وفى رحلته، بدأ الغزالى بدراسة عِلم الكلام حتى أتقنه، رغم أنه كان كارهًا له، ثم درس الفلسفة، وانتهى بنقدها، وتعمّق فى أفكار الباطنية وبعض مذاهب الشيعة فهاجمهم هجومًا ضاريًا، ثم لجأ إلى تعاليم الصوفيّة فلازم الشيخ الفضل بن محمد الفارمذى، وأخذ عنه التصوّف والخلوة.
وقال عن التصوف فى «إحياء علوم الدين»: «وانكشفت لى فى أثناء هذه الخُلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذى أذكره لينتفع به أنى علمتُ يقينًا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، خاصة أن سيرتهم أحسن السِّيَر، وطريقهم أصوب الطرُق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق».
ورُغم تصنيف الغزالى ضمن الفلاسفة المسلمين، فإنه كان كارهًا لها، وهاجم فلاسفة عصره هجومًا ضاريا وصل إلى حَدِّ تكفير بعضهم مثل الفارابى، وابن سينا، فقال فى كتابه المنقذ من الضلال: «فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابى، وأمثالهما».
وأعد كتابًا آخرَ تحت عنوان «تهافت الفلاسفة» خصصه للهجوم على الفلاسفة، نقده الفيلسوف ابن رشد بعد ذلك بكتابه «تهافت التهافت».