الثلاثاء 17 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

يوميات متطوع فى «دخلة» رمضان

«سباق خير» فى جمعيات العمل الأهلى بالشهر الكريم



 

من داخل أحد مخازن جمعيات العمل الأهلى التنموى، يبدأ اليوم فى العاشرة صباحًا بخطوات متسارعة وضحكات متداخلة، ووجوه تحمل رغبة واحدة، وهى تعبئة كراتين السلع الغذائية لتصل إلى مستحقيها.

يتوافد المتطوعون فى مجموعات متتابعة، من طلاب جامعات، وموظفى شركات وممثلى كيانات مختلفة، ضمن شراكات مجتمعية تمتد من الصباح وحتى السادسة مساء، 4 ورديات متتالية تتسلم المهام واحدة تلو الأخرى، فى تنظيم محكم يضمن استمرار وتيرة العمل دون انقطاع.

 

يقف المتطوعون فى صفوف منظمة، تتصادم فيها عشرات الأيادى فى حركة متزامنة، بين تعبئة السلع وتغليف الكراتين، مع مراجعة دقيقة لكافة التفاصيل، ويقاس الوقت هنا بعدد الأسر التى تنتظر وليس الدقائق، فى سباق متواصل لتجهيز آلاف الطرود الغذائية، قبل حلول الشهر الكريم وخلاله.

تتحول المخازن فى تلك الأيام إلى خلية نحل، حيث تتكاتف جهود المتطوعين لتجهيز الكراتين، استعدادًا لتوزيعها على الأسر الأكثر احتياجًا فى مختلف المحافظات، وتشارك فرق المتطوعين من مختلف الفئات العمرية، ضمن خطة واضحة لتسريع العمل وضمان دقة التعبئة، مع التركيز على تلبية احتياجات الأسر الأولى بالرعاية، مثل كبار السن والأرامل وأصحاب الأمراض المزمنة والعمالة غير المنتظمة.

ترصد مجلة «صباح الخير»، عمل هذه الخلية قبل وأثناء تجهيز الكراتين، وسباق الخير الذى يحمل فرحة عارمة بعد الانتهاء، وقضاء عدد من الساعات فى العمل المتواصل.

خلية عطاء

قبل دخول المخزن، يتجمع المتطوعون حول أحد مسئولى المؤسسة، حيث يقدم شرحًا دقيقًا وتعليمات واضحة، ويحدد خط السير بحيث لا يترك مجالاً للاجتهاد الفردى أو العشوائية، يشرح للجميع طبيعة المهام، وأنواع السلع، ودور كل فرد فى العملية.

داخل المخزن، لا يقتصر دور المشرفين على التوجيه فحسب، بل يشاركون بأيديهم فى العمل، يقفون جنبًا إلى جنب مع المتطوعين، يراقبون التفاصيل ويتدخلون عند الحاجة، لضمان سير العملية بانضباط كامل.

 

 

 

يتحرك المتطوعون فى صفين متوازيين أمام سيور متحركة، تمر الكراتين أمامهم واحدة تلو الأخرى، ويضيف كل متطوع عنصرًا محددًا بالترتيب حتى تكتمل الكرتونة تدريجيًا وتصل إلى وزن يقارب 12 كيلو جرامًا، ثم توزن، وتغلق بإحكام باستخدام الشرائط اللاصقة، قبل نقلها إلى عربات داخلية تمهيدًا لتحميلها على سيارات التوزيع.

كل خطوة محسوبة، وكل حركة مراقبة، وكل ثانية لها قيمتها، حيث تتابع فرق الإشراف العملية لحظة بلحظة، من صلاحية السلع، وسلامة التغليف، وجودة الأكياس، والوزن النهائى، وإحكام الإغلاق، وفى حال وجود أى ملاحظة، يتم التدخل فورًا لتصحيحها دون تعطيل سير العمل.

ووسط هذا النظام الصارم، لا يغيب الإحساس الإنسانى، كما تعلو الأصوات بالحماس، ويتبادل المتطوعون عبارات التشجيع، ومع كل إنجاز جديد تتصاعد الهتافات والضحكات، يقفون لساعات متواصلة على أقدامهم، يتحركون بدقة وسرعة، وفى اللحظات الأخيرة يزداد الإيقاع وكأن الجميع فى سباق مع الزمن لصالح الآخرين.

فرحة الإنجاز

مع انتهاء الوقت المخصص بساعتين، يكون الفريق قد أنجز ما بين 250 إلى 300 كرتونة فى المتوسط، وقد يصل العدد أحيانًا إلى نحو 500 كرتونة أو أكثر فى الدورة الواحدة، وفى حال تحقق الهدف قبل الموعد، لا يتوقف العمل، بل يبدأ الاستعداد لجولة جديدة.

تنتهى الوردية، لكن الحكاية لا تنتهى، حيث يخرج المتطوعون تاركين خلفهم صفوفًا من الكراتين الجاهزة للسفر، محملة بالغذاء ومشحونة بالنية الطيبة، شاهدة على التزامهم، ودقتهم، وحبهم للخير الذى يزداد كل عام.

منذ ما يقرب من 10 سنوات، يحرص أحمد محمد، مشرف الموارد البشرية بإحدى الشركات الخاصة، على المشاركة السنوية فى تعبئة كراتين رمضان بمؤسسة مصر الخير، قائلًا إن التطوع أصبح جزءًا أصيلًا من مسيرته الشخصية والمهنية منذ عام 2014.

وأكد أحمد، أن شركته تشجع موظفيها على العمل التطوعى، وتشارك سنويًا فى هذا الحدث باعتباره مسئولية مجتمعية لا يمكن تجاهلها، وأوضح أن موسم تعبئة كراتين رمضان يمثل بالنسبة له موعدًا ثابتًا لا يتخلف عنه.

وعن طبيعة يومه داخل المخزن، أشار إلى أن العمل يبدأ بتقسيم المتطوعين لفرق منظمة، يتولى كل فرد فيها مسئولية بند محدد داخل الكرتونة، مع الالتزام الدقيق بالكميات المطلوبة.

وتابع، بعد مراجعة المحتويات، توزن الكرتونة، ثم تغلق وتجهز للتوزيع، لتصل فى النهاية إلى الأسرة المستحقة. وقال إن أكبر التحديات التى تواجه المتطوعين، تتمثل فى ضمان اكتمال محتويات الكرتونة دون أى نقص، مشيرًا إلى أن أى خلل بسيط قد يؤثر بشكل مباشر على الأسرة المنتظرة للدعم.

وأوضح أحمد، أن العمل يتم وفق أهداف يومية واضحة، قائلًا، تتكون مجموعتنا من 50 فردًا، ونكلف بخطي سير، ونحرص على إنجاز أكبر عدد ممكن من الكراتين، وغالبًا ما نلتزم بمستهدف يصل إلى 500 كرتونة خلال ساعة ونصف، اعتمادًا على التنظيم وتقسيم الأدوار.

وأضاف، أن نظام الورديات، الذى يتضمن تناوب الفرق خلال فترات تتراوح بين ساعة ونصف إلى ساعتين، يسهم فى الحفاظ على جودة العمل دون إرهاق.

وحول دوافعه للاستمرار فى التطوع، أشار أحمد إلى أن وصول كراتين رمضان للفئات الأكثر احتياجًا، يمنحه شعورًا عميقًا بالمسئولية والرضا، ويمثل هذا العمل له قيمة إنسانية لا يمكن التفريط فيها.

كما يوجه رسالة إلى الشباب، داعيًا إياهم لخوض تجربة التطوع، معتبرًا أنها قادرة على تغيير نظرة الإنسان إلى ذاته ومجتمعه، ويختصر فلسفته فى جملة واحدة «كل ما يستطيع الإنسان تقديمه من جهد أو مال، ينبغى أن يضعه فى طريق الخير».

 

 

 

رسالة إنسانية

تعمل جيرمين، فى مجال العلاقات العامة بمنصة مصر للتعليم، وتحرص منذ 4 سنوات على المشاركة المنتظمة فى الأنشطة التطوعية، خاصة تلك التى تنظمها مؤسسات العمل الأهلى التنموي، لاهتمامها بدعم العمل المجتمعى.

وأوضحت جيرمين، أن طبيعة عملها فى قطاع التعليم، تتيح لها التواصل مع فئات واسعة من الطلاب والمعلمين والموظفين، وهو ما يسهم فى تنظيم مشاركتهم فى المبادرات التطوعية، قائلة أن المؤسسة تضم 25 مدرسة وحضانة، وتحرص على إشراك جميع العاملين والدارسين فى أنشطة الخير.

وعن يومها داخل مقر التعبئة، أشارت إلى أن فريق العمل يقضى نحو 3 ساعات متواصلة فى إنجاز المهام، حيث يتم تقسيم المتطوعين إلى مجموعات، يتولى كل فرد منها مسئولية بند محدد داخل الكرتونة، بهدف الوصول إلى العدد المستهدف بكفاءة وانتظام.

وأضافت أن العمل يتم فى إطار منظومة محددة، تبدأ بجلسة تعريفية قبل انطلاق النشاط، يتم خلالها شرح خطوات العمل، وآليات توزيع المهام، وأساليب التعامل مع ضغط الوقت، ثم يتم توزيع المتطوعين على الأقسام المختلفة لبدء التنفيذ.

وأكدت جيرمين، أن هذا التنظيم المسبق يسهم فى تسهيل العمل، ويمنح المتطوعين قدرة أكبر على الإنجاز دون ارتباك، مشيرة إلى أن هذه الجلسات التحضيرية أصبحت جزءًا أساسيًا من تجربة التطوع داخل المؤسسة.

وعن مشاعرها أثناء العمل، قالت إن رؤية أعداد كبيرة من الكراتين الجاهزة للتوزيع تمنحها إحساسًا عميقًا بالرضا، مؤكدة أنها تشعر فى تلك اللحظات بأنها أسهمت فى تقديم «خير حقيقي» يصل إلى مستحقيه.

وحول دوافعها الشخصية، أوضحت أن علاقتها بالعمل التطوعى بدأت منذ سنوات مبكرة من حياتها، واستمرت معها حتى بعد دخولها سوق العمل، معتبرة أن المشاركة فى المبادرات المجتمعية أصبحت جزءًا من هويتها الشخصية.

وقالت إن بيئة العمل فى منصة التعليم تعزز هذا التوجه، وتشجع الموظفين على الاستمرار فى الأنشطة التطوعية، باعتبارها مسئولية إنسانية ومجتمعية لا تنفصل عن الدور المهنى.

وترى جيرمين أن التطوع ليس نشاطًا موسميًا، ولكنه أسلوب حياة، مؤكدة حرصها على نقل هذه الثقافة إلى من حولها، وتشجيع الشباب على الانخراط فى العمل الخيرى منذ سن مبكرة.

 مسئولية مجتمعية

قال إبراهيم بخيت، منسق مشاركة طلاب المعهد العالى للحاسب والعلوم الإدارية، إن مشاركة الشباب فى أنشطة التطوع مع مؤسسة مصر الخير، أصبحت تقليدًا سنويًا ثابتًا، خاصة مع اقتراب شهر رمضان.

موضحًا أن هذه المشاركة، تعد التجربة الأولى لكثير من الطلاب، الذين يحرصون على الحضور بروح جماعية، مدفوعين برغبتهم فى فعل الخير ونيل الثواب فى الشهر الكريم، قائلًا: نبدأ فى تجهيز الكراتين قبل رمضان، وخلال الشهر نستكمل العمل من خلال إعداد الوجبات، ونواصل التعاون طوال هذه الفترة.

وأشار إلى أن عدد المشاركين يتراوح بين 25 و30 طالبًا فى كل دفعة، يعملون وفق نظام محدد بزمن مستهدف وعدد مطلوب إنجازه، حيث يتم تجهيز ما بين 250 إلى 300 كرتونة خلال نحو ساعتين من العمل المتواصل.

وحول فكرة الشراكة، قال إنهم يعلنون داخل الأكاديمية عن فرص التطوع، ويقبل الطلاب عليهم بحماس، لأن العمل الخيرى يجذب القلوب بطبيعته.

وأوضح أن مشاركة الطلاب تتركز فى تعبئة الكراتين وإعداد الوجبات، دون المشاركة فى عمليات التوزيع، وأن الهدف الأساسى هو دعم جهود المؤسسات الخيرية، وتخفيف العبء عن الأسر خلال رمضان.

وأكد على أن هذه التجربة لا تقتصر على تقديم المساعدة فقط، بل تسهم فى ترسيخ قيم المسئولية والانتماء لدى الشباب، وتحويل العمل التطوعى إلى ممارسة مستمرة لا ترتبط بموسم واحد.