الثلاثاء 17 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الفتوى التى عطلت الصلاة فى الأزهر

كيف حافظ الجامع الأكبر على مكافحة «تتريك اللغة»؟!



 

تخيل أنه يمكنك قضاء شهر رمضان بالكامل داخل الجامع الأزهر متجولاً بروحك فى رحلة إيمانية وعلمية صعب تكرارها فى مكان أو زمان آخر، فطقوس وأجواء رمضان داخله تختلف عن أى مكان آخر.. فهو ليس بناءً حجريًا ولكنه شاهد على تاريخ وطن وأمة، فمنه خرج آلاف العلماء وعلى أبوابه سقط آلاف الشهداء، وكما يقول شيخ الأزهر فضيلة الإمام د.أحمد الطيب، فإن الأزهر عبر تاريخه ظل منارة تعليمية وثقافية أسهمت فى «تنوير الأمة واستعصائها على الذوبان والتلاشى أمام تقلبات التاريخ واضطراب الحضارات»، هنا فى القاهرة القديمة ستعيش تجربة فريدة.. فلا يزال شهر رمضان بنفس طقوسه وروحانياته التى كان عليها منذ ألف عام.

 

 

 

جامع القاهرة

12 ألف متر و9 أبواب، كان للجامع عشرة محاريب تبقّى منها ستة ومنبر واحد، وبالمسجد أكثر من 380 عمودًا من الرخام كانت فى الأصل بالمعابد المصرية القديمة، والأزهر كان معروفًا باسم «جامع القاهرة»، ومعظم المؤرخين القدامى كانوا يذكرونه دائمًا بهذا الاسم حتى إنشاء القصور الفاطمية فى عصر العزيز بالله، وكان يطلق عليها اسم القصور الزاهرة، ولكى تدرك عظمة المكان.. تعالى معنا فى رحلة عبر الزمن نعود خلالها للوراء أكثر من ألف سنة ، تخيل من بداية دخولك لشارع الأزهر.. فهنا وقف الأمير الفاطمى جوهر الكاتب الصقلى بعد عام من فتح الفاطميين لمصر ليقرر إنشاء الجامع فى الجنوب الشرقى من المدينة على مقربة من القصر الكبير ليصلى فيه الخليفة، وليكون مسجدًا جامعًا للمدينة حديثة النشأة أسوة بجامع عمرو فى الفسطاط وجامع ابن طولون فى القطائع، وبعد عامين تم افتتاحه للصلاة فى شهر رمضان عام 361هـ، وهنا فى الركن الجنوبى بدأت أول حلقة للعلم بالأزهر فى عهد المعز لدين الله الفاطمى حينما جلس قاضى القضاة أبوالحسن على بن النعمان يلتف حوله مجموعة من العلماء وتلا عليهم مختصر أبيه فى فقه الشيعة، وهنا على بابه الشرقى وقف صلاح الدين الأيوبى مع قاضى القضاة صدر الدين عبدالله بن درباس، فقد كان شافعى المذهب وأفتى بأنه لا يجوز أن تقام خطبتان للجمعة فى مدينة واحدة، وبالتالى لا معنى لوجود مسجدين جامعين فى مدينة واحدة.

وكان الجامع الآخر هو جامع الحاكم بأمر الله، إذ كان مسجدا عمرو بن العاص وأحمد بن طولون يقعان فى مدينتى الفسطاط والقطائع، وبسبب فتواه هذه تقرر الاكتفاء بإقامة الصلاة فى جامع الحاكم وظلت إقامة الجمعة معطلة فى الأزهر نحو مائة عام، ثم كانت العودة.

 

 

 

هنا فى شرق الصحن الرئيسى حينما صلى الملك الظاهر بيبرس بالأزهر وقرر زيادة بنيانه وشجع التعليم فيه وأعاد الخطبة إليه فى شهر رمضان عام 665هـ، وبالمناسبة، صحيح أن الفاطميين هم الذين شيدوا الأزهر.. لكن الحقيقة أن شكله الحالى يعود بشكل كبير لأمراء المماليك، خاصة السلطان المملوكى قنصوه الغورى الذى قام ببناء المئذنة ذات الرأسين، وعندما تمر على أعمدة الأزهر.. تذكر أنه كان يجلس وراء كل منها أئمة عظام مثل ابن حجر العسقلانى، وابن حجر الهيثمى، وابن دقيق العيد، وجلال الدين السيوطى، والمؤرخ الجبرتى، وابن خلدون عالم الاجتماع، وغيرهم كثيرون.

 

 

 

 

المكانة التاريخية

للأزهر فضل كبير فى الحفاظ على التراث العربى بعد سقوط الخلافة العباسية فى بغداد بسبب المغول، وعلى اللغة العربية من «التتريك» أيام الحكم العثمانى، تعالوا نعود لرحلتنا عبر الزمن.. فهنا فى الصحن الرئيسى وقف عبد الله الشرقاوى شيخ الأزهر فى سنة 1209هـ وحوله المئات من فلاحى مدينة بلبيس الذين كانوا يشكون من ظلم الحكام المماليك، فجاء زعيم الأمراء وحوله الشيخ السادات والسيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوى والشيخ البكرى وتم الإعلان عن إلغاء الضرائب والكف عن سلب أموال الناس، ومن أوقات الأزهر الصعبة.. ما حدث يوم الثلاثاء 13 جمادى الأولى 1213هـ حينما صدرت الأوامر من نابليون بضرب الأزهر بالقنابل.. فساد الفزع والروع وتهدمت بعض أركان الجامع وقتل كثير من الناس بداخله، ثم هجم الفرنسيون على الجامع بخيولهم ونهبوا كل ما فيه، ثم أمر نابليون بإعدام 6 من علماء الأزهر رميًا بالرصاص، ومن هنا عند «رواق الشام» خطط طالب سورى اسمه سليمان الحلبى لقتل الجنرال كليبر انتقامًا لمجازر الحملة الفرنسية، فتم إغلاق الأزهر حتى خروح الفرنسيين من مصر، ومن أمام بوابته الرئيسية وقف عمر مكرم وشيوخ الأزهر ليختاروا محمد على حاكمًا لمصر، فكان هؤلاء الشيوخ هم نواة البعثات المصرية التى سافرت لأوروبا للتعلم والترجمة.. وعندما عادوا أصبحوا الركن الرئيسى لانطلاق النهضة المصرية، خاصة بعد دخول التعليم غير الدينى فى الأزهر مثل دراسة التاريخ والرياضيات والعلوم الحديثة، ولكن مع اندلاع ثورة أحمد عرابى عاد دور الأزهر من جديد عبر شيخه محمد الإنبابى الشافعى وعدد من العلماء الذين أصدروا فتوى بأن «الخديو توفيق مرق من الدين مروق السهم من الرمية، لخيانته فى دينه ووطنه وانحيازه إلى الجيش المحارب لبلاده»، وبعد هزيمة الثورة العُرابية تم نفى الشيخ محمد عبده وعزل الشيخ الإنبابى وألغِيت امتيازات كل الأزهريين الذين شاركوا فى الثورة أو تعاطفوا مع عرابى، وإذا دخلت فى قاعة الصلاة الرئيسية بالمسجد فستلاحظ أن المنبر الموجود رغم روعته لكنه ليس قديمًا.. والسبب أن الإنجليز منذ بداية الاحتلال حاولوا القضاء على الأزهر كمركز للإسلام، والجامع نفسه لم يسلم من التخريب فقاموا بسرقة المنبر الأصلى والتاريخى للجامع، ولا يزال حتى الآن موجودًا فى أحد المتاحف فى لندن، وتمر السنين.. ونحن الآن فى ثورة 1919.. فعلى هذا المنبر الجديد وقف القمص سرجيوس خطيب الثورة لينادى بالوحدة الوطنية ومقاومة الانجليز، وظل يخطب فى الأزهر لمدة ثلاثة شهور ليلًا نهارًا من فوق المنبر، معلنًا أنه مصرى أولًا وأخيرًا.. ولا فارق بين مسلم وقبطى فالكل يجاهد لأجل الوطن، ومثلما فعل الفرنسيون.. قام جنود الاحتلال الانجليزى بانتهاك حرمة الجامع الأزهر فى صباح يوم 18 ربيع الأول 1338 هـ وهم يطاردون المتظاهرين واعتدوا على الموظفين والشيوخ، وهنا فى جنبات المسجد كانت تجرى مناظرات كثيرة بين الإصلاحيين مثل رفاعة الطهطاوى وحسن العطار وجمال الدين الأفغانى ومحمد عبده ومحمد الأحمدى الظواهرى ومحمد مصطفى المراغى ومصطفى لطفى المنفلوطى وطه حسين ومعارضيهم، ونعود مرة أخرى لمنبر الأزهر.. حيث وقف عليه الرئيس جمال عبد الناصر ليعلن القتال ضد العدوان الثلاثى عام 1956 وقال فى رسالة للعالم: «إذا كانت بريطانيا تعتبر أنها دولة كبرى، وفرنسا تعتبر أنها دولة كبرى، إحنا شعب مؤمن؛ سيكون شعارنا دائماً الله أكبر، الله يقوينا، والله ينصرنا»، وقد أصبح الأزهر رسميًا جامعة مستقلة فى عام 1961، واعتبرت جامعة الأزهر الأولى فى العالم الإسلامى لدراسة المذهب السنى والشريعة الإسلامية، وفى بداية تولى الرئيس أنور السادات لمنصبه، عبَّر عن رغبته باستعادة الأزهر كرمز للقيادة المصرية فى جميع أنحاء العالم العربى قائلا إن: «العالم العربى لا يمكن أن يعمل بدون مصر والأزهر».

 

 

 

الأروقة الشرعية

نعود من رحلتنا التاريخية إلى الواقع.. بمجرد دخولك من الساحة الرئيسية إلى المسجد ستلاحظ أن المشهد القديم الذى كان يجلس فيه شيخ حول أحد أعمدة المسجد وحوله تلاميذه قد تغير، وأصبحت هناك عشرات المكاتب التى يجلس عليها العلماء ومن حولهم يتجمع طلاب العلم، د. أحمد عبد الله الباحث بجامع الأزهر الشريف يتوقف معنا بين أروقة الأزهر الشرعية، يقول: زمان كان الشيخ يختار عمودًا من أعمدة المسجد؛ ليجلس عنده، ثم يلتف تلامذته من حوله فيستمعون منه، وحلقات العلم بدأت فى عهد المعز لدين الله الفاطمى، وفى ظل دولة المماليك كان الأزهر يتمتع بالزعامة الفكرية والثقافية وهذا أكسبه طابعًا خاصًا فى تميزه عن باقى المدارس التى ظهرت حينها، ثم بدأ اختفاء شيخ العمود عندما ظهرت الكليات بجامعة الأزهر حيث اختلف التدريس وطرقه وهيكلته التنظيمية، وكانت توجد أروقة خاصة بالطلاب مثل رواق الصعايدة ورواق الأتراك ورواق الهنود، وقد عادت منذ سنوات لتعمل ولكن بشكل مختلف، فمهما كان عمرك أو مؤهلك الدراسى تستطيع أن تدرس علومًا شرعية ولغات وتنمية بشرية مجانًا فى أروقة جامع الأزهر، فلا يقتصر دور الأزهر على تدريس العلوم الدينية والشرعية فقط بل يمتد لدراسة العلوم الاجتماعية كالفلسفة والمنطق، وتعليم اللغات كالانجليزية والفرنسية والألمانية، وإعطاء دورات تدريبية فى التنمية البشرية، بالإضافة لمحاضرات فى تخصصات مختلفة كالإرشاد الأسرى وفن التحرير الصحفى وطرق التدريس الحديثة، فالشخصية الأزهرية غير منغلقة على دراسة العلوم الشرعية فحسب بل تسعى لفهم وإدراك مختلف العلوم والفنون، ويقوم الأزهر أيضًا بإقامة جلسات ثقافية وأدبية ومسابقات فى الشعر، وتوجد دروس دينية وبرامج تدريبية للعامة أى غير المتخصصين مثل الدورة التمهيدية للعلوم الشرعية المعقودة حاليًا، كما توجد برامج تدريبية للمتخصصين مثل برنامج صناعة المحدث التى يدور حول علم الحديث وكيفية التعامل مع الأحاديث النبوية وإخراجها، وبرنامج إحياء السند الأزهرى، بالإضافة إلى برنامج صناعة الفتوى الذى يوضح مراحل إعداد الفتوى، وهناك الآلاف الذين يستفيدون من هذه البرامج التعليمية المجانية سنويًا.. ويتم الإعلان عنها عبر الموقع الرسمى للجامع الأزهر وصفحاته على مواقع التواصل الاجتماعى، وبالطبع شهر رمضان تكون له استعدادات خاصة بجانب كل ما سبق. 

 

 

 

أنشطة متنوعة

يواصل د. أحمد عبد الله حديثه قائلاً: ينظم الجامع الأزهر خلال شهر رمضان الكريم مجموعة من الفعاليات اليومية، تشتمل على: المقارئ، ودرس الظهر، وملتقى العصر، وصلاة التراويح، ودرس التراويح، وصلاة التهجد، وتنظيم عدد من الاحتفاليات المتعلقة بالشهر المعظم، وإفطار جماعى للطلاب الوافدين من 100 دولة تقريبًا بواقع 5 آلاف وجبة يوميًّا.. ويزداد العدد فى العشر الأواخر من رمضان، المشهد يكون رائعًا.. الآلاف يجلسون فى الصحن الرئيسى يتناولون نفس الطعام، لا فرق بين غنى ولا فقير ولا عربى ولا أعجمى ولا أبيض ولا أسود، تجمع كبير فى جو من المحبة، وأنشطة وفعاليات الجامع تتضمن خلال الشهر المبارك 208 مقارئ للرجال والنساء بروايات حفص عن عاصم والقراءات العشر، وتبدأ المقارئ من الساعة العاشرة صباحًا حتى الثالثة عصرًا ويقوم عليها المحفظون المعتمدون بالرواق الأزهرى، وأيضاً هناك 52 درسًا بعد صلاة الظهر «ملتقى الظهر» تتنوع بين دروس خاصة بالرجال وأخرى خاصة بالنساء ويقوم عليها واعظون بمعرفة الأمانة العامة للدعوة والإعلام الدينى وبمشاركة باحثى الجامع الأزهر ومركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية، ويتم بواقع درس للرجال ودرس للنساء يوميًّا ما عدا يوم الجمعة، وهناك كذلك 26 ملتقى بعد العصر وينظمه الجامع بمعرفة لجنة الفتوى الرئيسة ونخبة من أساتذة الجامعة، صلاة التراويح بالجامع الأزهر تشمل 20 ركعة يوميًا بجزء كامل بالقراءات العشر وليس قراءة حفص فقط، وهناك 30 درسًا مع التراويح، ويتم نقلها مباشرة عبر صفحات ومنصات الأزهر الشريف على مواقع التواصل الاجتماعى، حيث تؤدى صلاة التراويح هذا العام عبر 12 قارئًا، ويقوم بدرس التراويح أعضاء بهيئة كبار العلماء وأساتذة جامعة بالأزهر الشريف، والجامع الأزهر يحتضن يوميًا 30 ألف مصل فى صلاتى العشاء والتراويح.. ويتضاعف العدد فى صلاة ختام القرآن الكريم ليلة 27 رمضان، وأيضًا صلاة التهجد بالجامع الأزهر فى العشر الأواخر، بجانب تنظيم 6 احتفالات متعلقة بمناسبات فى الشهر الكريم تتمثل فى الاحتفال السنوى بانشاء الجامع الأزهر، الاحتفال بذكرى انتصارات العاشر من رمضان، الاحتفال بذكرى غزوة بدر، الاحتفال بذكرى فتح مكة، الاحتفال بليلة القدر، الاحتفال بليلة عيد الفطر المبارك.

وأيضًا يمكنك طوال شهر رمضان الاستفادة من كنز داخل الأزهر وهو مكتبته التى أنشأها فى عام 1314هـ الشيخ محمد عبده وكانت تضم الكثير من الكتب والمجلدات والمخطوطات القديمة، وفى شهر يناير 2022 تم تطويرها لتضم حالياً 25 ألف كتاب و50 ألف مجلد فى مختلف العلوم والمعارف الإنسانية، ويبدأ العمل فى المكتبة من الساعة التاسعة صباحًا حتى الساعة الثالثة عصرًا فى جميع أيام الأسبوع عدا يوم الجمعة، ويمكن الاشتراك بها وقراءة الكتب بصفة دورية، وتقع فى المدرسة الأقبغاوية بين باب المزينين والمدرسة الطيبرسية.