الذهبى.. الذى قتلته «الوسطية»!
صباح الخير
«يبدو أن فريقًا من المتطرفين الذين يسعون فى الأرض فسادًا، ولا يريدون لمصر استقرارًا، قد استغلوا فى هذا الشباب حماس الدين، فآتوهم من هذا الجانب، وصوَّروا لهم المجتمع الذى يعيشون فيه بأنه مجتمع كافر، تجب مقاومته ولا تجوز معايشته، فلجأ منهم من لجأ إلى الثورة والعنف، واعتزل منهم من اعتزل جماعة المسلمين، وآووا إلى المغارات والكهوف، ورفض هؤلاء وأولئك المجتمع الذى ينتمون إليه لأنه فى نظرهم مجتمع كافر».. تلخص الكلمات السابقة فلسفة الشيخ الشهيد محمد حسين الذهبى.
الشيخ محمد حسين الذهبى، هو أحد أبرز رموز التيار الوسطى المستنير، من مواليد التاسع عشر من أكتوبر عام 1915 فى قرية مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، التحق بكلية الشريعة جامعة الأزهر وتخرَّج فيها عام 1939، وحصل على درجة الدكتوراه بدرجة أستاذ فى علوم القرآن عام 1946 من كلية أصول الدين فى جامعة الأزهر عن رسالته «التفسير والمفسرون» التى أصبحت بعد نشرها أحد المراجع الرئيسية فى علم التفسير.
عمل «الذهبى» أستاذًا فى كلية الشريعة وأعير إلى جامعة الكويت عام 1968 وبعد عودته إلى مصر عُين أستاذًا فى كلية أصول الدين ثم عميدًا لها وأمينًا عامّا لمجمع البحوث الإسلامية، وأخيرًا وزيرًا للأوقاف عام 1975.
ويُعتبر كتاب «التفسير والمفسرون» من أهم إسهاماته العلمية، كذلك كتاب «الوحى والقرآن الكريم» وكتاب «الاتجاهات المنحرفة فى تفسير القرآن الكريم.. دوافعها ودفعها»، وكتاب «تفسير ابن عربى للقرآن.. حقيقته وخطره»، وكتاب «الإسرائيليات فى التفسير والحديث»، وكذا كتبه «أثر إقامة الحدود فى استقرار المجتمع»، و«عناية المسلمين بالسُّنة ومدخل لعلوم الحديث»، و«الإسلام والديانات السماوية».

مؤلفات الشيخ وإسهاماته كانت تهدف بشكل مستمر إلى دفع الشبهات عن الإسلام ومحاربة ما ينسب إليه من فكر فاسد أو منحرف، فكانت تلك الرسالة التى عاش لها الشيخ الذهبى، وهو ما لم يوافق هوى أخطر جماعة تكفيرية عرفتها مصر وأكثرها تطرفًا.
شهادة الجميع
عاش «الذهبى» بمذهب التسامح حتى فى إدارته لكلية أصول الدين حين كان عميدًا لها، فشهد له الجميع بسعة الصدر واللين فى التعامل، كان أبًا لتلامذته يستوعب الجميع بل ويعطف على الطلبة الفقراء بالمال أو بتوفير الكتب الدراسية، واشتهرت عنه جملة «لا خير فىَّ إن لم أقدم الخدمات».
جاء الشيخ الودود فى فترة انتشرت فيها الجماعات المتطرفة بأنواعها، ذلك الفكر الذى لا يؤمن بالحوار ولا يتخذه كآلية للتعامل مع المجتمع، بل هى العزلة والتكفير ثم القتل.
كان عليه أن يواجه بأسلوبه اللين هذا الفكر الغاشم، فقد كان يؤمن أن التصدى لهذه الجماعات مهمة علماء الدين ورجال الدعوة وأن الفكر لا بُد أن يواجه بالفكر، وأن الإسلام قوى بما فيه الكفاية فلا يهتز أمام أى دعوات منحرفة مَهما استقطبت من شباب بعرضها البراق وطرحها الذى يعتمد على دغدغة المشاعر وإثارة الحمية وتأجيج نفوس الشباب حول المؤامرة المزعومة التى يتعرض لها الإسلام، وهو الفكر المتطرف ذاته الممتد وجوده إلى الآن.
وجماعة التكفير والهجرة هو الاسم الإعلامى الذى عُرفت به واحدة من أشرس الجماعات المتطرفة من كارهى «الشيخ»، وكان اسمها الحقيقى جماعة المسلمين وكان شعارهم: «من والاها فقد والى صحيح الدين، ومن خالفها فقد خالف صحيح الدين».
بدأ الصدام بين الشيخ الذهبى وبين جماعه التكفير والهجرة عقب زيارة بعض عناصر الجماعة للكاتب الصحفى رجب البنا وطرحهم لأفكار الجماعة بشكل مباشر ليتم نشرها إعلاميًا، وأوضحوا أن جماعتهم ترى أن المجتمع المصرى كافر يجب مقاومته وإصلاحه، ولكن بما أنه لا توجد آليات لديهم لإصلاحه فلا بُدّ لهم من اعتزاله وهجره ومحاربته.
نشر البنا تفاصيل تلك الزيارة فى صفحة الفكر الدينى فى جريدة الأهرام كاشفًا عن ظهور جماعة تُسمى بالتكفير والهجرة، وأن منهجهم يحتوى مجموعة من الأفكار الغريبة، ثم توجَّه إلى الشيخ الذهبى الذى كان وزيرًا للأوقاف فى ذلك الوقت ليجرى معه حوارًا حول تلك الظاهرة وبشأن تلك الجماعة تحديدًا.
رَدَّ الشيخ الذهبى بأن الفكر التكفيرى انحراف عن الإسلام وليس من حق أحد أن يُكفر مسلمًا شهد أن لا إله إلا الله، فقد تكفل بالحد الأدنى من الإسلام ولا يجوز تكفيره ولا يجوز لأفراد أن يأخذوا بيدهم سُلطة الحُكم على المجتمع وإصدار الأحكام وتنفيذها، كما أنه أكد على ضرورة مواجهة هذا الفكر بواسطة العلماء والمشايخ حتى لا يتحول حاملو هذا الفكر إلى أبطال.
تم تكليف بعض من علماء الدين بكتابة كتيب يواجه هذا الفكر التكفيرى وشارك فى كتابة مقدمته وتحريره الشيخ الذهبى، وكان كتيبًا لطيفًا لم يحتوِ أى جُمَل تحرّض على العنف أو التعامل مع هؤلاء الشباب بغير الحوار والمناقشة، فهم شباب ينقصهم التوجيه المناسب ولا يجوز أن نحاربهم، بل يتعين علينا أن نهديهم إلى سواء السبيل وتعليمهم حقيقة الإسلام، كما جاء على لسان الذهبى.
وتحدث الكتاب عن معنى الإيمان فى الإسلام وقال إن أحكام الإسلام تجرى على كل من ينطق بشهادة لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وليس لنا أن نبحث فى مدى صدق شهادته، فذلك مرتبط بما استشعر بقلبه، وهو أمْرٌ لا سبيل للكشف عنه أو التثبت منه، فهو من شأن الذى يعلم السر وأخفى، والمجمع عليه من أهل الإسلام أن الذى يعصم ماله ودمه بالشهادتين فهو المسلم، وأن من قال لا إله إلا الله وكان فى قلبه مثقال ذرة من خير ليس مشركًا.
خطيئة الاستحلال
لكن العجيب هو كيف واجه هؤلاء المجرمون أسلوب الشيخ بالعنف وباستحلال دمه بعد أن صرّح هو أكثر من مرّة بعدم رغبته فى تدخل جهاز الشرطة فى التعامل معهم رُغم أن أطروحتهم الفكرية تُكَفر المجتمع بالكامل.
عُقد مؤتمر فى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بحضور الدكتور الذهبى وبعض من شباب تلك الجماعة بهدف استيعابهم والتعرف على ما تحوى عقولهم من فكر ثم مجادلتهم فيه، وقبل بدء النقاش صاح أحد هؤلاء الشباب موجهًا كلامه إلى الشيخ الذهبى قائلاً: «أنت دخلت معانا فى معركة».
فرَدَّ عليه الشيخ بأسلوبه المهذب المعهود «لا توجد معارك يا بنى، تعال نعرض الأمر ونناقش الرأى بالرأى والحُجة بالحُجة»، ولكن أصر الشاب على التعامل مع المسألة فى شكل المعركة وشعر الحضور فى لهجته للشيخ بتهديد.
فى الأيام التالية أرسلت الجماعة بالفعل تهديدًا إلى الشيخ، كما رفعت دعوى سب وقذف ضده فى محاولة لوضع الجماعة تحت الأضواء ونشر اسمها فى وسائل الإعلام.

ولم يتوقف الأمر على إرسال التهديد، بل فى الثالث من يوليو 1977 توجَّه 6 من أفراد الجماعة متنكرين إلى فيلا الشيخ الذهبى فى منطقة حدائق حلوان فى الثانية بعد منتصف الليل وادّعوا أنهم من جهاز أمن الدولة ولديهم أوامر بالقبض على الشيخ، وبعد مناوشات ورفضهم لطلبه بإبراز تحقيق الشخصية اقتادوه بالقوة إلى إحدى السيارات التى اصطحبها المجرمون لتنفيذ العملية وفرّوا هاربين، بينما بقيت السيارة الأخرى أمام فيلا الشيخ بسبب عطل بها مع أحد الخاطفين الذى لم يتمكن من إصلاح العطل فى فترة تنفيذ زملائه للعملية فقبض عليه الجيران الذين استيقظوا بسبب صراخ نجل الشيخ وطلبه للمساعدة.
أعلنت جماعة التكفير والهجرة مسئوليتها عن الحادث وحددت مطالبها للإفراج عن الشيخ الذهبى، وهى 200 ألف جنيه والإفراج عن معتقلين من أعضاء الجماعة وعددهم 25 مع نشر اعتذار فى الصحف المصرية عن ما نشر فى حق الجماعة وكذلك نشر كتاب «الخلافة» لأمير الجماعة شكرى أحمد مصطفى على حلقات فى الصفحة الأولى للصحف اليومية، وأن تذيع الحكومة عبر وسائل الإعلام بيانًا تقول فيه بوضوح إن المجتمع فى حاجة إلى تغيير لنظام الحُكم الذى لا يأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية، وتسليم الطفلة «سمية» ابنة رجب عمر أحد أعضاء الجماعة المنشقين عليها لأمها التى تمسكت بعضويتها فى الجماعة ورفضت الذهاب مع زوجها فاعتبرته الجماعة غير أهل للأبوة ويجب حرمانه من طفلته.
بالطبع لم يتم الاستجابة لمطالب الجماعة، وطالبت وزارة الداخلية، الجماعة بالإفراج عن الشيخ أولاً ثم التفاوض وخَلق مناخ يمكن من خلاله مناقشة إمكانية تحقيق تلك المطالب.
لعل أحد تفسيرات اختطاف الشيخ الجليل المسالم هو تحقيق شهرة ولفت أنظار المجتمع إلى هذا الفكر وتلك الجماعة فى ذلك الوقت، فلم يجدوا أن رفع دعوى السب والقذف قد أكسبتهم الشهرة المطلوبة وأن سجالاتهم مع المشايخ فى مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وعلى صفحات الجرائد لا تجدى نفعًا.
تعاملت وزارة الداخلية مع تهديدات الخاطفين بثبات وحكمة وشرعت فى عمل حملة مداهمات على أوكار تلك الجماعة وغيرها من الجماعات غير الشرعية وتمكنت من ضبط العديد من العناصر التكفيرية.
وبمداهمة أوكارهم تم العثور على كمية كبيرة من الأسلحة البيضاء مثل السيوف والخناجر، وأوراق ووثائق تنظيمية على درجة كبيرة من الأهمية وخطط مُعَدة لعمليات أخرى مستقبلية وعدد من السيارات والتوصل إلى بعض الشقق التى اتخذتها الجماعة مقارًا سِرية لها.
كان خطف الشيخ دقًا لناقوس الخطر وإشارة إلى ضرورة التدخل الأمنى لمواجهة هذا الفكر وأن المناظرات الفكرية لا تتم مع أصحاب العقول المنغلقة التى لا تؤمن سوى بالعنف والدماء.
انقضت المهلة التى حددتها الجماعة وتم تأجيل إعدام الشيخ، مما حفز الداخلية لتكثف البحث عنه وزاد يقينهم بأنهم يواجهون كيانًا أضعف من أن يمثل خطورة على المجتمع.
لا بُدّ من التنويه أن دناءة تلك العملية قد وصلت إلى مرحلة جعلت بعض أعضاء تلك الجماعة نفسها إلى التبرؤ منها والانفصال عنها، فمنهج الشيخ الذهبى المتسامح وأسلوبه أصاب بعض تلك القلوب المتحجرة فليس مثله من يستحق تلك الخسة.
ولعل طلال الأنصارى- أحد الـ25 معتقلًا الذين طالبت الجماعة بالإفراج عنهم وأحد كوادر الفكر التكفيرى أبرز هؤلاء- فقد صُدِمَ بخبر الحادث وأعلن تنصله منهم بينما كان قيد المحاكمة.
بعد تكثيف البحث داهمت الشرطة أحد المنازل التى تم الإبلاغ عن شكوك حول قاطنيها، وقبضت على ثلاثة من الجناة، منهم أمير التنظيم شكرى مصطفى ووجد جثمان الشيخ وقد فارق الحياة برصاصة فى عينه اليسرى.
أمَرَ الرئيس أنور السادات بتشكيل محكمة عسكرية لقتلة الشيخ وأثناء المحاكمة تبين الهوس والاضطراب العقلى الذى تمتع به هؤلاء من خلال ما قالوه فى قاعة المحكمة، فكان شكرى -أمير الجماعة- مغرورًا فى حديثه عن نفسه، حتى أنه أعلن أنه سيرث الأرض ومن عليها، وأن أحدًا من الناس لا يمكنه أن يمسه بسوء نظرًا لأنه محفوظ بالعناية الإلهية وصور فى حديثه أنه المهدى المنتظر الذى سيحرر العالم الإسلامى من العبودية وسيعيد للإسلام مجده وسيقيم الخلافة مرّة أخرى، وأنه سيأتى الوقت الذى يطلق فيه الرصاص على عين رئيس المحكمة اليسرى لأنها العين التى يسكن فيها الشيطان.
وأخيرًا أصدرت المحكمة فى الثلاثين من نوفمبر الحُكم على منفذى عملية اختطاف وقتل الشيخ الذهبى، فتم الحُكم بالإعدام شنقًا على 5 متهمين يتصدرهم أمير الجماعة المخبول، كما تم الحُكم على 36 بالأشغال الشاقة المؤبدة. وتم تنفيذ حُكم الإعدام فى التاسع عشر من مارس عام 1978 فى المحكومين الخمسة.
رحم الله الشيخ الذهبى الذى تشرّب روح الإسلام الرحيمة وتعامل بها حتى الرمق الأخير، فقابل الغلظة باللين والتهديد والتوعد بالمحبة والتسامح والتفاهم والتمسك بالسنة المحمدية الصحيحة حتى دفع حياته ثمنًا للتمسك بتلك القيم الحميدة.
