عبدالبديع
«النحات الرهيب»..طباخ هدى شعراوى
منير مطاوع
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
التقيت مرارًا منذ سنوات طويلة برجل عجيب..
كنت أراه دائمًا واحدًا من فنانى النحت المجهولين الكثر الذين عرفتهم مصر الفرعونية!
فهو مثلهم يتعامل فى منحوتاته مع الأحجار القاسية صعبة التطويع مثل الجرانيت والرخام والبازلت ويقوم بصبر وأناة، يعرفهما المصرى القديم والجديد، بتطويعها وتحويلها إلى قطع من الفن الحديث الراقى.

لا أتذكر بالضبط متى التقيت الفنان العصامى عبدالبديع عبدالحى لأول مرة.
هل عندما جاء إلى «صباح الخير» ليزور زميله فى دراسة فن النحت فى كلية الفنون الجميلة، رسام الكاريكاتير ناجى كامل؟
أم عرّفنى عليه الأستاذ حسن فؤاد رئيس التحرير وكان يستقبله فى مكتبه؟
وربما عرفته من قبل ذلك فى الكلية فى منتصف الستينيات من القرن الماضى، وكان فى صحبة الفنان جمال السجينى أستاذ ورئيس قسم النحت.
لا أتذكر بالتأكيد، لكننى لا أنسى المرات العديدة التى كنت أزوره فيها فى الورشة الشاسعة التى يقوم فيها بابتكار منحوتاته وتطويع الخامات الصعبة وهى عملية تفرّد فيها بين كبار فنانى النحت فى زمانه..
وهكذا اعتبرت أن الصخر يطيع عبدالبديع.
لكن لماذا اختار هذا الصعيدى القادم من ملوى فى المنيا التعبير عن نفسه وأفكاره وفنه بهذه المواد القاسية التى تتطلب الدقة الشديدة وطاقة التحمّل والصبر الأشد؟
قال لى إنه منذ صغره كان يشاهد التماثيل والمعابد والمنحوتات الفرعونية الضخمة ويندهش بها فيبحث عن الطين ويحاول اللعب به وتقليد الوجوه والرموز والنقوش المصرية القديمة، والمنيا التى نشأ فيها عبدالبديع كانت عاصمة مصر الإخناتونية «تل العمارنة»..
وكطالب فى كلية الفنون الجميلة وصحفى فى «صباح الخير» كان إعجابى الشديد بهذا الإنسان يعود - فيما أعتقد – لكونه واحدًا من قلائل النحاتين الذين اهتموا بإنجاز أعمالهم على خامات الفراعنة الصلبة الصعبة، ولكونه يعتمد على طبيعته الفطرية التلقائية المنعكسة فى أسلوبه المميز وأيضًا فى شخصيته الأصيلة وفى احتفاظه الدائم بملبسه الشعبى الصعيدى البسيط «الجلباب الأبيض».
وذكرياتى عن زياراتى لورشته الشاسعة وحكاياته الشيقة ومشاهداتى له خلال العمل، وحبه لصحبة الصحفيين والفنانين ومحبى الفنون واستمراره فى العمل خلال زياراتهم.. يجعلنى أشعر بالفخر لظهور هذا الفنان فى الحياة التشكيلية المصرية، فهو أحد تجسداتها الرائعة.

الصخر والعواطف
الفراعنة اشتهروا بالتماثيل الضخمة المصنوعة من الأحجار الصلبة القاسية.. والبنايات السامقة، وهو نشأ منذ طفولته فى أحضانها، لذلك برع فى تحويل الصخر وتطويعه ليعبّر به عن عواطف ومشاعر وأفراح وأحزان وتطلعات الناس البسطاء بتماثيل صغيرة من هذه الخامات والصخور نفسها، لكنها تعتمد على معان إنسانية وتلتقط لحظات خاصة من حياة إنسان مصر البسيط العامل والفلاح.. المرأة، الأطفال.. وحتى الطيور والحيوانات الأليفة والثعابين.
وتماثيل هذا الفنان البديع تقدّم نموذجًا فريدًا فى الجمع بين العفوية والمصرية والرمزية، وفنون التشكيل الأكاديمية التى تعلّمها خلال دراسته لمدة أربع سنوات فى القسم الحر النهارى فى كلية الفنون الجميلة.
كان عليّ – ضمن اهتمامى برصد ملامح الحركة التشكيلية – أن أتعرّف على تاريخ هذا الفنان الظاهرة.. فعلمت أنه إنسان عصامى لم يكمل تعليمه بعد مرحلة «الكتّاب» لضعف إمكانات الأسرة وحاجتها لتشغيله فى سن مبكرة ليساهم فى مواجهة أعباء المعيشة.
وهو يهوى الفن، ويصنع فى أوقات فراغه تماثيل من الطين لجنود.
لماذا جنود؟!
لأنه فى صباه كان شغوفًا بأن يصبح جنديًا، وقد تقدّم لتحقيق حلمه إلا أنه لم ُيقبَل والسبب هو ضعف فى عينيه، فأصابه الإحباط.. وألحقه أهله بالعمل كمساعد طباخ فى بيت عائلة كبيرة فى ملوى.
لكن حبه لفن نحت التماثيل جعله يشارك فى مسابقة «مختار» للنحت.
وبمعاونة من هذه العائلة وكبيرها «الخواجة» تادرس، تيسر له الاشتراك فى المسابقة التى كان موضوعها «ست الحسن» حيث صمم تمثالًا على هيئة فلاحة جميلة تمشّط شعرها..
وفاز الشاب الصعيدى صاحب الجلباب الأبيض فى المسابقة التى كانت ترعاها هدى شعراوى، زعيمة تحرير المرأة صاحبة مبادرة خلع الحجاب وراعية الفنون، واشترت التمثال لإعجابها به وبمبدعه عبدالبديع عبدالحى وأدهشها أنه يعمل طباخًا فى المنيا فألحقته بالعمل فى مطبخ قصرها فى القاهرة لترعى موهبته الفنية.
كما ألحقته بالقسم النهارى الحر فى كلية الفنون الجميلة ودرس فن النحت تحت إشراف المثال عبدالقادر رزق.
وفى مسابقة «مختار» أخرى للنحت سنة 1944 كان الموضوع «العامل المصرى» تقدّم عبدالبديع منافسًا لفنانين كبار هم السجينى والعجاتى والعزازى وفتحى محمود، وعبدالقادر مختار، مشتركًا بتمثال «طارق النحاس» وفاز على كل هؤلاء!

وتوالت المسابقات وتوالى فوزه بها.
فاز بأربع منها على التوالى، والمسابقة الرابعة نظمتها مدرسة الليسيه فرانسيه ورغبة من طالبات المدرسة فى الحصول على التمثال الفائز الذى صممه عبدالبديع تبرعت كل طالبة بنصف جنيه فجمعن مبلغ 30 جنيهًا لشراء التمثال، وتقديرًا منه قام بصنع نسخ متعددة للتمثال الصغير وأعطى واحدة لكل طالبة!
واستمرارًا من السيدة هدى شعراوى فى تقدير موهبته وتشجيعه أعلنته أنها ستتكفل بنفقات دراسته فى إيطاليا.. لكنه رفض ذلك شاكرًا عنايتها به، كما رفض منحة قدّمها له الدكتور طه حسين وزير التعليم، للدراسة فى فرنسا.
والسبب هو تعلقه بمصر وعدم رغبته فى خلط موهبته الفطرية التلقائية بالمفاهيم والقواعد الغربية الأجنبية.. قال لى: لو رحت ساعتها لأوروبا.. أعمل إيه؟.. أروح فين فى حارة السقايين؟.. أنا مصرى ولازم فنى يكون مصرى زيى.
المكان المناسب
عن ورشته الشاسعة كانت عبارة عن «حوش مدافن» فى مصر القديمة وجد أنه المكان المناسب لحياته مع تماثيله! ومنذ البداية كان ملحوظًا أن أعماله تعكس حياته وحياة وأعمال الكادحين مثله من المصريين بآمالهم وآلامهم.
كنت أسأله عن سر تعلقه بالخامات القاسية فيجيب أنه ينتمى إلى هذه الخامات ويشعر بها ويعايشها ويستمتع بما يمكن أن يبتكره.. ويستهويه تحويل الخامة الخشنة إلى عمل فنى.
ويكرر: الجمال يظهر فيها بالنعومة.
وعن كيفية صنعه للتماثيل من هذه الخامات الصعبة نعرف أنه كان يقوم بذلك بصبر شديد وعلى مراحل.
فهو أولًا يضع فكرته الأولى فى تمثال يصنعه من الطين الأسوانلى، ثم يصبه فى قالب من الجبس وبعدها يبدأ فى التعامل مع الجرانيت أو البازلت ليخرج من هذه الصخور تمثاله الناطق بمشاعره وأفكاره.
تجاوزت شهرة عبدالبديع الحدود بسبب مصريته وتلقائيته وتعامله مع الصخور.
فعندما شارك فى معرض أوزاكا فى اليابان، أحدثت أعماله ضجة، لأنها كانت من الجرانيت. كما شارك فى معارض دولية فى فرنسا وإيطاليا وهولندا.. وغيرها.
وأذكر أنه كان دائمًا يشيد بالفترات التى قضاها فى مرسم الأقصر التابع لكلية الفنون الحميلة وكان يشرف عليه الفنان صلاح طاهر.

ويعتبر عبدالبديع أن المرسم أتاح له العيش مع أجدادنا الفراعنة واستلهام فنونهم وتفوقهم فى التعامل مع الصخر. ويكرر أن هذه المرحلة كانت بالنسبة له ولتطور فنه أفضل بكثير من الدراسة الأكاديمية فى أوروبا التى رفضها أكثر من مرة لرغبته فى التواصل مع إبداع المصريين القدماء صناع أول حضارة إنسانية عرفها العالم.
وفى الأسبوع المقبل نواصل