رشدي الدقن
صراع «ضباع الإخوان» على أموال التنظيم
كيف تحولت الجماعة الإرهابية لشركة تجارية عائلية؟!
فى أحد مكاتب لندن الباردة، حيث تُدار «جبهة» من جبهات تنظيم الإخوان «الإرهابى» الذى طالما قدّم نفسه بوصفه «أمة داخل أمة»، لم يعد النقاش يدور حول مشروع أو رؤية أو حتى مراجعة فكرية.. صار الحديث أكثر مباشرة، وأكثر قسوة.. من يملك المال.. وكيف تدار الأموال للمصالح الشخصية ؟ ومن يوقّع على التحويلات؟ ومن سرق من؟
هكذا، وبلا مواربة، انتقل الصراع داخل جماعة «الإخوان» الإرهابية من خلاف على الشرعية التنظيمية إلى مواجهة مفتوحة حول المال والنفوذ والتمثيل القانوني. وبين «جبهة لندن» و«جبهة إسطنبول»، لم تعد المعركة بيانات متبادلة فقط، بل شكاوى قضائية، واتهامات علنية بالفساد، وتسريبات عن حسابات مصرفية وشركات واجهة ومؤسسات خيرية.

فى قلب هذا المشهد، يقف القائم بأعمال المرشد بجبهة لندن، صلاح عبد الحق، مُكثفًا رسائله إلى الداخل، كمن يحاول ترميم بيت تتساقط جدرانه، بينما يتنازع الورثة على ما تبقى فى الخزائن.
منذ وفاة القائم بالأعمال السابق إبراهيم منير فى نوفمبر 2022، دخل التنظيم مرحلة فراغ قيادى حاد... سارعت «جبهة لندن» برئاسة عبدالحق إلى ترتيب بيتها الداخلي، فيما أعلنت «جبهة إسطنبول» تمسكها بقيادة موازية ممثلة فى محمود حسين.
وهكذا، صار للتنظيم خطابان، وموقعان رسميان، ومتحدثان، ومؤسسات تدّعى كل منها أنها «الشرعية».
فى البيانات المتبادلة، تكررت عبارات مثل «انتحال الصفة» و«الكيانات الموازية» و«القرارات غير الشرعية».
خلف اللغة القانونية، كان السؤال الأعمق: من يملك السيطرة على الموارد؟
التنظيم الذى انتشر لعقود عبر شبكات تبرعات واستثمارات ومؤسسات تعليمية وخيرية فى أوروبا وتركيا، وجد نفسه أمام معركة ملكية... من يحق له التحدث باسم «الجماعة» أمام البنوك؟ من يملك حق إدارة الجمعيات المسجلة؟ من يتحكم فى أرصدة الخارج؟
مصادر مطلعة على تحركات الجبهتين تحدثت عن اتهامات متبادلة بالاستيلاء على أموال التبرعات، وتجميد حسابات، ومحاولات تغيير مجالس إدارات جمعيات مرتبطة بالتنظيم فى بريطانيا وتركيا.
بعض هذه الخلافات خرج من دائرة «البيانات» إلى ساحات المحاكم الأوروبية.
فى لندن، حيث تخضع الجمعيات لقوانين صارمة للشفافية، طُرحت تساؤلات حول إدارة أموال تبرعات قُدمت باسم «دعم الأسر» و«الإغاثة»، بينما اتهمت «إسطنبول» خصومها بمحاولة احتكار الموارد و«تجفيف» مصادر التمويل عنها.
فى المقابل، تحدثت «لندن» عن «تجاوزات مالية» و«تصرفات فردية» فى إدارة الأموال بالخارج... ولم تعد القضية فقط من يقود، بل من يموّل ومن يُحاسب.
فى إسطنبول، المدينة التى كانت ملاذًا سياسيًا وإعلاميًا لعدد كبير من قيادات وكوادر جماعة «الإخوان»، لم يعد الصراع اليوم فكريًا أو تنظيميًا فحسب... إنه صراع على الطوب والأسمنت… على مبنى بعينه، اشترته الجماعة فى ذروة حضورها الخارجي، ثم صار عنوانًا لانقسامها، وملفًا مطروحًا أمام القضاء التركي.
ذلك المبنى، الذى كان يُفترض أن يكون رمزًا لـ«التمكين فى المنفى»، تحوّل إلى شاهد على انقسام عميق بين جبهتى لندن وإسطنبول، وإلى عقدة قانونية ومالية تكشف حجم التصدع داخل التنظيم.
السقوط
على مدى عقود، بنت الجماعة خطابها على فكرة «النزاهة» و«العمل الدعوي» و«الزهد فى الدنيا»... لكن تبادل الاتهامات بالسرقة والفساد المالى بين قيادات الصف الأول هزّ هذه الصورة.
فى بيانات غير مباشرة، لوّحت كل جبهة بوجود «ملفات» و«مستندات» تدين الأخرى.
تسريبات على مواقع التواصل الاجتماعى تحدثت عن تحويلات مالية، وعن ممتلكات بأسماء أفراد، وعن غياب الرقابة المؤسسية.
بالنسبة للقاعدة التنظيمية، خاصة الشباب الذين انخرطوا بدافع أيديولوجي، بدا المشهد صادمًا.
فالصراع لم يعد على «المنهج» أو «الموقف من الدولة»، بل على إدارة المال. وهو ما دفع بعض المنشقين إلى الحديث علنًا عن «تحول الجماعة إلى شركة عائلية».
وصول الخلاف إلى المحاكم الأوروبية والتركية لم يكن مجرد تفصيل إجرائي، بل مؤشر على عمق الأزمة... فحين يلجأ تنظيم سرى الطابع إلى القضاء المدنى لحسم نزاعاته، فهذا يعنى أن القنوات الداخلية للتسوية انهارت.
فى هذا السياق، يمكن فهم تكثيف صلاح عبد الحق لرسائله إلى الداخل.

الرجل الذى أكد تجديد البيعة للمرشد العام محمد بديع، يحاول إعادة ربط الشرعية بالرمزية التاريخية، لا بالمال ولا بالموقع الجغرافى.
لكن خطابه، الذى دعا إلى «الاصطفاف» و«ترك الخلافات»، بدا أحيانًا كأنه يعالج الأعراض لا المرض... فالصراع لم يعد خلافًا شخصيًا، بل انقسامًا بنيويًا حول طبيعة التنظيم نفسه.
هل يستمر ككيان سياسى يسعى للعودة إلى المشهد؟ أم يتحول إلى شبكة دعوية اجتماعية؟ ومن يدير المرحلة الانتقالية؟ ومن يُشرف على الموارد؟
المتابعون لشئون الجماعة الإرهابية يرون أن التنظيم يعيش أخطر وأسوأ مراحله منذ تأسيسه.
فمع تبادل الاتهامات بالفساد المالي، يبدو أن الأزمة تجاوزت السياسة إلى الأخلاق التنظيمية ذاتها.. وهو ما دفع بعض الباحثين إلى الحديث عن انهيار يتسارع تدريجيًا لا يحتاج إلى قرار حلّ، بل يكتمل بتآكل الثقة الداخلية تمامًا، وهو ما يحدث بالفعل على الأرض منذ فترة.
فى الخلفية، يراقب الغرب تطورات المشهد.
ففى أوروبا، تخضع الجمعيات ذات الصلة بالحركات الإسلامية لتدقيق متزايد، خاصة فى ما يتعلق بالتمويل والارتباطات العابرة للحدود.
بعض الدول الأوروبية أعادت تقييم أنشطة كيانات مرتبطة بالتنظيم، وفرضت قيودًا أو حظرًا على جمعيات بعينها.

فى الولايات المتحدة، ورغم عدم صدور قرار شامل بتصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا، فإن النقاش يعود إلى الكونجرس بين الحين والآخر، مدفوعًا باعتبارات أمنية وسياسية... ومع استمرار الانقسام الداخلى وظهور نزاعات مالية علنية، قد تجد هذه الدعوات لتصنيف التنظيم إرهابيًا بالكامل أرضية أكثر خصوبة.
أى تصنيف محتمل فى أوروبا أو أمريكا لن يكون مجرد خطوة رمزية، بل سيعنى تجميد أصول، وحظر أنشطة، وملاحقات قانونية محتملة... وهو سيناريو يزيد من حدة الصراع الداخلي: من المسئول عن الوصول إلى هذه النقطة؟
المفارقة أن تنظيمًا تأسس على فكرة «الإصلاح الشامل» يجد نفسه اليوم فى مواجهة ملفات قانونية.
منابر الدعوة تحولت إلى منصات لتبادل الاتهامات، والبيانات التربوية إلى ردود قانونية.
فى كواليس الصراع، يدور حديث عن أجيال شابة تفكر فى القطيعة الكاملة، وأخرى تبحث عن صيغة «تيار إصلاحي» منفصل طوال حياتها تتحدث الجماعة الإرهابية من آن لآخر عن «الإصلاح» وسط مفرخة إرهاب، لكن مؤخرًا ومع غياب مركز موحد، وتداخل المصالح المالية، يعقّدان أى محاولة للانفصال السلس.
الصراع بين «لندن» و«إسطنبول» لم يعد مجرد تنازع على لقب «قائم بالأعمال»... إنه صراع على الإرث، وعلى المال، وعلى إعادة تعريف «الجماعة» إن أمكن.
وإذا كانت التنظيمات السياسية يمكن أن تنجو من الهزائم، فإنها نادرًا ما تنجو من انقسامها على نفسها، خاصة حين يمتزج الخلاف الفكرى بالاتهام المالي، وحين تنتقل المعركة من الغرف المغلقة إلى ساحات المحاكم. فى تلك اللحظة، لا تعود الرسائل كافية.
ولا يكفى استدعاء الماضى لتجاوز الحاضر.. فالتنظيم الإرهابى الذى اعتاد الحديث عن «الثبات» يجد نفسه اليوم أمام سؤال وجودي: هل ما يحدث إعادة تموضع مؤلمة.. أم بداية النهاية التى بدأت عدها التنازلى منذ سنوات؟!