أسلحة القوة الناعمة التى لا تُقهر
طارق مرسى يكتب:
لوحة شرف درامية فى «صحاب الأرض»
نحن فى مسلسل «صحاب الأرض» أمام عمل فنى متكامل ووثيقة تاريخية عظيمة تجسد دور الفن والدراما فى كتابة وتوثيق التاريخ وصناعة الوعى، فى تفاصيل تتجلى فيها القوة الناعمة فى التجسيد المؤثر، إنه فخر ما أنتجته الشركة المتحدة هذا العام.
فبعد أحداث 7 أكتوبر 2023 التى وقعت داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة، وخلال ساعات بدأت إسرائيل هجومًا عسكريًا غاشمًا بضربات لم تفرق بين حجر وبشر، مع فرض حصار شامل وقطع الغذاء والمياه والوقود وحتى الإمدادات الطبية، المدنيون الفلسطينيون وجدوا أنفسهم فى قلب معركة بلا ملاذ آمن يواجهون خطر الإبادة الجماعية.

ترجمة لكل العالم
هكذا كتب صناع فى تتر المسلسل وهكذا تقول حلقاته الأولى وأحداثه التى هزت الجميع من أول مشهد وتلخص تاريخًا طويلًا من الإثم والعدوان، والرائع فى العمل هو ترجمته إلى الإنجليزية ليكون شهادة تاريخية للعالم، إن ذكاء الحبكة الدرامية هى لجوء المؤلف عمار صبرى ومطور السيناريو «محمد هشام عبية» والمخرج «بيتر ميمى» إلى بناء الأحداث بواقعة إنقاذ الطفل يونس من بين الأنقاض كالخارج من بطن الموت والعدوان، ليكتب تاريخًا جديدًا من الصمود والتضحية والنضال لأصحاب الأرض ويعيد إلى الأذهان قصة سيدنا يونس الذى خرج من بطن الحوت بأمر من الله استجابة لدعائه. كما ترسم الأحداث الدور المصرى التاريخى والممتد من خلال سلمى أو منة شلبى الطبيبة المصرية التى تتحدى الأخطار وتذهب وسط النيران إلى غزة مع قافلة من الهلال الأحمر المصرى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الضحايا وعلاج المصابين من القصف الغادر ومنزل ناصر «إياد نصار» هنا نموذج الفلسطيني حيث ينهار أمام عينه وبداخله جميع إخوته وأبنائه، وفى المستشفى تحاول سلمى الطبيبة المصرية علاج الطفل يونس ابن شقيقه الذى نجا من القصف وإنقاذ ناصر نفسه بعد اقتحام قوات الاحتلال المستشفى بعد قصفه بدعوى وجود مشتبه فيهم، وتحاول «كارما» ابنة ناصر الوصول إليه، بينما يسعى بكل الطرق للوصول إليها بكل الطرق بمساعدة سلمى.
يا مويا الهوا
المخرج بيتر ميمى -باستثناء مشهد يؤجج للتطرف الكروى فى الحلقة الأولى وهو بلا معنى قومى أو عروبى- يداخلك الأحداث مباشرة بوقائع طبق الأصل من الواقع المؤلم، بينما يأخدك الموسيقار أمين بو حافه إلى كل تفاصيل المأساة بعمق وحساسية شديدين بعد عنوان ومشهد يلخصان الحلقة ويأتى بعدهما تتر مؤثر مأخوذ من التراث الفلسطينى بعنوان «يامويا الهوا» بصوت أمير عيد وناى برغوثى ومن كلمات أحمد دحبور.
ثم تتوالى التفاصيل المأساوية والتى تمثل جريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية وتفاصيل تفضح انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلى وإبراز الصمود الفلسطينى للحفاظ على الأرض والدور المصرى فى إفشال مخططات التهجير.

وثيقة تاريخية
صحاب الأرض وثيقة تاريخية إنسانية أقوى من «تسريبات إبستين»، أثار قلق الإعلام العبرى بشكل موسع وهيئة البث الإسرائيلية قبل عرضه، كما أحدث عند عرضه ذعرًا فى إسرائيل ومراكز صنع القرار فى تل أبيب بدعوى أنه لا يعرض إسرائيل فى صورة إيجابية، فالمسلسل لا يسجل معاناة أهالينا فى غزة وفلسطين فقط، بل يرسم أوجاع كل من يساعد فى تخفيف هذه الآلام كما يضرب تعظيم سلام للمتمسكين بأرضهم والمؤمنين بنصرة أهالينا فى فلسطين التى تحولت منازلهم إلى قبور، كما يبرز دور الإعلام المصرى وسط الأخطار متمثلًا فى قناة مصر الإخبارية التى نجحت فى متابعة الحدث لحظة بلحظة وكشف الوجه القبيح للعدو الصهيونى منذ أكتوبر 2023 وحتى الآن.
رحلة حياة
فى رحلة حياة وبقاء مليئة بالأمل والإنسانية وتطلع إلى مفتاح العودة الفلسطينى وتحمل شعار «يا شعبنا يا بطل افديك بعينيا» تمرح موهبة «منة شلبى» الحقيقية والتى هى على موعد فيه لتقديم أهم أدوارها الدرامية ويضاف إلى كتالوج مسلسل «بطلوع الروح»، وإياد نصار يثبت أنه ممثل من طراز خاص ومتمكن فى تجسيد أى دور صعب ومركب.
«منة» و«إياد» قدوة حسنة فى الأداء والإحساس الصادق ومعهما الممثل الفلسطيني البارع كامل الباشا صاحب المشوار الفنى الحافل، ومعهم أكثر من 11 ممثلًا وممثلة عربية فى أداء عالى الصدق والإيمان بالقضية الفلسطينية «آدم بكرى وتارا عبود وسارة يوسف وإيناس الفلال وديانا رحمى ونجوى قندقجى وجوانا عريضة وراون الغابة ويزن عبيد وحماد الشبراوى وكيرا يغنم وإياد حورانى وشيرين جاس».. كل هؤلاء فى لوحة شرف درامية تصلح أن تكون عملًا سينمائيًا عالميًا.