«تعفن الدماغ» فى أدمغة منتحرة
كارين اليان ضاهر
ما كان يبدو خيالًا أو مبالغة قبل أعوام، أصبح اليوم واقعًا يوميًا فى عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. فبينما لا أحد ينكر فوائد العالم الرقمي، يحذر المتخصصون من ثمن باهظ يدفعه الدماغ نتيجة الإفراط فى استهلاك محتوى سريع، وسطحي، وقليل الجودة.
لو تحدثنا عن «تعفن الدماغ» من أعوام مضت، لبدا حديثنا بعيدًا من المنطق والواقع، لكن فى عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى أصبح الحديث عن «تعفن الدماغ» يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالواقع، ويشير إلى حال طبيعية فى زمن أصبح فيه المحتوى الرقمى يشكل جزءًا جوهريًا فى حياة كل فرد لا بل يسيطر عليها.
فلم ينكر أحد يومًا الأثر الإيجابى لوجود الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى فى حياتنا، لكن بات واضحًا للمتخصصين أن التداعيات السلبية كثيرة. ويعتبر مصطلح «تعفن الدماغ» إحدى تلك النتائج بعدما تحولت هذه الآفة التى تتعلق بالاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جائحة اجتاحت العالم، وهى لا تقل خطورة عن جائحة كورونا، التى «أرعبت» العالم قبل أعوام مضت، لا بل قد تتفوق عليها بذلك.
ذاكرة مهددة
«تعفن الدماغ» مصطلح حديث يعكس الواقع فى زمن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، هى حال ترتبط بالتدهور الفكرى نتيجة الاستهلاك المفرط لمحتوى الإنترنت القليل الجودة، مما يؤثر سلبًا فى التركيز والذاكرة والإبداع، كما تبين للمتخصصين.
صحيح أننا لا نشير هنا إلى مرض يمكن تشخيصه بالفحوص العادية أو يمكن معالجته بالأدوية، إنما هى ظاهرة سلوكية ناتجة عن الاستهلاك الزائد لوسائل التواصل الاجتماعى وإدمانها.
فى مثل هذه الحال يحصل تدهور فى الحال العقلية والفكرية بسبب المحتوى الرقمى المنخفض الجودة لدى الإفراط فى استهلاك الفيديوهات القصيرة التى تعرف بـ«ريلز»، والتمرير السريع على وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد الزائد على التكنولوجيا.
توضح الطبيبة الاختصاصية فى أمراض الجهاز العصبى فى مركز بلفو الطبى الدكتورة حنين هلال، أنه فى الأعوام الأخيرة، بدأت دراسات حديثة تتناول تأثير الوقت الذى يمضيه الإنسان فى وسائل التواصل الاجتماعى وأمام الأجهزة الإلكترونية، وذلك حتى قبل تحول تطبيق «تيك توك» إلى ظاهرة عالمية وانتشار الفيديوهات القصيرة التى تنشر عبر هذا التطبيق بصورة غير مسبوقة.
تناولت الدراسات الأثر السلبى لوسائل التواصل الاجتماعى بصورة عامة، فى الذاكرة والقدرة على التركيز. وقد أُثبت فعليًا الأثر السلبى للاستخدام المفرط فى القدرات الذهنية.
كذلك تبين فى الوقت نفسه أن أبرز ما يعتبر إيجابيًا فى العالم الرقمى وله أثر جيد فى الدماغ، ألعاب الفيديو التى تحاكى الواقع والتى يلعبها الأطفال بمعدلات عالية، فقد تبين أن هذه الألعاب الإلكترونية التى تستدعى تشغيل الدماغ، وإيجاد حلول، وتتطلب رد فعل سريع، لها تأثير إيجابى بالفعل فى أدمغة الأطفال الذين يلعبونها.
وبرز شكل جديد مع تمضية ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية بسبب التمرير السريع ومتابعة الفيديوهات القصيرة.
وتقول هلال إنه «تبين بعد المقارنة بين مجموعة تمضى ساعتين أو أكثر على وسائل التواصل الاجتماعى وأخرى تمضى أقل من ساعتين أنه فى المجموعة الأولى، عانى المشاركون مشكلات فى التركيز على الانتباه، خصوصًا الأطفال منهم، عندما يتعرضون لها قبل النوم، إذ تبين أن التعرض لوسائل التواصل الاجتماعى وألعاب الفيديو قبل النوم، يؤثر مباشرة فى النوم العميق مع ما لذلك من تأثير سلبى فى الذاكرة والقدرة على التركيز، خصوصًا فى حال تخطى خمس ساعات خلال النهار، هذا ما يفسر مشكلات الذاكرة التى يعانيها الناس بمعدلات كبرى فى أيامنا هذه».
ما أصبح واضحًا أيضًا أنه من آفات العصر ما يعرف بـ«تشويش الدماغ» نتيجة التمرير السريع للمحتوى ومتابعة الفيديوهات القصيرة بكميات كبيرة.
يسبب ذلك حالًا تعرف أيضًا بضبابية الدماغ، ويمكن أن تتطور وتشكل عائقًا أمام إنجاز الأعمال والمهام الروتينية اليومية، إن كان على مقاعد الدراسة أو فى العمل.
وكما بات واضحًا ينعكس ذلك مباشرة على الأطفال إلى حد كبير، فيمكن ملاحظة أنهم لا يتابعون المهام التى لديهم ولا يركزون عليها بشكل تام، حتى قد ينجزون بعضها أثناء متابعة استخدام وسائل التواصل الاجتماعى والتمرير السريع على الأجهزة الإلكترونية، وهذا ينطبق على الكبار، فهم أيضًا لم يعودوا قادرين على متابعة المهام التى لديهم وإنجازها، ومن المتوقع أن تزيد الأمور سوءًا مع الوقت، وفق ما توضح هلال.

لا تنتج هذه المشكلات عن الاستخدام المحدود لوسائل التواصل الاجتماعي، بل إن الإدمان والتعلق الزائد بها أساس المشكلة، ويشبه هذا النوع من الإدمان أى نوع آخر من الإدمان، فيولد حالًا من القلق والخوف والعجز فى حال الابتعاد عن الهاتف لدى المدمنين، أطفالاً كانوا أم بالغين، فيشعرون بالفقد وبنقص فى حال عدم الحصول على الجهاز الإلكترونى أو على وسائل التواصل الاجتماعى عندما يغرقون فى حال الإدمان.
تصف هلال هذه المشكلة بأنها آفة خطرة تطاول الجيل الجديد بشكل واضح، كون الأطفال يمضون ساعات طويلة على الهاتف فى تمرير المحتوى سريعاً، وفى كثير من الأحيان يكون هذا المحتوى قليل الجودة، وهذا ما يترك أثره السلبى فى الدماغ، فى الوقت نفسه أدى هذا الواقع إلى تراجع مستويات النشاط الجسدى للأطفال، فهم يمضون ساعات أمام الأجهزة الإلكترونية من دون القيام بأى حركة، مما يخفف قدرة الجسد على ممارسة النشاط البدنى ويشعر الطفل بالكآبة والتعب والخمول.
وتكشف أنه فى المقابل، بقدر ما يتم العمل على تشغيل الدماغ بأنشطة ومهارات فكرية، يمكن تنمية قدراته لتبلغ مستويات أعلى.
ففى الدماغ مناطق عدة، ولكل منها وظيفة، وبقدر ما تعمل بمعدلات كبرى عبر أنشطة معينة، يزيد التواصل بين خلايا الدماغ لتعزيز قدرات المنطقة المعنية، فقد لا يكون الإنسان قادرًا على زيادة عدد خلايا الدماغ، لكن فى الأقل من الممكن تعزيز التواصل بين المناطق.
لكن ما تؤكده هلال أن التأثير السلبى الأكبر لوسائل التواصل الاجتماعى واستخدامها بشكل مفرط وصولًا إلى الإدمان، يكون فى أدمغة الأطفال بشكل خاص لأنها تكون فى طور النمو والخلايا الدماغية كذلك، مع كل ما لذلك من تأثير فى وظائف الدماغ والمناطق التى فيه.
وهذا التأثير يكون كبيرًا أيضًا فى المسنين، فكل منطقة فى الدماغ تنمو بحسب مستوى تحفيزها، والعكس صحيح، فتعرض مناطق الدماغ لأمور سخيفة ومحتوى قليل الجودة ومعلومات لا أهمية لها، ينعكس سلبًا على الدماغ.
محتوى سخيف
يكشف المختصون فى عالم التقنية أن الخوارزميات فى وسائل التواصل الاجتماعى تتغير وفق المدة التى يمضيها الفرد على محتوى معين متابعاً مواضيع معينة ومركزًا عليها، ومن ثم يكون من يمضى فترات طويلة على محتوى سخيف أكثر عرضة لظهور هذا النوع من المحتوى بشكل أساس له، مما ينعكس سلبًا على نمو الدماغ وصحته وقدراته، إضافة إلى أثر الركود وعدم ممارسة أى نشاط جسدي.
وبالنسبة إلى المسنين تحديدًا، مع التقدم بالسن يخسر الدماغ من خلاياه ومن ثم تكون هناك حاجة إلى ما يسهم فى تعزيز الصلة بين مناطق الدماغ، أما التعرض المفرط لمحتوى قليل الجودة فيسهم فى تعزيز هذا التدهور فى قدرات الدماغ.
المطلوب هو تعزيز قدرات الدماغ من خلال الأنشطة التى تحفزه، فهى من الأمور الأساسية التى يُنصح الإنسان بالقيام بها فى مختلف الفئات العمرية، وخصوصًا مع التقدم بالعمر لأنه يعزز الصلة بين مناطق الدماغ مما يساعد على الحفاظ على خلاياه فى الأقل وتجنب خسارة مزيد منها، وهذا ما يفسر ما يحصل مع مريض ألزهايمر الذى يخسر مزيدًا من الوظائف والقدرات بسبب عدم قيامه بأنشطة تساعد على تحفيز الدماغ.
بما أن المشكلة الأساسية وراء ظاهرة «تعفن الدماغ» هى فى التمرير السريع للمحتوى القليل الجودة، وهى ظاهرة يعتاد عليها الدماغ وتؤثر سلبًا فيه، ما قد يساعد على مكافحتها هو التركيز أكثر على المعلومات المفيدة والمحتوى الأكثر جودة، مما يعنى حكمًا الحد من الأثر السلبى فى الدماغ.
وبالنسبة إلى الأطفال بشكل خاص قد لا يكون من الممكن حرمانهم بشكل تام من الأجهزة الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعى حفاظًا على قدراتهم الذهنية، لكن يمكن فى الأقل التركيز على طبيعة المحتوى الذى يتابعونه، بحيث يكون أكثر جودة، وحمايتهم من المحتوى السخيف الذى يؤثر سلبًا فى أدمغتهم.
فى الوقت نفسه من المهم تجنب قدر الإمكان تعرضهم لوسائل التواصل الاجتماعى قبل موعد النوم ، بعدما أظهرت الدراسات أن لذلك أثرًا كبيرًا فى القدرة على النوم العميق، ومن ثم فى قدراتهم الذهنية كالتركيز والذاكرة.
وتؤكد: إهمال هذه الأمور يمكن أن يؤدى إلى الاتجاه نحو الأسوأ، فلا يعود من الممكن العودة إلى الوراء، وتصحيح ما خسره دماغ الإنسان.
نقلًا عن إندبندنت عربية



