الخميس 12 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أقنعة الحب الـ 7؟!

وجوه أخرى للمشاعر حين تختلط العاطفة ويتوه الإحساس  



المشاعر الإنسانية ليست قالبًا واحدًا، ولا تقاس دائمًا بما تعلنه أو تظهره، فالعلاقات العاطفية، مهما تشابهت مسمياتها، تختلف فى دوافعها، وحدودها، وأثرها النفسى على أطرافها، فبعضها يمنح الطمأنينة، وآخر يفرض قيودًا، وغيرها تستنزف فيها المشاعر باسم القرب أو العطاء.

لا يمر عيد الحب كمجرد مناسبة للاحتفاء، بقدر ما يتحول إلى لحظة كاشفة، تعيد طرح أسئلة قديمة حول معنى العاطفة، وحدودها، وعلاقتها بالصحة النفسية، فالمشاعر التى نحتفى بها ليست دائمًا واحدة، ولا تمارس بالطريقة نفسها، حتى وإن حملت الاسم ذاته.

 

ونحاول هنا الاقتراب من المشاعر كما هى، وليس كما نحب أن نراها، نرصد وجوهًا متعددة للعلاقات العاطفية، بعضها يوفر الأمان، وبعضها يستهلك أصحابه، وأخرى يختلط فيها القرب بالخوف، والعطاء بالاستنزاف، فى محاولة لفهم كيف نُحب، ولماذا تستمر بعض العلاقات، بينما تتآكل أخرى، رغم تشابه العناوين.

العاطفة المشروطة  

فى بعض العلاقات العاطفية، لا تكن المشاعر مساحة أمان بقدر ما تتحول إلى أداة ضبط، فهى علاقة تبدأ بدافع القرب، لكنها تدار لاحقًا بمنطق الخوف من الفقد، فيختلط الحرص بالسيطرة، وتعاد صياغة العاطفة فى صورة قواعد وحدود صارمة.

يقول الدكتور حسام صبرى، الطبيب النفسى بمستشفى العباسية، إن هذا النمط من العلاقات يبنى فى الأساس على الخوف وليس الثقة، موضحًا أن المشاعر هنا لا تستخدم للتقارب، ولكن للتحكم، فالقرب العاطفى يختزل فى المراقبة، وتبرر القيود باسم الغيرة أو الحرص الزائد، دون إدراك لما تفرضه من ضغط نفسى.

ويؤكد صبرى، أن هذا السلوك غالبًا ما يرتبط بعدم الأمان الداخلى، حيث يسعى الشخص الذى يخشى الفقد بشدة، إلى السيطرة على الطرف الآخر كآلية دفاع نفسى، وليس تعبيرًا عن عمق المشاعر أو قوتها.

ومع مرور الوقت، تفقد العلاقة توازنها، حيث تتحول من شراكة قائمة على الاختيار الحر، إلى علاقة تدار بالخوف من الخسارة، لتصبح المشاعر مشروطة، لا متبادلة.

علاقة بلا اختيار

هناك أنواع من العلاقات العاطفية، لا تدار فيها المشاعر باعتبارها مساحة حرة، ولكن تخضع لمنظومة غير معلنة من القبول والرفض، حيث يفضل فيها التوافق والانصياع، بينما يقابل الاختلاف باللوم أو التجاهل أو العقاب العاطفى، لتتحول العلاقة تدريجيًا إلى معادلة قائمة على الامتثال وليست المشاركة، وعلى التوجيه لا الحوار.

ويشير الدكتور حسام صبرى، إلى أن هذا النمط يتشكل غالبًا حين تختلط العاطفة بالسلطة، خاصة فى العلاقات طويلة الأمد، موضحًا أن أحد الطرفين قد يتبنى دور «الأحرص»، ويعيد تعريف الاهتمام بوصفه معرفة بما هو أصلح للطرف الآخر، حتى وإن كان ذلك على حساب إرادته أو رغبته الحقيقية.

وأضاف الطبيب النفسى، أن هذا النوع من العلاقات يحمل سمات مرضية واضحة، حيث تستخدم المشاعر كوسيلة ضبط نفسى، وليست أداة تواصل، ما يؤدى إلى إضعاف قدرة الطرف الآخر على اتخاذ القرار، ويخلق اعتمادًا نفسيًا غير صحى.

ويوضح، أن استمرار هذا النمط يخل بتوازن العلاقة، حيث يختل ميزان القوة تدريجيًا، ويتراجع الإحساس بالاستقلال النفسى لدى الطرف الأضعف، وهنا لا تقوم العلاقة على الاختيار الحر، ولكن الخوف من فقدان القبول أو الدعم العاطفى.

 

 

 

الاعتياد العاطفى

فى بعض العلاقات، لا يكون الاستمرار نابعًا من مشاعر حقيقية بقدر ما يكون نتاج الاعتياد، ويقول دكتور صبرى، يتشكل هذا النمط عندما تتحول العلاقة إلى جزء ثابت من الروتين اليومى، فيستمر الارتباط حيث إن الانفصال هنا يبدو مربكًا.

ويشير الطبيب النفسى، إلى أن الاعتياد العاطفى قد يفهم باعتباره استقرارًا، وهذا خطأ لأنه فى جوهره حالة من الجمود، حيث تتراجع المشاعر تدريجيًا، ويحل محلها شعور بالالتزام أو الخوف من التغيير.

وأضاف، أن هذا النمط شائع فى العلاقات الطويلة التى لم تراجع ذاتها مع الوقت، فتصبح قائمة على التاريخ المشترك وليس الحاضر، ورغم هدوئه الظاهرى، فإن الاعتياد العاطفى يمنع الطرفين من النمو، ويجعل العلاقة مستمرة شكليًا، خاوية شعوريًا.

العطاء حتى الإنهاك

توصف التضحية فى الثقافة العامة بأنها علامة إخلاص ونبل، وغالبًا ما ينظر إلى القدرة على التنازل باعتبارها دليلًا على عمق المشاعر، ولكن يفرق علم النفس بوضوح بين العطاء القائم على التبادل، والعطاء الذى يتحول تدريجيًا إلى عبء نفسى يستنزف صاحبه، ويفقد العلاقة توازنها.

ففى هذا النوع من العلاقات، لا يكون العطاء فعلًا اختياريًا، بل يصبح مطلبًا دائمًا يلقى على طرف واحد، بحيث يقاس حضوره داخل العلاقة بمدى ما يقدمه من تنازلات، ولكن مع الوقت، لا يعود هذا الطرف قادرًا على التمييز بين الرغبة فى العطاء، والخوف من فقدان العلاقة إذا توقف عن التضحية.

وأوضح الدكتور حسام، أن هذا النمط يرتبط فى كثير من الأحيان بصورة ذاتية مشروطة، حيث يشعر الشخص بقيمته فقط عندما يكون معطاء، فيربط استحقاقه للحب بقدرته على التحمل والتنازل، ولكن فى هذه الحالة يتحول العطاء من تعبير صحى عن المشاعر إلى التزام نفسى مرهق، لا يسمح بالاعتراض أو التراجع.

ومن منظور اجتماعى، تشير دكتورة أمل شمس، أستاذة علم النفس والاجتماع، إلى أن هذا الشكل من العلاقات يغذى أحيانًا بثقافة تمجد التضحية غير المتوازنة، خاصة عندما تقدم على أنها فضيلة مطلقة، دون الالتفات إلى أثرها على الصحة النفسية، وتؤكد أن العلاقة التى تقوم على طرف مضحى دائمًا، وآخر متلق، لا يمكن أن تنتج شراكة مستقرة.

الهروب من الوحدة

فى بعض العلاقات، لا يكون الدافع الأساسى هو القرب بقدر ما يكون تجنبًا للفراغ المحتمل، حيث تبدأ علاقة كملاذ نفسى، وليس كاختيار واعٍ، وهنا يصبح الارتباط وسيلة لملء مساحة خالية أكثر منه تعبيرًا عن رغبة حقيقية فى الشراكة.

أشارت دكتورة أمل شمس، أستاذة علم النفس والاجتماع، إلى أن الخوف من الوحدة يدفع بعض الأفراد إلى التمسك بعلاقات لا تمنحهم بالضرورة الأمان أو التفاهم، موضحة أن العلاقة فى هذه الحالة تتحول إلى درع نفسى يخفف وطأة العزلة، حتى وإن افتقدت مقومات الاستقرار العاطفى، فالقرب هنا لا ينبع من الانجذاب أو التوافق، ولكن من الحاجة إلى وجود الآخر كضمان نفسى.

وقالت إن الخوف من الوحدة، قد يدفع الفرد إلى قبول أنماط من العلاقات لا يرضى عنها نفسيًا، ويصبح الانفصال فى هذه الحالة تهديدًا مباشرًا للاستقرار النفسى، وليس خطوة لإعادة التوازن، وقد يطيل هذا النوع من الارتباط أمد علاقة ولكنها غير صحية، ويؤخر مواجهة الذات بدلًا من حل الإشكالية الأساسية وغالبًا ما تستمر هذه العلاقات رغم الشعور بعدم الرضا، لأن البقاء يبدو أقل قسوة من مواجهة الفراغ.

مشاعر بلا ضجيج

على خلاف الصور الشائعة التى تربط المشاعر بالاندفاع والتقلب، تقوم بعض العلاقات على الهدوء والوضوح، حيث لا تقاس قوة العاطفة بحدتها، ولكن قدرتها على الاستمرار، والقرب هنا ليس صاخبًا، ولا تستمر العلاقة على إيقاع المفاجآت، بقدر الثقة والاحترام المتبادل.

وترى دكتورة أمل شمس، أن هذا النوع من العلاقات، لا يجذب الانتباه بسهولة، وغالبًا ما يساء تفسيره باعتباره فتورًا أو اعتيادًا، خاصة فى ظل ثقافة تمجد المشاعر المعلنة والانفعالات السريعة، كما أن غياب الضجيج لا يعنى غياب العمق، لكنه يمكن أن يكون مؤشرًا على نضج عاطفى، حيث يشعر الطرفان بالأمان دون الحاجة إلى إثبات دائم.

وأوضحت أستاذة علم النفس، أن هذا الشكل من القرب العاطفى يتيح مساحة للنمو الفردى داخل العلاقة، دون خوف من الهجر أو الابتزاز العاطفى، والاستقرار هنا لا يتناقض مع المشاعر، بل ينظمها ويمنحها شكلًا أكثر اتزانًا، فالطمأنينة هنا لا تعنى غياب العاطفة، بقدر حضورها فى صورتها الأقل استعراضًا، والأكثر قدرة على البقاء.

 

 

 

علاقة متوازنة

فى هذا المستوى من العلاقات، لا تقاس المشاعر بدافع الخوف، ولا تقدر بكم التضحيات أو شدة التعلق، ولكنها تبنى على إدراك متبادل بأن القرب لا يلغى الفرد، والمشاركة لا تعنى الذوبان، فهى علاقة تقوم على الوضوح، وتمنح لكل طرف حقه فى الاختلاف دون أن يتحول ذلك إلى تهديد.

وتؤكد أستاذة علم النفس، أن هذا الشكل من الارتباط من أقل الأشكال شيوعًا، لأنه يتطلب وعيًا نفسيًا، وقدرة على الفصل بين الاحتياج العاطفى والرغبة الحقيقية فى المشاركة.

وفى هذا السياق، لا تستخدم المشاعر للسيطرة، ولا تفرض التنازلات كشرط للاستمرار، ولكن توزع المسئولية بشكل مشترك، وينظر إلى الحدود بوصفها عنصر حماية لا تهديد، فالعلاقة هنا لا تسعى إلى الامتلاك، ولا تبنى على الاستنزاف، بقدر الاحترام المتبادل.

تكشف هذه الأشكال، أن بعض العلاقات تستمر بدوافع مختلفة، منها القائمة على الخوف، أو الاعتياد، أو الحاجة، وأخرى تنمو وتستمر على الاختيار والوعى والاحترام المتبادل.

ويصبح سؤال.. كيف نُحب؟.. مفتوحًا على الوعى قبل العاطفة، والصحة النفسية قبل الاحتفاء بالشعارات، وتحمل المسئولية المشتركة.