أمريكيون ينتظرون نبوءات «فأر الأرض»!
من واشنطن: محمد مقبل
ستة أسابيع أخرى من الشتاء بانتظار سكان أمريكا الشمالية..!
هكذا تنبأ فأر الأرض «بونكسو تاونى فيل» بعد أن أحجم عن الخروج من جحره اتقاءً لبرد الشتاء القارس ..!
ليس هذا مطلعا لرواية خيالية، لكنها بعضُ المراسم الاحتفالية التى يشارك فى إحيائها نحو أربعين ألفًا من سكان الولايات المتحدة وكندا مطلع فبراير من كل عام، ويتم خلالها التكهن بما إذا كان فصل الشتاء قد شارف على الانتهاء أم أنه سيبقى لستة أسابيع أخرى، وذلك استنادا إلى نبوءة حيوان (فأر الأرض) العجيب الذى تفيد الأسطورة بأنه يبلغ من العمر 139عامًا وأنه كائن لا يموت!
بحسب الموروث الشعبى المحلى فى ولاية بنسلفانيا الأمريكية، فقد اعتاد أهالى الولاية التجمع فى الثانى من فبراير من كل عام عند الساحة العامة فى قلب ضاحية «جوبلرز نوب» التابعة لبلدة «بونكسو تاونى» الواقعة غربى الولاية، حيث يحتشد الآلاف من الوافدين من شتى أرجاء الولايات المتحدة قبيل بزوغ فجر الثانى من فبراير، لمراقبة سلوك حيوان «فأر الأرض» المسمى «فيل» وما إذا كان سيغادر جحره أم سيواصل بياته الشتوى.
وبحسب الطقس المتبع منذ أكثر من 130عامًا، فإن «بونكسو تاونى فيل» يخرج من جحره فى هذا اليوم ليستطلع أحوال الطقس، فإذا وجد السماء ملبدة بالغيوم وإن لم يتمكن من رؤية ظله على الأرض، فهذا يعنى أنه سينهى بياته الشتوى ويغادر جحره فلا يعود إليه إيذانًا بقرب نهاية فصل الشتاء. أما إذا ظل الطقس خاليًا من الغيوم، وتمكن الفأر من مشاهدة ظله، فهذا يعنى أنه سيلازم جحره لستة أسابيع إضافية، ما يعد وفقًا للموروث المحلى نذيرًا باستمرار فصل الشتاء مدة ستة أسابيع أخرى.
وتقام فى فبراير من كل عام فى بنسلفانيا وعددٍ من ولايات شمال شرق الولايات المتحدة طقوسٌ احتفالية يغلب عليها الغناء الفولكلورى والرقص وتنتشر فيها مسابقات التزلج على الجليد ويجد فيها الكثير من أهالى بنسلفانيا مناسبة للتنزه والترويح عن النفس كما يعدها المجتمع البنسلفانى ذو الجذور الألمانية والهولندية بمثابة دعوة للاندماج فى نسيج المجتمع.
أصل الحكاية
تعود جذور يوم فأر الأرض «جراوند هوج داى» إلى ما يسمى بعيد الشموع Candlemas، وهو احتفالٌ مسيحيٌ قديمٌ كان يُقام فى أوروبا منتصف الشتاء وكان الهولنديون والألمان يحتفون به ويعدون له المراسم الاحتفالية، خاصة فى ألمانيا، حيث اعتاد فيه الناس الخروج لمراقبة حيوان القندس الشبيه بالفأر الضخم، فإن رأى ظله، فهذا يعنى استمرار الشتاء.
ووفق الحكاية فإن المهاجرين الألمان الذين نزحوا إلى الولايات المتحدة أواخر القرن الثامن عشر واستقر قطاعٌ كبيرٌ منهم فى بنسلفانيا، لم يجدوا حيوان القندس فى أحراش الولاية فاستبدلوه بحيوان الجراوند هوج - Groundhog المنتشر فى غابات أمريكا والذى يسمى بفأر الأرض وهو من القوارض التى تعيش فى أطراف الغابات.
أما عن البعد التاريخى، فقد تم رصد أول احتفال رسمىٍ بيوم فأر الأرض فى الولايات المتحدة فى عام 1887 فى ضاحية «جوبلرز نوب» التابعة لبلدة بونكسو تاونى Punxsutawney الواقعة غرب ولاية بنسلفانيا والتى أصبحت موطن أشهر فأر أرضٍ فى العالم والذى اختاروا له اسم فيل Phil أو بونكسوتاونى فيل - Punxsutawney Phil.
أسطورة فأر الأرض
فأر الأرض هو أحد أشهر القوارض التى تستوطن قارة أمريكا الشمالية وتعيش فى المناطق العشبية والحقول، وأطراف الغابات، ويتركز انتشارها فى الولايات المتحدة وكندا وألاسكا. وينتمى فأر الأرض «الجراوند هوج» إلى فصيلة السنجابيات ويتراوح طوله بين 40 إلى 60 سنتيمترا ووزنه بين كيلوجرامين إلى 4 كيلوجرامات.
حيوان فأر الأرض بارعٌ جدا فى الحفر حيث أنه يمضى حياته مختبئا داخل أنفاقٍ متشعبة قد تصل إلى عدة أمتار فى عمق الأرض، فيستخدمها للمبيت ويقضى فيها فترة البيات الشتوى.
يلقب فأر بلدة بونكسو تاونى بـ«الفأر الذى لا يموت» نظرا لأن طقوس الاحتفال بدأت قبل 139 ثلاثين عاما ورغم ذلك فإن الفأر لا يشيخ ولا يموت!
ويرجع ذلك بطبيعة الحال إلى اهتمام منظمى الاحتفال السنوى باستبدال هذا الحيوان كل بضعة أعوام . لكن نظرا لأنه يصعب التمييز فى الشكل بين فأرٍ وآخر، فقد تحولت أسطورة فأر الأرض الذى لا يموت إلى دعابة تم بها تعزيز الرواية الأسطورية المصاحبة للاحتفال.
هوليوود
حتى مطلع التسعينيات من القرن العشرين لم يكن «يوم فأر الأرض» من المناسبات الاحتفالية ذائعة الصيت التى تحظى بتغطية إعلامية واسعة النطاق.
لكن الوضع تغير مع دخول حقبة التسعينيات من القرن العشرين حين خرجت علينا استديوهات هوليوود بفيلم «جراوند هوج داي» أى يوم فار الأرض فى عام 1993 بطولة النجم الأمريكى المخضرم «بيل موراى» والممثلة الأمريكية «آندى ماكدويل»، وتدور أحداث الفيلم حول شخصية «فيل كونورز» الذى يعمل مذيعًا تليفزيونيًا للنشرة الجوية، ويستعرض مغامرته فى ضاحية «جروبرز نوب» التى توجه إليها ضمن فريقٍ عملٍ تلفزيونى لتغطية الاحتفال بيوم فأر الأرض، لكنه يقع فى دوامة زمنية تتكرر فيها أحداث اليوم بمجرد أن ينتهى وتظل أحداث اليوم تتكرر إلى مالا نهاية.
وقد سلط الفيلم الضوء على هذا الحدث الثقافى فاتسع نطاق الاحتفال به ليتجاوز حدود بنسلفانيا إلى شتى أرجاء الولايات المتحدة وكندا.
وفى عام 2006 أضيف الفيلم «جراوند هوج داي» إلى السجل الوطنى للأفلام الأمريكية بوصفه أحد أهم الأفلام التى تحظى بتأثيرٍ حضارىٍ وثقافىٍ كبير، كما تم إدراج الفيلم فى المركز 174 ضمن قائمة أكثر الأفلام شعبية فى قاعدة بيانات الأفلام على الشبكة الإلكترونية الإنترنت.
ويبقى السؤال الذى يتكرر شتاء كل عام، هل تصدق نبوءة «الجراوند هوج»؟
هل يمتد فصل الشتاء هذا العام؟
وفقا للبيانات الإحصائية الرسمية لولاية بنسلفانيا فإن نبوءات هذا الكائن العجيب تصدق بنسبة لا تتجاوز 40%، أى أنها ليست بالغة الدقة.
فهل تستمر موجات البرد القارس، أم أنه آن الأوان لفصل الشتاء لطى صفحته كى تحل بشائر الربيع؟