أرض الفيروز 4
عين تحرس و يـد تبنى
تحقيق: رضا رفعت
خاضت مصر معركة «سيادة استباقية» لإجهاض مخططات ما سمى بـ «تدويل» إقليم سيناء، مستندةً لـ «تراكم الوثائق السيادية» والقدرة على الحفاظ على مقدرات الدولة، ووفقاً لتقييمات مراقبين دوليين، فإن الدولة نجحت فى حماية أصول وموارد طبيعية تُقدر قيمتها السوقية الحالية بمئات المليارات من الدولارات.
وبحسب الهيئة الوطنية للإعلام (أبريل 2025)، انتقلت الدولة من «حماية الأصول» إلى «الاستثمار السيادى الكلى»، بمعامل نمو فى مخصصات البنية التحتية بلغ (%400) مقارنة بالعقد الماضي؛ بعد ضخ مخصصات سيادية بلغت تريليون جنيه لإعادة تقييم شاملة وجذرية للإقليم، محولة إياه من «منطقة تكلفة أمنية» إلى «مركز ثقل استثمارى».

ويقول الخبير الاقتصادى د. عادل عامر، إن سيناء انتقلت السنوات الأخيرة من مرحلة «الاكتفاء بالتأمين الدفاعى» إلى مرحلة «الاستيطان التنموى الشامل»؛ محولة الإقليم من منطقة طرد تاريخية إلى مركز جذب استراتيجى يوازن بين الاستقرار والعدالة الاجتماعية.
واستنادًا لتقرير لصندوق النقد الدولى فإن الإنفاق الحكومى المتزايد والطموح على سيناء رفع «المُضاعف المالى» القومي؛ لأن كل جنيه استثمرته الدولة فى سيناء قادر على جذب 2.5 جنيه من الاستثمارات الأجنبية والخاصة. إقليم ذكى
يُجسد مشروع «سلام مصر» العاصمة الاقتصادية لسيناء؛ كمدينة ذكية تُدار بـ«التوءمة الرقمية»، يتيح هذا النظام محاكاة افتراضية كاملة للمدينة والمناجم لإدارة الاستهلاك اللحظى للطاقة والمياه وتوقع المخاطر البيئية قبل وقوعها؛ لتكون سيناء أول إقليم ذكى فى الشرق الأوسط يُدار بالكامل عبر «الذكاء الاصطناعى».
يؤكد خبير التخطيط العمرانى د. سيف الدين فرج، أن مدن الجيل الرابع (سلام مصر ورفح الجديدة) ترتكز على «العمران الاستراتيجى الجاذب»، كمنصات إنتاج لا مجرد سكن؛ ما يقوض مفهوم «سكن الأطراف» ويخلق مركز ثقل حضارى مستدامًا.
ويوثق تقرير وزارة الإسكان استيعاب 1.5 مليون نسمة، بمنطقة صناعية ولوجيستية مرتبطة بميناء شرق بورسعيد العالمى، المصنف ضمن أفضل 10 موانئ عالمية فى أداء الحاويات لعام 2024. وقد تحولت المدينة إلى مركز ثقل حضارى يجذب الاستثمارات العالمية؛ ما يجعل سيناء «بوابة مصر» الحقيقية نحو الاقتصاد الرقمى.
وقد نفذت الدولة 131.6 ألف وحدة إسكان اجتماعى فى سيناء، حيث تضم «رفح الجديدة» على سبيل المثال كمدينة حدودية متكاملة 10 آلاف وحدة سكنية.
أما مدينة بئر العبد الجديدة، فتستهدف استيعاب 16.6 ألف وحدة؛ لتكون قطبًا للتنمية الزراعية والصناعية فى شمال سيناء.
وتم إنشاء 18 تجمعًا تنمويًا زراعيًا وسكنيًا، تمنح كل أسرة منزلًا و5 أفدنة مستصلحة. فى العام 2024 أُعلنت سيناء إقليمًا خاليًا من العشوائيات غير الآمنة، مع بناء 4382 بيتًا بدويًا يراعى الخصوصية الثقافية والبيئية؛ مما عزز من ولاء المواطن للأرض وربط مصيره بالمشروع القومى.
شريان العالم
يقول الدكتور عادل عامر: إن الربط اللوجيستى لسيناء بالأنفاق والمحاور الجديدة كان وضعًا لحجر الأساس لخارطة استثمارية زراعية وصناعية غير مسبوقة فى أرض الفيروز.
باستثمارات تجاوزت 35 مليار جنيه، وضعت الأنفاق (24 كيلومترًا وتعمل بأنظمة تحكم ذكية) حجر الأساس لخارطة حولت سيناء من «ممر صامت» لـ«مستودع إقليمى» يربط 3 مناطق كبرى فى رفح والعوجة وطابا بسلاسل الإمداد العالمية.
أدى ذلك إلى تقليص زمن انتقال البضائع من قلب سيناء إلى موانئ التصدير من 24 ساعة إلى أقل من 4 ساعات، وتقليل تكاليف النقل بنسبة 30%؛ معززًا تنافسية المنتج السيناوى عالميًا.
وبهذه المرونة استطاعت مصر عن طريق سيناء تحييد تنافسية المسارات البديلة؛ موفرة ميزة «الزمن والتكلفة» التى لا يمكن تجاوزها فى سلاسل الإمداد بين الشرق والغرب.
أضف إلى ذلك تطوير الدولة لمطارى «سانت كاترين» و«العريش» ليصبحا محطات «شحن لوجيستى» تخصصية، مع تدشين 3 مناطق لوجيستية عالمية فى (رفح، العوجة، وطابا) باستثمارات 2 مليار جنيه. وهنا يشدد الخبير الاقتصادى د. رشاد عبده إلى أن الرؤية تحولت من «تأمين الحدود» إلى «تنمية الوجود».

ترانزيت الطاقة
قفزت تغطية الغاز الطبيعى لـ 656.3 ألف وحدة، وزاد مشتركو الكهرباء بنسبة 65.2% (1.9 مليون مشترك). وبقدرة 1500 ميجاوات من محطة الشباب، ما حول سيناء لـ «ترانزيت طاقة» عبر الربط مع الأردن والعراق ضمن مشروع «الشام الجديد» التنموى، بطاقة تصل إلى 1000 ميجاوات.
فى الوقت نفسه سجل مؤشر الخدمات الأساسية معامل نمو 300%؛ بفضل إنشاء 49 محطة تحلية مياه لتبلغ نسبة تغطية مياه الشرب 96.5%؛ مما أدى إلى تقليص الفجوة التنموية بين سيناء والدلتا إلى أدنى مستوياتها التاريخية؛ محولًا الإقليم من «منطقة طرد» إلى «بيئة استيطان جاذبة».
وأدخلت محطة بحر البقر (الأكبر عالميًا) 456 ألف فدان حيز الإنتاج؛ محولة الصحراء لـ «مخزن استراتيجى» للأمن الغذائى، ومع إطلاق «منصة تداول المنتجات السيناوية» بالبورصة السلعية، ارتفع دخل الأسرة بنسبة 30% بفضل «الرقمنة الزراعية».
يرى د. إبراهيم درويش أن سيناء «منطقة عزل طبيعية» لإكثار التقاوى الاستراتيجية بعيدًا عن آفات الدلتا.
ويُعزز ذلك اعتماد «الرى الذكى» الذى وفر 20% من استهلاك المياه، وربط المزارعين بـ «الزراعة التعاقدية الرقمية» لضمان تسويق 100% من المحاصيل.
ولتأمين صغار المستثمرين، تم ربط المزارعين مباشرة بشركات الصناعات الغذائية الكبرى والمصدرين قبل بدء الموسم الزراعى، مع صرف «سلف زراعية» عبر كارت الفلاح؛ بشكل ضمن تسويق 100% من محاصيل «نباتات سيناء الطبية» والتمور والزيتون بأسعار عادلة.
وفى تحول استراتيجى غير مسبوق، نجحت مصر فى إصدار «سندات خضراء» دولية مخصصة لمشروعات سيناء (بحر البقر والهيدروجين الأخضر)، فحصدت هذه المشروعات «شهادات خفض الانبعاثات الكربونية»، مما يسمح ببيع «ائتمان الكربون» لشركات الطيران والطاقة العالمية؛ محولةً «حماية البيئة» فى سيناء إلى تدفقات نقدية بالعملة الصعبة تُسهم فى سداد كلفة التنمية.
وجاء تدشين الدولة «الممر الرقمى السيادى» وهو المسار الأرضى الأسرع لربط القارات؛ لتصبح سيناء المصب الرقمى لحركة الإنترنت العالمية. كما فُرضت «الولاية على السحابة السيادية» عبر مراكز بيانات عملاقة تحت جبال سيناء؛ مستفيدة من الحماية الطبيعية والتبريد الذاتى.
وتشير التقديرات إلى أن قطاع الرقمنة فى سيناء سجل قفزة بمعامل نمو إنتاجى يتجاوز (15%) سنويًا؛ ليرفع القيمة المضافة للناتج المحلى الإجمالى بتقديرات تتجاوز 2 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030.
بهذا الرقم تقفز سيناء من مرحلة «الاستهلاك الأمنى» للموارد إلى مرحلة «الإنتاج السيادى» للبيانات.

توطين التكنولوجيا
وفق مركز المعلومات (يوليو 2025)، حققت سيناء 401 اكتشافًا بتروليًا جديدًا أضاف احتياطيات استراتيجية تقدر بـ 503 ملايين برميل من الزيت و39 تريليون قدم مكعب من الغاز.
وتم إطلاق مشروعات «الهيدروجين الأخضر» بشرق بورسعيد؛ لتمثل «جواز مرور» للمنتجات المصرية للأسواق الأوروبية التى تفرض قيود البصمة الكربونية.
الدكتور ماهر عزيز، خبير الطاقة المتجددة، أكد أن سيناء تحولت إلى «رئة خضراء للصناعة الأوروبية»؛ فمشروعات الهيدروجين الأخضر ليست مجرد طاقة بديلة، بل هى «جواز مرور» للمنتجات المصرية للأسواق العالمية التى تشترط البصمة الكربونية الصفرية. واعتماد مشروعات سيناء على «التمويل الأخضر» يمنحها الأفضلية المطلقة فى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتوافقة مع معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية.
وفى قطاع التعدين، بدأ استخدامها فى صناعة الألواح الشمسية والرقائق الإلكترونية بوسط سيناء. عبر تحويل الخامات الأولية إلى مكونات تقنية فائقة الدقة؛ لتحقق مصر استقلالًا تقنيًا يضعها على خارطة نادى السيليكون العالمى.
وامتد التطور إلى «الإدارة الرقمية» عبر نظام «التوءمة الرقمية»، الذى بدأ تطبيقه فى مناجم وسط سيناء، وهو يخلق نموذجًا افتراضيًا للمنجم الحقيقى لمراقبة الإنتاج.
يستهدف المشروع «توطينًا كاملًا لسلسلة القيمة»؛ فبدلًا من تصدير المواد الأولية، ترفع هذه المجمعات القيمة المضافة للمنتج السيناوى من 10 دولارات للطن الخام إلى 150 دولارًا للمنتج النهائى المصنع.
ربما هذا كان عاملًا من العوامل التى أدت بنا إلى الانتقال من «خزنة الرمل» إلى «معمل الرقائق»؛ بنمو 25,000% للطن؛ بعد تحويل السيليكا (20 دولارًا) إلى بولى سيليكون (5000 دولار)، واضعةً مصر فى قلب سلاسل التوريد العالمية.

الريادة الاستثمارية
نجحت سيناء فى جذب استثمارات دولية وعربية خلال السنوات الأخيرة التى عكست مفهوم «الثقة السيادية».
ووفق مركز المعلومات، تساهم الصناديق العربية فى تمويل 20 مشروعًا استراتيجيًا.
ولضمان استدامة هذه التدفقات، تم إخضاع المشروعات الكبرى فى سيناء لـ«وحدة فض منازعات الاستثمار» مع منح حوافز ضريبية وجمركية حتى 50% للمشروعات التكنولوجية والتعدينية الملتزمة بمعايير الحوكمة الدولية.
هذه التدفقات جاءت ردًا على «مخاوف تاريخية» للمستثمرين من تعقد الإجراءات؛ ونجحت وحدة فض منازعات الاستثمار فى تصفية 80% من العوائق الإجرائية للمشروعات الناشئة بوسط سيناء خلال 2025، محولةً «المخاطرة السيادية» إلى «فرصة استثمارية محمية» بقوة القانون.
وتجلت هذه الثقة فى تحول سيناء إلى مقصد سياحى عالمى، بقيادة مشروع «التجلى الأعظم» بسانت كاترين. وتجاوزًا للبعد الروحى التقليدى، كان المشروع قد استثمر فى «الاقتصاد البيولوجى»؛ عبر حماية وتوثيق 450 نوعًا من النباتات الطبية النادرة فى محمية سانت كاترين؛ ما جذب استثمارات دولية لإنشاء أول مركز أبحاث وتطوير للصناعات الدوائية العضوية.
ويتوقع د. عبدالرحيم ريحان عضو اتحاد المرشدين السياحيين العرب، أن يضخ مشروع «التجلى الأعظم» 3 ملايين سائح إضافى، موضحًا أن المستهدف 30 مليون سائح لسيناء بحلول 2030.
فى شهادة للتاريخ، يرى الشيخ عبدالله جهامة، رئيس جمعية مجاهدى سيناء، أن ما يتحقق هو التحول الجذرى من «عقيدة السلاح» إلى «عقيدة البناء»؛ فالدولة حررت الأرض عسكريًا، وتُحكم قبضتها عليها الآن اقتصاديًا وتقنيًا.
لقد كان المجاهد السيناوى قديمًا هو «العين التى تحرس»، وبات هو «اليد التى تُنتج» فى مجمعات الجفجافة ومعامل السيليكون؛ ليصبح كل مواطن سيناوى حائط صدٍ طبيعى وفطرى، فالأرض التى تُزرع وتُصنّع لا يمكن انتزاعها أو استلاب هويتها.
البيانات القاطعة تبرهن أن مخصصات التريليون جنيه لم تكن مجرد إنفاق إنشائى، بل كانت «فعلًا استراتيجيًا من أفعال المقاومة» لترسيخ الولاية الوطنية.

فى السنوات الأخيرة انتقلت الدولة بسيناء من مرحلة «السيادة الرمزية» إلى مرحلة «السيادة المتمركزة»؛ حيث الأرض محمية بشبكة مصالح اقتصادية دولية وسلاسل إمداد عالمية؛ ما يجعل من إقليم سيناء «قلعة اقتصادية» عصية على التهديد.
العبور الجديد قد اكتمل، وسيناء تتحول من «منطقة تكلفة أمنية عابرة» إلى «قاعدة ارتكاز استثمارى».