أوهام إنسانية فى دوائر الحياة
قرأ الأعمال: أحـمـد رزق
تبدو من مشاهدة أعمال معظم فنانى «النحت» المصرى الحديث، درايتهم الواسعة والمحيطة بأصول فن النحت المصرى القديم، وإن بدا غير ذلك من النظرة الأولى للمشاهدة.
ليتضح بعد ذلك أن مثّالى مصر ممن يحملون جينات الإبداع على صلة وترابط مع تراث الأقدمين.. أجداد عظام تواتر فنهم - وإن خفت بريقهم فى بعض الأزمنة - إلا أن روح الفن توارثها الأحفاد ليأخذوا منها بعضًا من الروعة والجمال.

الفنان المثّال «عامر عبدالحكيم» أعاد تشكيل الفن المصرى بروح متجددة تلمح فيها أصالة فن معنى بتقنيات وخامات لم يستخدمها المصرى القديم.
خاماته المعدنية «أسياخ الحديد» و«الأسلاك» وبعض اللحامات وأدواته البسيطة لثنى المعادن التى تميز فنه بتشكيلاتها العميقة المعنى واضحة الدلالة.. أحب المعادن فلانت له وعشق تاريخه فبسط له يده فكرًا وإبداعًا.
تبدأ حكاية «عبدالحكيم» منذ السنوات الأولى فى دراسته الأكاديمية - الفنان درس بكلية التربية الفنية بالزمالك - ومحاضرة عن البناء الداخلى للتمثال أو ما يعرف بـ«الكاراكاز» وهو الأساس المعدنى لتشكيل الطين عليه بعد ذلك ليحفظ له البناء من الانهيار.. ليفاجأ بإعجاب أستاذته ببنائه المعدنى - السلك السميك - وتطلب منه الإبقاء عليه كما هو، فقوة التكوين وصلابته وما يحمله من تفاصيل تشريحية تكفى لطرح أفكاره الإنسانية - بتفرد انفعالى خاص به - ليطلب منه زميل الدراسة «عصام درويش» عام 92 أن يقوم بعمل نحتى آخر وتقديمه لصالون الشباب ليفوز بجائزة النحت التى كانت إيذانًا للفنان بالبحث وبداية مشوار دراسة حقيقية لهذا الفن العظيم.. ويسير الفنان فى طريق أجداده بزيارات متعددة للمتحف المصرى القديم.. ويستلهم من أجداده إبداعًا وفكرًا جديدًا توقف الفنان أمام التماثيل اصطفاف الجنود المدرعين ليتأمل البناء الهندسى والتشريحى للتماثيل الصغيرة ليبدأ مرحلة فنية أسماها «الفارس» والتى وصف فيها بأعماله حال جنود مصر برؤية معاصرة.
رغم ما يبدو من تماثيله بخامة السلك وما تصدره بما يتخللها من فراغ بمعنى «الهشاشة» فإن تماثيله تشعرنا بالقوة والتماسك والتى استغلها الفنان فى بناء أعمال إنسانية تحمل مشاعر البشر، فهذا من يدور فى فلك دائرة لا يصل لنهايتها وآخر يتعلق بها لا يستطيع الوصول لأعلى ويخشى السقوط ومن يعبر بالدائرة على جسد آخر فدائرة الحياة فى جعبتها طبائع وتطلعات متباينة.. أما المربع فكان البرواز المحيط بالشكل الآدمى الذى يجعله سجينًا لأفكاره ومحاولاته للخروج، أو ما يحمله من ضغوط ليبدو فى حالة انكسار.

فمعظم الأعمال تدعو للتحرر من الأوهام الإنسانية تماثيل «عامر عبدالحكيم» كان همها الأكبر سطوة الحياة على كاهل الإنسانية والتى أقام بناءها بعمق فكرته وامتلاك ناصية أدواته الفنية لتصبح الأعمال فى حال اكتمال بعد أن ظن أنها البوادر.