غموض «تيك تاك»
تقرير: عمرو محمد الغزالى
هذه ليست حكاية شائعة، ولا رواية منسوبة إلى الهامش. هذه شهادة بعض مؤسسات، وطيارين، ومشغلى رادار، برازيليين وأمريكيين وتقارير رسمية، وجلسات قَسَم، وأسئلة ما زالت مفتوحة.
وهنا تبدأ الحكاية… لا بوصفها لغزًا، بل باعتبارها اختبارًا لمعنى المعرفة نفسها.
فى نوفمبر 2004، كانت مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس نيميتز»، مع الطراد الصاروخى الموجه المتطور «يو إس إس برينستون»، تجرى تدريبات روتينية فى المحيط الهادئ على بعد 160 كيلومترًا جنوب غرب سان دييجو، قبالة شبه جزيرة باخا المكسيكية.
الجو صافٍ والبحر هادئ، فى يوم بدا مثاليًا للتدريبات العسكرية.
تحت هذه الصورة الروتينية، كان شىء غريب يحدث.
النظام التكنولوجى الذى كان يعمل عليه فريق برينستون، هو الأكثر تقدمًا فى العالم، ويتكون من رادار متعدد الوظائف، ونظام أسلحة متكامل، ونظام قيادة وتحكم.
كان قادرًا على تتبع مئات الأهداف فى وقت واحد وتوجيه الصواريخ للتعامل مع التهديدات المختلفة. وهذا ما يجعل الشهادات القادمة من مشغلى هذا النظام ذات مصداقية استثنائية.
فريق من المحترفين ذوى الخبرة الواسعة. يقف على رأسهم كبير الرقباء كيفن داى، المتمركز على متن حاملة الطائرات، بوجهه النحيل وفكه الحاد وشعره القصير جدًا، كان شخصية عملية حتى بمعايير الجيش الصارمة.
كان لقبه الرسمى «مشرف مراقبة اعتراض الطائرات». كان داى كبير إخصائيى الرادار المسئول عن النظام بأكمله، وكان جميع مشغلى الرادار الآخرين أدنى منه رتبة وخبرة.
عمل فى مركز المعلومات القتالية على متن برينستون، وهو المكان العصبى للعمليات البحرية المتقدمة.
كانت خبرته استثنائية؛ أمضى 18 عامًا فى البحر على أنظمة تشغيل رادار إيجيس المختلفة.
إلى جانبه عمل الضابط جارى فوريس، فى مركز معلومات القتال التابع لحاملة الطائرات.
كان فوريس مسئولًا عن التحكم فى النيران، وتضمنت مهامه إدارة نظام القدرة على الاشتباك التعاونى لنظام إيجيس.
أما الشاهد الثالث المهم من فريق الرادار فكان كارسون كامرزيل، ضابط صف ثالث لقبه على متن حاملة الطائرات «فنى تشفير».
وهو دور يشمل مجموعة من المهام التى تتمحور حول جمع المعلومات الاستخباراتية.
يوم 10 نوفمبر
بدأت الظواهر الغريبة على شاشات الرادار المتطورة لـ«برينستون» بداية من العاشر من نوفمبر 2004. كان النظام يرصد أهدافًا لا تنتمى إلى أى فئة معروفة. كانت هذه الأجسام تظهر على حافة نطاق الرادار، على ارتفاع يقارب 80 ألف قدم فوق سطح المحيط.
كما يصف داى المشهد؛ «كانت مشاهدتها على الشاشة أشبه بمشاهدة تساقط الثلج من السماء».
كانت الأجسام تظهر بكميات كبيرة - أكثر من 100 هدف خلال الأسبوع وفقًا لروايته. لكن الكم لم يكن الشيء الوحيد اللافت؛ كانت السلوكيات الفيزيائية التى تتحدى كل قوانين الديناميكا الهوائية المعروفة؛ فى بعض الحالات، كانت الأجسام تهبط 60 ألف قدم فى أقل من ثانية واحدة. للحصول على فكرة عن هذه السرعة، تخيل أن أسرع طائرة مقاتلة فى ذلك الوقت، مثل الميج - 31 الروسية، كانت تصل إلى سرعة صعود قصوى تبلغ حوالى 930 كم، بينما هذه الأجسام كانت تتحرك رأسيًا بسرعة تقدّر بأكثر من 64,000 كم.
لم تتباطأ هذه الأجسام تدريجيًا كما تفعل أى مركبة معروفة، تتوقف فجأة وبشكل مطلق، وكأنها تتعامل مع قوانين مختلفة للقصور الذاتى.

فى البداية، اعتقد فريق الرادار أنهم يواجهون عطلًا تقنيًا. لكن النتائج كانت متسقة، النظام كان يعمل بشكل طبيعى.
الأهداف كانت حقيقية واستمرت أسراب من هذه الأجسام فى الظهور قبل أن تنجرف جنوبًا بلا مبالاة.
تمكن عدد من أفراد طاقم حاملة الطائرات «يو إس إس برينستون» من رصد الأجسام من خلال المناظير، ولكن نظرًا لبُعدها، بدت مجرد أضواء بطيئة الحركة.
بعد أربعة أيام متتالية من هذه المشاهدات الغريبة، وصلت الأمور إلى ذروتها، ظهرت الأجسام مجددًا، وتم توجيه طائرتين مقاتلتين من طراز سوبر هورنت، تحلقان إلى موقع الهدف.
كان يقود الطائرة الأولى القائد ديفيد فرايفر، برفقته كانت الطيارة أليكس ديتريش، وكلاهما برفقة ضابط أنظمة أسلحة فى المقعد الخلفى، عند وصولهما إلى الإحداثيات المحددة، لم يريا شيئًا فى الجو، لكنهما لاحظا اضطرابًا غريبًا فى مياه المحيط - منطقة بيضاوية الشكل من المياه رغوية على شكل صليب، وكأن جسمًا بحجم طائرة بوينغ 737 يتحرك تحت السطح. ثم، فجأة، ظهر الجسم.
وصفه فرايفر بأنه أبيض اللون، ناصع البياض، يشبه حبة حلوى «تيك تاك» عملاقة يبلغ طولها 12 مترًا.
الأكثر إثارة للحيرة أنه لم يكن لهذا الجسم أجنحة، ولا محركات مرئية، ولا فتحات دفع، ولا ذيل، ولا زجاج أمامى. بحسب وصف فرايفر، كانت حركاته «مستحيلة» من الناحية الديناميكية الهوائية. كان يتحرك بسرعة هائلة، ويتوقف فجأة، ويغير اتجاهه بزوايا حادة دون أى دوران أو انعطاف تدريجى، قال فرايفر «كان يدرك وجودنا هناك»، حيث بدا أنه يدرك حركات الطائرة المقاتلة ويقوم بمناورات مضادة.
عندما حاول فرايفر الهبوط للاقتراب، ارتفع الجسم ليحافظ على مسافة ثابتة، ودار الاثنان فى دوائر معاكسة.
حاول فرايفر، بطائرته الاقتراب والالتفاف حوله، لكن الجسم تفادى كل محاولة بسهولة مذهلة.
فى لحظة حاسمة، عندما حاول فرايفر تنفيذ مناورة هجومية، تسارع الجسم الغريب بسرعة خارقة - تفوق أى شيء رآه الطيار المخضرم فى حياته - عبر مقدمة طائرته واختفى عن الأنظار فى أقل من ثانيتين.
بعد دقائق، أبلغت برينستون أن الهدف قد عاود الظهور على رادارها، لكن على بعد حوالى 100 كيلومتر فى أقل من دقيقة، وتحديدًا عند «نقطة الدورية الجوية» السرية الخاصة بفرايفر التى لا يعرفها سوى عدد قليل جدًا. كان هذا يعنى أن سرعة ذلك الجسم تفوق 3 آلاف كيلومتر فى الساعة.
تسجيلات وتحقيقات

شهدت الملازم أول أليكس ديتريش وضباط الأنظمة الآخرون نفس المشهد.
فى مقابلات لاحقة، وصفت ديتريش شعورها بالرعب وهى تشاهد طيارًا خبيرًا مثل فرايفر يحاول دون جدوى التعامل مع شيء يتحرك بقوانين مختلفة تمامًا.
بعد عودة المقاتلتين، أقلعت موجة ثانية من الطائرات مجهزة بنظام التصوير الحرارى المتقدم.
تمكن طيار إحداها، وهو الملازم أول تشاد أندروود، من تثبيت هدف غامض على شاشة الأشعة تحت الحمراء وتسجيل مقطع فيديو أصبح يُعرف باسم «فيديو» أو «فيديو تيك تاك».
أندروود لم يرَ الجسم بعينيه المجردة، حيث كان يركز بالكامل على شاشة الاستهداف.
قال أندروود إنه واجه مشاكل تقنية غريبة أثناء التتبع؛ فقد حجب الجسم شعاع الرادار، وأظهرت شاشة السرعة قراءات غير مستقرة ومتذبذبة، بينما أشارت أجهزة القياس إلى أن المسافة كانت «غير محددة».
بعد أكثر من دقيقة، انقطع التثبيت التلقائى عندما انطلق الجسم بسرعة لا تُصدق خارج مجال رؤية الكاميرا.
هذا الفيديو، رغم جودته المتواضعة بالأبيض والأسود، سيصبح أحد أهم الأدلة فى القضية.

فى الأيام التالية، هبط مسئولون عسكريون مجهولون على متن حاملة الطائرات نيميتز بواسطة مروحيات وصادروا معظم الأدلة المتعلقة بالحادثة، بما فى ذلك بيانات الرادار وتسجيلات الفيديو الأصلية والتقارير المكتوبة.
قاموا بجمع الأقراص الصلبة من أنظمة التسجيل وأجروا مقابلات مع الشهود تحت طائلة السرية.
بقيت الحادثة ضمن الأوساط العسكرية الأمريكية وثقافة هواة الظواهر غير المفسرة لسنوات، حتى كشف النقاب عنها للجمهور فى عام 2017 من قبل صحيفة نيويورك تايمز.
هذا الكشف تزامن مع الإعلان عن وجود برنامج سرى لوزارة الدفاع الأمريكية كان يتحرى مثل هذه الظواهر بميزانية 22 مليون دولار.
لاحقًا، وفى عامى 2014 و2015، سجل طيارون من حاملة الطائرات يو إس إس ثيودور روزفلت مقاطع فيديو إضافية لأجسام غامضة قبالة الساحل الشرقى للولايات المتحدة، عُرفت باسم فيديو «جوفاست».
أصبحت هذه المقاطع، تُعرف جماعيًا باسم «فيديوهات البنتاجون عن الأجسام الطائرة المجهولة».
وفى أبريل 2020، قام البنتاجون بنشر هذه المقاطع الثلاثة رسميًا، مؤكدًا صحتها ولكنه مُصنِّفًا إياها بأنها «ظواهر جوية غير محددة».
اقترح المشككون والباحثون العلميون تفسيرات تقليدية تشمل؛ ظواهر بصرية مثل اختلاف المنظر الذى يمكن أن يجعل طائرًا أو بالونًا بعيدًا يبدو وكأنه يتحرك بسرعة خارقة؛ أخطاء فى أجهزة الاستشعار أو البرمجيات؛ تفسير خاطئ لظواهر طبيعية؛ تكنولوجيا سرية إما تابعة للولايات المتحدة أو لدول منافسة مثل روسيا أو الصين؛ طائرات بدون طيار متطورة. بقيادة الباحث المتشكك ميك ويست، حظيت نظرية الأوهام البصرية وتأثير المنظور باهتمام كبير. حيث يرى ويست أن فيديو GOFAST قد يصور طائرا أو بالونًا يتحرك ببطء نسبى، بينما حركة الطائرة النفاثة السريعة تخلق وهم السرعة. أما فيديو GIMBAL فيفسره بأنه قد يكون وهجًا ناتجًا عن كاميرا الأشعة تحت الحمراء الدوارة.
لكن هذه التفسيرات تواجه مشاكل كبيرة؛ شهود مثل داى وفوريس وكامرزيل يؤكدون أن أنظمة الرادار كانت تعمل بشكل طبيعي؛ والطيارون المدربون مثل فرايفر وديتريش شاهدوا الجسم بعيونهم المجردة من مسافات قريبة؛ إضافة إلى أن السلوكيات الفيزيائية المسجلة تتحدى التفسيرات التقليدية.
رفض الطيارون الذين شهدوا الأحداث هذه التفسيرات التقليدية بشدة، مؤكدين أن ما رأوه وعاينوه شخصيًا يتحدى القوانين الفيزيائية.
ردًا على هذه الأحداث المتكررة، قامت البحرية الأمريكية، فى عام 2019، بوضع بروتوكولات جديدة للإبلاغ عن مشاهدات الظواهر الجوية غير المحددة، بهدف إزالة الوصمة الاجتماعية التى كانت تحيط بهذه البلاغات وتشجيع الطيارين والعسكريين على الإبلاغ دون خوف من السخرية أو الضرر المهنى.
لكن فى يونيو 2021، أصدرت الاستخبارات الأمريكية تقريرًا مؤقتًا عن الظواهر الجوية غير المحددة، خلص إلى عدم وجود دليل على أصل فضائى، ولكنه فى نفس الوقت اعترف بعدم القدرة على تفسير 143 حادثة من أصل 144 تم تحليلها، بما فيها حادثة نيميتز، وترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات تشمل تكنولوجيا أجنبية متطورة أو ظواهر جوية غير معروفة.

وحذرت صحيفة نيويورك تايمز على لسان خبراء من أن هناك غالبًا تفسيرات أرضية لمثل هذه الحوادث، وأن عدم معرفة التفسير لا يعنى أن للحدث أصولًا بين النجوم.
وبلغت ذروة الاهتمام الرسمى بهذه القضية فى 26 يوليو 2023، عندما أدلى القائد ديفيد فرايفر، جنبًا إلى جنب مع طيار بحرى سابق آخر يدعى رايان وضابط الاستخبارات السابق ديفيد غروش، بشهادته أمام لجنة فرعية فى مجلس النواب الأمريكى فى أول جلسة استماع علنية فى الكونجرس حول الظواهر الجوية غير المحددة منذ عقود.
فى شهادته، أكد فرايفر أمام المشرعين ما رآه، وأصر على أن التكنولوجيا التى واجهها كانت «تتجاوز بكثير علم المواد والقدرات التى كانت لدينا فى ذلك الوقت والتى لدينا حاليًا أو التى سنمتلكها فى السنوات العشر إلى العشرين القادمة».
الكلام كان صادمًا، خاصة من طيار مقاتل محافظ بطبيعته.
على كل تظل واقعة نيميتز، بما حملته من شهودٍ، وبما استندت إليه من رصدٍ لا يعرف المجاملة، نقطة لا يمكن تجاوزها فى الجدل المعاصر حول الظواهر الجوية غير المحددة أو الأجسام الفضائية الطائرة.



