الخميس 5 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أحمد بهاء الدين

كيف انضم فى شبابه إلى قوائم «الكُتّاب الأشباح»؟!

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

عاتبنى أحد من يتابعون هذه الحكايات بانتظام..

 

 

لماذا؟

لأننى لم أذكر اسم أحمد بهاء الدين ضمن من وصفتهم بأنهم يحملون لقب «كاتب شبح» عندما تناولت هذه الظاهرة. قال إنه كان معجبًا بالحكاية التى شملت محمد حسنين هيكل ويوسف إدريس ورشاد رشدى ومنير عامر وغيرهم، فلماذا لم أشر إلى الأستاذ بهاء؟

قلت إن حكايتى هذه كانت تتناول بعض الشخصيات السياسية مثل جمال عبدالناصر وأنور السادات وصدام حسين ومعمر القذافى وشخصية فنية واحدة هى عبدالحليم حافظ.  

أما حكاية أحمد بهاء الدين بوصفه «كاتب شبح» فتستحق أن تروى..  ووعدته بأن وقتها سيأتى.

ومرت أكثر من سنة قبل أن تخطر الفكرة على بالى من جديد.

ومع أن واقعة قيام الأستاذ بهاء بدور «الكاتب الشبح» قد جرت قبل دخولى «صباح الخير» بسنوات، إلا أننى علمت بها وتمكنت من رصدها ويمكننى ببساطة ضمها إلى ملاحظتى الأولية عن هذه الظاهرة المثيرة.

فهناك كتب مهمة أو ذائعة الشهرة لأسباب مختلفة تتبعتها فإذا بها تحمل اسم مؤلف لم يكتبها!.. فقط روى محتواها لكاتب محترف فصاغها له ثم وضع اسم صاحب الوقائع على غلاف الكتاب.

 

 

 

 ذكريات روز اليوسف

هنا يأتى اسم أحمد بهاء الدين فى قائمة «الكاتب الشبح» التى شملت يوسف إدريس ووضعه كتاب «يا ولدى هذا عمك جمال» الذى حمل اسم أنور السادات ومحمد حسنين هيكل الذى وضع كتاب «فلسفة الثورة» وعليه اسم جمال عبدالناصر، ورشاد رشدى وضع كتاب «البحث عن الذات» وعليه اسم أنور السادات.

أما أحمد بهاء الدين فقد حمل لقب «كاتب شبح» فى وقت لاحق ولمرة واحدة فقط عندما وافق على كتابة ما تحكيه له سيدة الصحافة المصرية فاطمة «روزاليوسف» فجاء كتاب «ذكريات» حاملًا توقيع فاطمة اليوسف.

وقبل أن أروى حكاية أحمد بهاء الدين (وبالمناسبة فهذا اسمه وحده ولا يشمل اسم والده ولا لقب العائلة، فاسم والده هو عبدالعال، واسم جده هو شحاته) أحب أن أذكر أولًا كيف أصبح كاتبًا.

فهو كان من هواة القراءة منذ صغره، وفى سن العشرين تقريبًا كان قد لقى إعجاب واحد من أهم كتاب الصحافة فى زمانه، الأستاذ محمد زكى عبدالقادر الذى كان يصدر مجلة جادة هى «الفصول» ودرّبه صاحب المجلة ورئيس تحريرها على العمل الصحفى حتى أنه أصبح يعتمد عليه فى إدارة المجلة.

وعندما تخرّج بهاء فى كلية الحقوق والتحق بالعمل فى إدارة التحقيقات القانونية فى وزارة المعارف حوالى سنة 1947 كان قد تمرّس على كتابة المقال السياسى.

وخلال عمله بعد ذلك فى مجلس الدولة، كان من قراء أهم مجلة سياسية وهى «روزاليوسف» فوجد نفسه يكتب مقالًا ويمر على المجلة ويسلّم المقال لموظف الاستقبال «أبوطالب» ويطلب منه تسليمه لرئيس التحرير الأستاذ إحسان عبدالقدوس.. ويمضى.

ومع صدور العدد الجديد يشتريه بهاء كالمعتاد فيفاجأ بأن مقاله منشور فى صدر العدد كمقال افتتاحى للمجلة! فيواصل كتابة المقالات ويواصل إحسان نشرها.

 

 

 

إلى أن يأتى وقت يطلب فيه إحسان عبدالقدوس من «أبو طالب» موظف الاستقبال أن يأتيه بهذا الشاب الذى درج على تسليم مقالاته دون أن يعرفه أحد.

وقد حدث.

وعندها قدّمه إحسان لوالدته صاحبة المجلة فاطمة اليوسف، التى أبدت إعجابها به بل تبنته كما لو كان شقيقًا لإحسان.

فقد استرعت المقالات التى كان يكتبها فى المجلة اهتمام الكثيرين.. وهى فى مقدمتهم، فكانت أكثر من اهتم بمتابعة هذا الكاتب الجديد.. وكانت تصر أن يمر عليها فى مكتبها كل يوم.

 فقدت أمى

أما بهاء نفسه فقد سرت فى كيانه مشاعر خاصة جدًا حول هذه السيدة التى بهرته بشخصيتها الساحرة التى لمسها من أول لقاء، ويمكن القول إنه وجد فيها الأم التى فقدها فى طفولته. 

ولندعه يروى لنا هذه الحكاية..

 فى مقال نشر فى «صباح الخير» فى أغسطس 1957 (أحتفظ بنسخة منه ومن عديد مقالات بهاء وإحسان وصلاح حافظ وغيرهم) قال: 

 فقدت أمى وأنا فى العاشرة.. ولم تكن بالنسبة لى أمًا عادية، كنت ابنها الوحيد بين أخوات من البنات، وكأى أم شرقية فى هذا الموقف، فرّغت كل حياتها وحنانها على الابن الوحيد، أحلامها وهمومها وقلقها وفرحها وعملها.

كل هذا كاد يكون مقصورًا عليّ.. وكان من الطبيعى بعد ذلك أن تملأ كأس حياتى إلى حافتها.. فلا يبقى فيها مكان لشيء آخر سواها فهى التى تعد لى طعامى وتلبسنى وتمشط لى شعرى وتشرف على مذاكرتى وتصحبنى إلى السينما.

ثم ماتت فجأة.

كان اختفاؤها من حياتى أول صدمة حقيقية لى، وإننى لأذكر الآن تمامًا ذلك الشعور الذى سيطر علىّ شهورًا طويلة بعد فقدها.. كان شعورًا بأن الحياة أصبح لا معنى لها ولا مبرر!

هل يكون شعور بهاء بالعثور على أم يفتقدها وراء إعجابه بالسيدة «روز (فاطمة) اليوسف» وقبوله بأن يكون له مكان تحت جناحها؟

حتى إنه وافق - استجابة لرغبتها - على أن يكتب مذكراتها لتنشرها بتوقيعها استنادًا إلى أحاديثها الشفوية له.

هو صرّح لأحد أصدقائه بأنه كان مترددًا فى البداية وهو يعلم أن «روز اليوسف» كانت ترسم حياتها كما تريد، لكن النتيجة ستكون الحياة كما عاشتها وكما شكلتها، والحقيقة بينهما.

وقال إنه لن تكون لديه القدرة على «تحقيق» حياة «روزاليوسف» كما يفعل المؤرخ.. فقط يكتب حياتها كما سمعها منها.

 

 

 

سيدة عظيمة

وهكذا تحوّل أحمد بهاء الدين الكاتب المفكر صاحب القدرة المميزة على الكتابة بلغة طيعة فى أكثر القضايا عمقًا، إلى من يوصف بأنه «كاتب شبح»ّ!

وجاء كتاب «ذكريات» يحمل لغة بهاء الجذابة المشرقة ويحمل اسم سيدة عظيمة لها مكانة كبيرة فى تاريخ الصحافة المصرية والعربية وفى تاريخ مصر.

ويروى فى قسمين، قصتها مع فن المسرح الذى تربعت على عرشه، وقصتها مع الصحافة التى قاومت خلالها كل معارضة ومصادرة لمجلتها وواجهت زعماء الأحزاب والحكام وأحكامهم ضدها حتى أنهم سجنوها، وكانت ضد الإنجليز والملك والأحزاب المهادنة لهما ولم تفلح كل ألاعيبهم وتضييقاتهم فى هزيمتها.. وساهمت مجلتها وكّتابها فى التمهيد لثورة يوليو، فهى ثورة دائمة من أجل الحق والحرية والتقدم.

 

وهو المعنى العام الذى يكشفه لنا هذا الكتاب الذى لا أعرف لماذا لا يعاد نشره لتطالعه الأجيال الجديدة.

وللذكرى فقد قامت وزارة الثقافة بإعادة نشر هذا الكتاب ضمن سلسلة «أدباء القرن العشرين» ثم نشرت نص الكتاب على الإنترنت، وأتاحت قراءته مجانًا فى سنة 2020.

وسيكون من المفيد إعادة نشر كتاب مذكرات روزاليوسف مطبوعًا لتطالعه الأجيال الجديدة ففيه دروس عظيمة فى الوطنية والشجاعة والإيمان بالحرية والنهوض بالوطن ومواجهة الانحراف والفساد وأيضًا رعاية المواهب والكفاءات وتيسير تفاعلها مع متطلبات التقدم الإنسانى فى مختلف المجالات.

وفى الأسبوع المقبل نواصل