الخميس 29 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

نشاط برلمانى مبكر

 تحركات من «النواب» لنيل ثقة الشارع  بطرح قضايا جماهيرية «تحت القبة»  



مع انطلاق دور الانعقاد الجديد لمجلس النواب، تحرك عدد من أعضاء المجلس الجديد للاشتباك المباشر مع القضايا الجماهيرية، فى محاولة منهم لإثبات فاعلية الدور الرقابى للمجلس على الحكومة واستعادة الثقة مع دوائرهم والمواطنين الذين انتخبوهم، خاصة أن تلك التحركات تأثرت خلال السنوات الماضية، ما أدى فى رأى بعض المراقبين إلى  فجوة بين المواطن ومؤسساته التمثيلية.

 

ورغم عدم انعقاد الجلسات الأولى لمجلس النواب للبدء فى مناقشة التشريعات التى ستكون مزدحمة على جدول أعمال المجلس؛ فإن النواب استخدموا أسلحتهم البرلمانية لإثبات جدارتهم بالفوز بثقة الموطنين، والتأكيد على أن هذا المجلس سيكون أداؤه تحت القبة مختلفًا عن المجالس السابقة، وتصدرت القضايا الجماهيرية طلبات الإحاطة والأسئلة التى استخدمها النواب تمهيدًا لطرحها فى أول جلسة ستعقد، بعد أن تم عقد جلستين لاختيار رئيس المجلس والوكيلين، وانتخاب رؤساء اللجان النوعية، وانطلقت بالفعل الأسبوع الماضى اجتماعات بعض اللجان النوعية لمناقشة قضايا على أجندتها، فيما طرح النواب القضايا ذات البعد المجتمعى فى طلبات الإحاطة والأسئلة البرلمانية المقدمة منهم، بما اعتبره البعض مؤشرًا مبكرًا على إدراك برلمانى متزايد لأهمية تبنى هموم ومشاكل الموطنين وربط العمل التشريعى والرقابى بالواقع الذى يعيشه المواطن على كافة المستويات.

 

 

 

 تحركات مبكرة

جاءت قضية إلغاء الإعفاء الاستثنائى للهواتف المحمولة الواردة من الخارج والتى تصدرت مواقع التواصل الاجتماعى خلال الأيام الماضية لتكون واحدة من أولى القضايا التى لاقت اهتمامًا كبيرًا من النواب، وتقدم بعضهم بطلبات إحاطة وأسئلة للحكومة، مؤكدين أن هذا القرار أثار جدلا واسعا بين المصريين المقيمين بالخارج، وأعلنت النائبة مها عبدالناصر وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب أنه بالاتفاق مع هيئة مكتب اللجنة تقرر استدعاء ممثلى الحكومة فى أول اجتماع للجنة لمناقشة أبعاد القرار وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية فى ظل ما أُثير من تساؤلات حول آثاره على المواطنين وسوق الاتصالات، وأكدت النائبة أن اللجنة حريصة على الاستماع إلى وجهة نظر الحكومة وفى الوقت ذاته نقل ما يشغل الشارع، بما يحقق توازنًا بين تنظيم السوق وحماية حقوق المواطنين.

لم يتوقف الحراك البرلمانى عند هذا الحد، لكن تقدم النائب عبدالمنعم إمام، رئيس حزب العدل بأول سؤال حول هذه القضية إلى الحكومة، بشأن تداعيات انتهاء فترة الإعفاء الاستثنائى لأجهزة الهاتف المحمول الواردة من الخارج، وتأثير ذلك على الاقتصاد المصرى والمصريين المغتربين.

ووجه النائب سؤاله إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء الخارجية والهجرة، والمالية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مستندا إلى نصوص الدستور واللائحة الداخلية للمجلس، مطالبًا بإيضاحات مكتوبة حول خلفيات القرار ودراساته.

وأشار إلى أن القرار أثار موجة استياء بين المصريين بالخارج، فى وقت تشيد فيه الحكومة بدورهم الوطنى وتحويلاتهم التى تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبى، موضحًا أن تحويلات المصريين بالخارج ارتفعت خلال عام 2025 بنسبة ملحوظة، بما يعكس أهمية هذه الشريحة للاقتصاد الوطنى، كما انتقد النائب ما اعتبره مساواة غير عادلة بين المغترب الذى يتحمل أعباء الغربة والسائح العابر، متسائلا عن جدوى توطين صناعة المحمول عبر تقييد إدخال الهواتف الشخصية ومدى تأثير القرار.

فى الوقت ذاته، زاد تفاعل النواب على هذه القضية الجماهيرية، وتقدم النائب محمد فريد عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين وحزب الإصلاح والتنمية بسؤال موجه إلى الحكومة، بشأن مرور عام على تطبيق منظومة «تليفوني» لتحصيل الجمارك على الهواتف المستوردة، وأكد أن الضرائب يجب أن تكون أداة لتنظيم السوق وضبط المنافسة لا وسيلة سهلة لزيادة موارد الخزانة العامة على حساب المواطن، مطالبا بتقديم بيانات دقيقة حول حصيلة الرسوم وعدد الأجهزة التى تم تحصيلها أو إيقافها وتكلفة تطبيق المنظومة مقارنة بالعائد الفعلي.

وشدد فريد على ضرورة بناء السياسات الاقتصادية على دراسات علمية وبيانات موثقة، محذرا من تحميل المواطنين أعباء إضافية أو حرمانهم من الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة بأسعار تنافسية.

 قضايا جماهيرية  

 امتد الاشتباك البرلمانى مع القضايا الجماهيرية إلى ملفات اقتصادية فرضت نفسها على مدار عدة أيام، من بينها ملف الدين المحلى وتقدم النائب محمد فؤاد عضو مجلس النواب عن حزب العدل باقتراح برغبة يستهدف تنظيم إدارة السيولة الحكومية كمدخل لتخفيف الضغط على الدين المحلى بدلا من الاعتماد المتزايد على الاقتراض.

وأوضح فؤاد أن الدولة تمتلك سيولة كبيرة موزعة بين جهات وهيئات حكومية، لكنها لا تدار بكفاءة فى الوقت الذى تلجأ فيه إلى الاقتراض بأسعار فائدة مرتفعة، معتبرًا أن جزءًا من أزمة الدين يعود إلى سوء إدارة الموارد وليس نقصها، كما أكد النائب أن المقترح لا يمس أموال الجهات الحكومية أو استقلال قراراتها وإنما يهدف إلى تعظيم الاستفادة من السيولة غير المستغلة وتقليل تكلفة خدمة الدين وتخفيف الضغط على سوق الائتمان تمهيدا لإصلاحات أوسع فى إدارة المالية العامة.

ومن القضايا الأخرى التى استخدمها النواب هى قضية الضريبة على العقارات المبنية والتى ناقشها مجلس الشيوخ الأسبوع الماضى فى جلساته العامة، وأثار النائب تيسير مطر رئيس حزب إرادة جيل والأمين العام لتحالف الأحزاب المصرية عضو مجلس النواب ملف الضريبة العقارية، مطالبًا بإعادة النظر فى قيمة حد الإعفاء للوحدات السكنية بما يتواكب مع الارتفاع الكبير فى أسعار العقارات، وأكد مطر أن تطبيق الضريبة بالقيمة الحالية قد يوسع من دائرة الملزمين بالسداد رغم أن كثيرًا من الوحدات تمثل المسكن الخاص الوحيد لأصحابها، كما حذر من تحميل المواطنين أعباء إضافية فى هذا التوقيت وفى ظل ظروف اقتصادية صعبة على مستوى العالم.

وشدد على أن المسكن الخاص حق أساسى وليس رفاهية، كما دعا فتح حوار مجتمعى موسع للوصول إلى صيغة عادلة توازن بين حق الدولة فى تحصيل الموارد، وحق المواطن فى السكن الكريم.

تعزيز الأداء

وبالتوازى مع هذا النشاط الرقابى المكثف من النواب حول قضايا الشارع،  شهد البرلمان تحركات أخرى على صعيد بناء القدرات وتعزيز الأداء القوى للنواب تحت القبة، حيث انطلقت الأسبوع الماضى دورات تدريبية للنواب شارك فيها 391 من أعضاء مجلس النواب فى البرنامج التدريبى المخصص للنواب الجدد والذى تقدمه الأكاديمية الوطنية للتدريب، بالتعاون مع مجلس النواب ويستهدف الأعضاء الذين لم يسبق لهم ممارسة العمل البرلماني. ويعتمد البرنامج على منهجية تدريب تفاعلية تقوم على ورش العمل واللقاءات والمناقشات المفتوحة مع كبار الخبراء والمتخصصين فى مختلف المجالات إلى جانب المحاضرات التفاعلية بما يسهم فى تبادل الخبرات وبناء القدرات البرلمانية للمشاركين، ويأتى البرنامج فى إطار دعم كفاءة الأداء التشريعى والرقابى للنواب الجدد، وتزويدهم بالمعارف والمهارات الأساسية المرتبطة بطبيعة العمل البرلمانى وفق أحدث المنهجيات التدريبية والمعايير الدولية.

تضمنت المحاور الرئيسية للبرنامج التدريبى المخصص لأعضاء مجلس النواب الجدد والذى ينفذ بالتعاون مع مجلس النواب ويستهدف النواب الذين لم يسبق لهم ممارسة العمل البرلمانى عددًا من الموضوعات، منها الدبلوماسية البرلمانية والبروتوكول والإتيكيت والمراسم، إلى جانب الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يشمل التخطيط الاستراتيجى وربط القوانين بالسياسات الوطنية ومناقشة الخطة داخل مجلس النواب وفق الإجراءات البرلمانية المعتمدة، وبما يتسق مع رؤية مصر 2030 وأهداف التنمية المستدامة.

 

 

 

كما يشمل البرنامج المحور الإعلامى المتعلق بالتواصل السياسى والإعلامي، والتعامل مع وسائل الإعلام والصحافة وإدارة الأزمات والحملات الإعلامية فضلا عن تنمية المهارات المعرفية والفكرية واستشراف المستقبل وتحليل السياسات العامة والعمل الرقمى والتحول الرقمى وإدارة البيانات وتطوير أدوات الرقابة البرلمانية، ويأتى البرنامج فى إطار حرص الدولة المصرية على دعم كفاءة الأداء التشريعى والرقابى وبناء كوادر برلمانية قادرة على مواكبة المتغيرات الإقليمية والدولية.

تعكس هذه التحركات تنوع الملفات، بما سيطرح نقاشات حادة عن مناقشة هذه القضايا تحت القبة، ويتطلب ذلك أن يكون هذا الاشتباك له نتائج ملموسة يشعر بها المواطن فى حياته اليومية بما يعزز الثقة فى المؤسسة التشريعية وأداء النواب الجدد.