.. ولسيناء شعب وجيش يحميها
رضا رفعت
تفاصيل ملحمة «الوثائق» والختم السيادى و«حرب الأشباح»
خاضت مصر معركة «سيادة استباقية» لإجهاض مخططات ما سمى بـ «تدويل» إقليم سيناء، مستندةً لـ «تراكم الوثائق السيادية» والقدرة على الحفاظ على مقدرات الدولة، ووفقاً لتقييمات مراقبين دوليين، فإن الدولة نجحت فى حماية أصول وموارد طبيعية تُقدر قيمتها السوقية الحالية بمئات المليارات من الدولارات.

استندت الدولة فى حمايتها لهذه الأصول لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1803 (د-17) بشأن السيادة الدائمة على الموارد؛ مما جعل من استغلال الاحتلال لهذه الموارد «مديونيّة واجبة السداد» لا تسقط بالتقادم، وهو الملف الذى استخدمه المفاوض المصرى ببراعة للضغط فى ملفات التعويضات والتسويات اللاحقة.
كسر الشفرة
فى إطار حرب الاستنزاف، نفذت «المجموعة 39 قتال» عمليات نوعية خلف الخطوط لم تقتصر على الاشتباك، بل استهدفت «الحصول على عينات تقنية». نجح الفدائيون فى العودة بـ أجهزة توجيه واتصال متطورة وعينات من الذخائر الغربية الحديثة؛ مما مكن خبراء الكلية الفنية العسكرية من فك شفرات التوجيه المعادية، وكشف نقاط الضعف فى تدريع الآليات الإسرائيلية.
وبالتوازي، استخلصت أجهزة المخابرات من الأسرى (مثل الطيارين الذين أسقطت طائراتهم ومنهم «يعقوب رونيه») خرائط «الترددات التبادلية»، وفق (شهادة هنيدى أبو شريف وسمير نوح المشاركين فى العملية)؛ مما سمح بكسر التفوق المعلوماتى للاحتلال، وتأمين تحركات القوات خلف الخطوط عبر «إجراءات تعمية إلكترونية» وتكتيكات تمويه بصرى وتضليل رادارى بطلاءات ماصة للموجات، والمجسمات الخشبية وأجهزة إرسال بترددات متقطعة؛ مما حيد جانبًا كبيرًا من قدرات الاستطلاع الجوى المعادى وحصن سرية ساعة الصفر.

أجهضت القاهرة مخطط جعل سيناء منطقة خاضعة للإدارة الدولية بمؤتمر «الحسنة» (1968)؛ عبر صراع إرادات وثقته، وفق «نيويورك تايمز» ومذكرات المشير محمد عبدالغنى الجمسى وزير الحربية الأسبق، فبتكليف سرى من الضابط محمد اليماني، أحرج الشيخ سالم الهرش أحد كبار مشايخ سيناء وزير الدفاع الإسرائيلى موشيه ديان أمام 120 مراسلاً عالميًا؛ حيث أرسل إشارة «تم التنفيذ» عبر راديو ترانزستور عقب إعلانه التاريخي:
«سيناء مصرية والسيادة للدولة، ومن أراد التحدث فليذهب لعبد الناصر». حوّل هذا الموقف المؤتمر من منصة لـ«دولة بديلة» إلى وثيقة قانونية أبطلت إجراءات الاحتلال ديموجرافيًا وسياديًا.
أدارت القاهرة «ولاية إدارية مستمرة» عبر «مكاتب سجل مدنى بديلة» بالقنطرة شرق وبورفؤاد، حيث نقل شيوخ القبائل بيانات المواليد والوفيات عبر الدروب الوعرة لاستصدار شهادات بـ «الختم السيادي». وبحسب «الكتاب الأبيض» الصادر عن وزارة الخارجية المصرية وتقارير منظمة الصليب الأحمر (1970)، أشهر الأهالى هذه الشهادات -الموثقة لدى منظمة الصحة العالمية- بوجه «العبرنة»، محبطين التهجير القسري. وامتدت السيادة لاعتماد شهادات الحج المصرية عبر موانئ وسيطة؛ تثبيتًا للتبعية الدينية والإدارية المطلقة للقاهرة.

تأمين العقول
وثق تقرير منظمة اليونسكو الأممية (1971) نجاح القاهرة فى تأمين المسار التعليمى عبر تهريب أوراق امتحانات الثانوية العامة لسيناء وإعادتها للتصحيح بمصر. وفرضت وزارة الصحة «سيادة بيولوجية» عبر لانشات الصيد ببحيرة البردويل لنقل لقاحات شلل الأطفال والطاعون؛ حيث اخترقت فرق تطعيم سرية الملاحات، محبطةً محاولات الاحتلال لتحويل الأوبئة إلى أداة ضغط لفرض التبعية الاقتصادية والخدمية. وكسر الأهالى الارتهان الطبى بابتكار «ثلاجات الرمال المبللة» لنقل الأمصال فى درجات حرارة مثالية اعتمادًا على التبخير الطبيعي.
بريديًا، وبضغط دبلوماسى قانونى من القاهرة، حاصرت الدولة شرعية الاحتلال عبر «اتحاد البريد العالمي» (UPU) بانتزاع قرار من مؤتمر طوكيو (1969) يربط مشروعية الطوابع بـ«السلطة الشرعية»؛ مما مكن مكتب «برن» الدولى عام 1970 من إصدار قرار ببطلان الطوابع الإسرائيلية فوق سيناء واعتبارها «أجسامًا غريبة» لا يُعتد بها دوليًا.
ورد الأهالى بتكتيك «الطابع المزدوج» (إخفاء المصرى خلف الإسرائيلي) كفعل سيادة مستترة، مع تسجيل القاهرة اعتراضًا رسميًا بسويسرا ضد أى خطاب يحمل طابعًا إسرائيليًا صادرًا من العريش. كما فرضت الدولة ختم «العريش - ج.م.ع» و«شهادة منشأ مصرية» لطرود الإغاثة، مُجبرةً منظمتى «اليونيسف» والصليب الأحمر على الاعتراف بالجمهورية كجهة ولاية حصرية. وبالتوازي، أدارت الجمارك «سيادة ورقية» ببيانات كودية، بينما أحبط الصيادون محاولات «إعادة وسم» إنتاج البردويل بملصقات إسرائيلية، عبر فرض «بروتوكول المنشأ» المصري.
ماليًا، ثبّتت مصر ولايتها عبر «البند السيادى 99» بموازنة الدولة لضمان رواتب الموظفين سرًا، وأدارت الدولة دورة تدفقات نقدية عابرة للحدود؛ لضمان الاستقرار السلعى وتجنب الانهيار فى القوة الشرائية للجنيه داخل الإقليم المحتل. وكشفت تقارير البنك الدولى اللاحقة أن هذه «الدورة النقدية الموازية» منعت ارتباط أسعار السلع فى سيناء بمعدلات التضخم الإسرائيلية المرتفعة آنذاك (التى تجاوزت 30% فى السبعينيات)، حيث نجحت «غرفة المقاصة السرية» (غرفة تسوية وحماية الأموال) التى أدارها البنك المركزى فى الحفاظ على «القيمة الحقيقية» لمدخرات المواطنين بالجنيه؛ مما أفشل مخطط «الضم النقدي» للاقتصاد الإسرائيلي.

وباعتماد «نظام المقايضة» السلعي، أحبطت القاهرة محاولات الاحتلال سحب الكتلة النقدية المصرية، مع منع توطين البنوك الإسرائيلية بفرض «ولاية استثمارية مستترة» عبر وكلاء «بنك ناصر» و«بنك مصر» لقروض صمود «صفرية»؛ مؤمنةً «استقلالاً نقديًا» خلف خطوط المواجهة.
ورصدت صحيفة «لوموند» الفرنسية ملحمة رفض تداول «الليرة» والتمسك بـ«توقيت القاهرة». وحصنت الدولة الأرض باعتماد «عقود الملكية الموروثة» و«دفاتر حصر النخيل» التاريخية كوثائق أحبطت مصادرة الأراضى بحجة «المشاع». وعقب أحداث 2013، أحبط جهاز الأمن الوطنى بوزارة الداخلية محاولات التنظيمات فرض «إتاوات» لعزل القبائل، بإعادة صياغة «معادلة التأمين السيادية» لحماية الأنشطة المعيشية.
اقتصاديًا، حاصرت القاهرة نهب الموارد بتفعيل المبدأ القانونى «السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية» (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1803). وتُوجت هذه الجهود بحكم محكمة «تورينو» الإيطالية عام 1973 بالحجز التحفظى على الناقلة «سيريس» وما تحمله من نفط مستخرج من حقول «أبو رديس»؛ استنادًا لتعريف العدوان فى القرار 3314.
هذا الحكم القضائى شكّل سابقة دولية حولت النفط السيناوى إلى «سلعة مسمومة» قانونيًا؛ مما أجبر شركات التكرير العالمية على الامتناع عن شرائه خوفًًا من الملاحقة. وتشير وثائق وزارة البترول (قطاع الاتفاقيات) أن هذا الحصار القانونى ساهم فى توثيق حجم الاستنزاف الذى قُدّر بنحو 500 مليون برميل طوال فترة الاحتلال؛ وفقًا للأسعار التاريخية والتقديرات الحالية، وهى البيانات التى شكلت لاحقًا «العمود الفقري» لمفاوضات استعادة الآبار بحالة تشغيلية مقبولة بدلاً من تدميرها بالكامل.
ورغم تدمير منشآت الفحم والمنجنيز، تحولت أحلام مستوطنة «ياميت» لثقب مالي؛ إذ كشفت وثائق هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن فاتورة الجلاء فى 1979 بلغت مليار دولار لتوفير بدائل بالنقب الإسرائيلى، مما حول سيناء لـ «خزان خسائر» استراتيجى عجل برحيل الاحتلال.

قصّاصو الأثر
وثقت سجلات المخابرات الحربية دور «قصاصى الأثر» الذين شكلوا منظومة إنذار مبكر بشرية تفوقت على التكنولوجيا. اعتمد المجاهدون على مهارات «الاستشعار الأرضي» عبر رصد الاهتزازات فى طبقات الأرض وتفسير سلوك الحيوانات البرية للتنبؤ بتحركات الدوريات المعادية قبل وصولها.
وبحسب شهادات قادة الاستطلاع- أمثال سويلم القبيصي-، نجح هؤلاء الأبطال فى تمييز المركبات (مجنزرة أو ذات عجلات) من خلال «بصمة الصوت» والآثار المتروكة على الرمال، موفرين إحداثيات دقيقة لمرابض المدفعية ونقاط تكديس الذخيرة؛ مما جعل قواعد العدو فى «أم خشيب» و«الطاسة» أهدافاً مكشوفة للنيران المصرية، متجاوزين بذلك أحدث أنظمة الرصد الإلكترونى «بريزم» التى عجزت عن التقاط إشارات «الهمس البدوي».
وبحسب رئيس المخابرات الحربية الأسبق اللواء فؤاد نصار، عمل 850 فدائياً كـ «أقمار بشرية»، متخفين بملابس «القاعد» (صوف الخراف) للذوبان وسط القطعان وتصوير الارتكازات بكاميرات احترافية. وحوّلت النساء رموز «التطريز السيناوي» -بإبداع المجاهدة فهيمة الهرش- لشفرات بصرية لنقل إحداثيات منصات «هوك»، بينما أُخفيت أجهزة اللاسلكى داخل «أفران الخبز» المشتعلة للتعمية على أنظمة الكشف الحراري.
وفنياً، استُخدمت «الترددات المهجورة» لبث إحداثيات مشفرة بلغة الإشارة البدوية لتوجيه المدفعية، مع إعادة تشكيل «كثبان الرمال» يدوياً لتضليل الطيارين عن الممرات الجبلية. واعتمدت «تكنولوجيا الفطرة» أيضًا على سرعة نمو أشجار «السيال»؛ لإخفاء فوهات المدافع وتغيير معالم الطرق الجبلية أمام الاستطلاع الجوى خلال ساعات. وبلغت هذه الشراكة نضجها عام 2015 عبر «اتحاد قبائل سيناء»؛ حيث قلص دمج الخبرة الفطرية بالتضاريس «كلفة الاستخبارات التقنية» (دراسة المركز المصرى للفكر).
وبقيادة البطل إبراهيم الرفاعي، ضمت «منظمة سيناء العربية» -وفق بيانات مركز الأهرام للدراسات- عمل 688 سيناويًا كذراع ميدانية للمجموعة 39 قتال؛ برز منهم الشيخ عيد أبوجرير والشيخ موسى راشد كخبراء ممرات.
وعلى جبهة «التعطيل المادي»، وثق البيان العسكرى رقم 32 استخدام المجاهدين عصارة نبات «العجرم» شديدة الملوحة كعامل تآكل إلكتروليتى لإحداث خلل فى الدوائر الإلكتروليتية لأجهزة إنذار خط بارليف. وبالتوازي، خاضوا معركة «سيادة بيولوجية» بإخفاء مواقع «الأمهات النباتية» بالوديان لحماية براءات الاختراع الفطرية للأعشاب من القرصنة الجينية.

وسحق المجاهدون أسطورة «قصاصى الأثر» الصهاينة بتكتيك «نعل الفرو» المخيط بعكس اتجاه الشعر لإرباك الكلاب البوليسية ومحو الأثر، مع ارتداء أحذية بـ«نعل مقلوب» لتضليل وحدات التعقب حول اتجاه الحركة. كما ابتكروا «شفرة الحصى الملون» كتقنية رصد إحصائى (حصاة سوداء لكل 10 دبابات، وبيضاء للمدرعات) بتقدير دقة بلغ 95%.
السيادة الميدانية
وبرزت السيادة اللغوية فى اعتماد «اللغة النوبية» شفرةً منطوقة (أوشريا - اضرب)، وشبكة «شفرة البردي» السلكية الممدودة تحت الرمال بعيدًا عن شبكات اتصالات الاحتلال. وتعززت السيادة الميدانية بأبطال سحقوا العدو من «المسافة صفر» بلسان بورتوفيق؛ كالملاكم سعيد البشتلى وبطل الجمباز إبراهيم سليمان.
كما تجلت قدرات «الرادارات البشرية» عبر المناضلة فرحانة سلامة (صائدة الدبابات) بذاكرتها التصويرية للطائرات ونقل الذخائر تحت «البرقع». وفى سجلات الشرف، يبرز شلاش العرابى (هدهد بئر العبد) الذى وصفته إسرائيل بـ «أخطر ثقب أسود» واجه نظام (أمان) المخابرات العسكرية الإسرائيلية؛ إذ أدار أخطر شبكة جاسوسية، مستخدمًا «مرايا عاكسة» وشفرات بصرية مع الصيادين فى عرض البحر لنقل تحركات السفن الحربية لغرفة عمليات بورسعيد، قبل أن يُعتقل ويقضم لسانه عمدًا أثناء التحقيق لمنع انتزاع الاعترافات؛ لينال حكمًا بـ 93 عامًًا صامدًا على صك ولائه.
وفى «معركة السويس»، صمدت المدينة 101 يوم تحت الحصار، وكسر أبطال «سلاح الإشارة» العزلة باستخدام تقنية «الموجة القصيرة» الموجهة للسماء لتجاوز تلال جبل عتاقة وتأمين الاتصال بالقيادة. وخلف القضبان، صان البطل محمد منصف الشرعية السيادية فى سجن «اشتيلون» بالتمسك بصفة «أسير حرب» تبعًا لـ (اتفاقية جنيف)، مُجبرًا الاحتلال على كشف 7 مجاهدين مخفيين لم تعترف بهم «أمان» إلا تحت الضغط القانونى للقاهرة.
وفنيًا، انتقلت المعركة لـ «السيادة فوق السحاب»؛ بإجبار شركات الطيران العالمية على دفع رسوم العبور لخزينة الدولة بالعملة الصعبة، استنادًا لرفض منظمة الطيران المدنى العالمية(ICAO) تعديل حدود «إقليم القاهرة للمعلومات الجوية». وفرضت القاهرة ممرات ملاحية إجبارية للطيران المدنى العالمى بعيدًا عن القواعد العسكرية المحتلة، حمايةً لسرية التحضيرات الجوية الكبرى لمعركة العبور.

وبالتوازى، ثبّتت القاهرة ولايتها بتحصيل رسوم «الإرشاد والملاحة» من السفن العابرة للممرات الدولية وفق سجلات مصلحة الموانئ والمنائر. استخدمت مصر كارثة «الرحلة 114» للخطوط الليبية التى تحطمت فى عام (1973)؛ حيث أثبت استرجاع بيانات الصندوق الأسود تعمد الاحتلال التشويش لحجب الإشارات المصرية؛ مما شكل دليلاً قانونيًا قاطعًا أمام منظمة (ICAO) لبطلان «الولاية الفنية» للاحتلال لمخالفته صلب اتفاقية شيكاغو للطيران المدني.
وخاض الوفد الفنى معركة السيادة على موارد ومسارات المياه بالتمسك بـ «اتفاقيات 1929 و1959»؛ لإحباط نقل المياه للنقب. وحقق المهندسون هذه الولاية بتهريب سجلات مناسيب الأمطار وتخريب «مجسات القياس»، مما أصاب الاحتلال بالجهل بمسارات «مفيض السهيلي» وسعة «سد الروافع»؛ فتسبب ذلك فى غرق المشاريع الاستيطانية بالسيول. كما تعمد الفنيون تخريب «المضخات الرئيسية» بقطع غيار غير قابلة للاستبدال إلا من المصدر المصري. وفنيًا، أحبط رجال الضفادع البشرية يتقدمهم البطل محمود البحيرى تكنولوجيا العدو بإغلاق سدادات «النابالم» فى 25 دقيقة مؤمّنًا ملحمة العبور.
معركة الأصول
لم تقتصر السيادة على المواجهة المادية، بل شملت «حرب عقول» لحماية الأصول؛ إذ باغتت القاهرة لجان الاستلام بـ «أرشيف الميكروفيلم» السري، الذى أُخفى بـ «الدقي» قبل حرب يونيو كوثيقة تاريخية أثبتت حق مصر فى احتياطيات «فحم المغارة»، منجنيز «أبو زنيمة»، والسيليكا.
وفرضت الدولة «سيادة ثقافية» بإجبار الاحتلال على إعادة 40 ألف قطعة أثرية منهوبة من منطقة معبد «سرابيط الخادم» وتل المسخوطة، كجزء من صكوك الملكية.
وعلى جبهة كسر الاستغلال، اعتمدت مصر استراتيجية «التفكيك الصامت»؛ إذ وثقت سجلات «سيناء للمنجنيز» نجاح عمالها فى فك لوحات التحكم والمكونات الدقيقة ودفنها بمغارات مجهولة، مما حول القلاع التعدينية لـمعدات معطلة لا يمكن تشغيلها؛ مما أعجز خبراء ألمانيا الغربية، وقتها، عن التعامل معها. تزامن ذلك مع «خديعة جيولوجية» بالتلاعب بـ «إحداثيات عينات اللب»؛ لإيهام العدو بانخفاض الجدوى الاقتصادية للمناجم، ليُعاد تشغيلها عقب استعادتها بـ 72 ساعة.
فى الوقت ذاته أربك المجاهد موسى رويشد استخبارات (أمان) بـ «تكنولوجيا التمويه بالرمال»، ووجهت «منظمة سيناء» ضربات «كاتيوشا» لعمق 160 كم، وفق شهادة المجاهد الشيخ سلام بن جازي. ويوثق المجاهد الشيخ عيد الربيقى جريمة نهب الجرانيت من جبل «سحابة» وتصديره بأسماء شركات وهمية؛ وهى انتهاكات جسيمة تخالف المادة 55 من لائحة لاهاى لعام 1907، التى تفرض على الطرف المحتل صفة «المنتفع والحارس» للأصول العامة فقط، وتمنعه من تدمير أو استهلاك رأس المال المجتمعي؛ لتظل هذه الوقائع صكوك إدانة قانونية فى ملف التعويضات الدولي.
ومع تجفيف النهب، نجحت الدولة والقبائل خلال الفترة من (2015-2018) فى تدمير 3000 نفق، ناقلةً الثقل المالى لمسارات رسمية.
حسم معركة طابا
حُسمت معركة طابا بـ «السيادة الوثائقية»؛ إذ استند الفريق القانونى المصرى إلى «الخريطة الأصلية المرفقة باتفاقية 1906» المعروفة بـ (خريطة باركر)؛ حيث نجحت مصر فى تقديم نسخها الموثقة كدليل مادى قاطع.
وعززت القاهرة موقفها بتقديم «حجج الأوقاف» للأزهر والتكايا المصرية؛ للولاية الإدارية والدينية التاريخية، مع اعتماد «أشجار الدوم التاريخية» كشواهد بيولوجية حية على خط الحدود.
وكانت «الضربة القاضية» حين باغت الفريق المصرى هيئة التحكيم بوثائق استُخرجت من الأرشيف البريطانى ومحفوظات الخارجية التركية؛ ضمت مراسلات وتقارير مساحية أثبتت أن الأعمدة الحدودية وُضعت لتكون حدودًا دولية نهائية لا مجرد خطوط إدارية مؤقتة؛ مما دحض الرواية الإسرائيلية أمام هيئة التحكيم بجنيف.
وفنيًا، أحبطت (المقاومة الهندسية) المسح الإسرائيلى بإخفاء (نقاط التثبيت)؛ مما جعل خرائط الاحتلال «لقيطة» فنيًّا وبلا نسب مساحى معترف به دوليًا.
وتوجت الملحمة بقبول هيئة التحكيم للمرافعات؛ حيث شكلت «النتوءات الصخرية» وعلامات الحدود شواهد طبيعية ثابتة لا تقبل التزوير، أيدها خبراء مساحة دوليون. ليكون حكم 29 سبتمبر 1988 انتصارًا ساحقًا للدبلوماسية القانونية، مستردًا آخر شبر من السيادة.
اقتصاديًا، برزت أهمية «الكتاب الأبيض» الذى أصدرته وزارة الخارجية المصرية فى عام 1971 كحائط صد قانونى ضَمِن استعادة المنشآت السياحية كـ «كيانات منتجة» لا مجرد هياكل خاوية؛ مما عظم العائد على الاستثمار، محققاً وفورات مالية مباشرة تُقدر قيمتها السوقية الحالية بمئات المليارات من الدولارات (وفقاً للقيمة الدفترية للأصول مضافاً إليها معامل التضخم التراكمي)؛ مما صان الثروة السيادية خلف خطوط النزاع.

تكتمل ملحمة السيادة بفرض «الكود الدولي» وحماية «هوية الموجة» أمام (ITU) كأصل وطنى لا يقبل القسمة، مع تحويل «كلفة التأمين الأمني» إلى «عائد استقراري» بفعل الحزام البشرى للقبائل. إن استعادة سيناء لم تكن مجرد جلاء عسكري، بل كانت «أضخم عملية استرداد مالى وقانونى للأصول» فى التاريخ الحديث، أديرت بعبقرية صانت القيمة الحقيقية المسجلة للأرض ومنشآتها قبل تحرير المكان.
واليوم، تمتد رحلة حماية هذه المكتسبات بالاستثمارات الضامنة لتحويل «الوثائق التاريخية» إلى «تدفقات تنموية مستدامة» ترفد الخزانة العامة.
لم تعد سيناء مجرد ملف فى المحاكم الدولية، بل تحولت إلى «قاطرة نمو مليارية» تفرض واقعًا عمرانيًا يحصن الجغرافيا عبر التنمية الشاملة. لقد انتقلت السيادة من «نص قانوني» إلى «أصل استثماري» ينميه المواطن؛ لتظل سيناء محصنة بالبيانات، ومحروسة بالمشروعات، ومنطلقة فى قلب المستقبل كأغلى أصول الدولة المصرية وأكثرها صمودًا.
الحلقة المقبلة: جهود التنمية الشاملة على أرض سيناء .