هل تفتح الفيروسات النار فى 2026؟!
باتريك جاكسون
يدخل العالم عام 2026 على إيقاع أخطار فيروسية متصاعدة، مع ترقب تحول «إنفلونزا الطيور» إلى جائحة محتملة، وترسّخ «إمبوكس» كمرض متوطّن، واتساع انتشار «أوروبوش» المنقول بالحشرات.
ويُفاقم تغير المناخ والتنقّل الكثيف للبشر ضعف الجاهزية، فيما تبقى اللقاحات والعلاجات غير كافية أو غائبة أمام موجة فيروسات قديمة ومتجددة.
لا تنفك الفيروسات القديمة عن التطور باستمرار، ومع ازدياد حرارة كوكب الأرض وتنامى عدد سكانه، يجد البشر أنفسهم فى تماس مع طيف أوسع وأكثر تنوعًا من الفيروسات. أضف إلى ذلك أن كثافة تنقل البشر تتيح لهذه العوامل الممرضة عبور الحدود بسرعة فائقة، متنقلة عبر العالم مع مضيفيها.
وبحكم عملى طبيبًا وباحثًا متخصصًا فى الأمراض المعدية، سأصب جل اهتمامى خلال 2026 على عدد من الفيروسات التى ربما تكون مهيأة للتسبب بحالات عدوى فى أماكن غير متوقعة، أو بمعدلات تفوق التقديرات السائدة.

على أعتاب جائحة
تمثل «الإنفلونزا أ» تهديدًا دائمًا، إذ يمتلك هذا الفيروس قدرة على إصابة طيف واسع من الحيوانات، إلى جانب قابليته العالية للتحور الوراثى السريع.
ويقدم آخر وباء إنفلونزا شهده العالم مثالًا واضحًا على ذلك، فقد تسببت السلالة الفرعية «إتش 1 إن 1» عام 2009 فى وفاة أكثر من 280 ألف شخص حول العالم خلال عامها الأول وحده، وما زال الفيروس موجودًا وينتشر بين الناس حتى اليوم. وقد أطلق عليه آنذاك اسم «إنفلونزا الخنازير»، نظرًا إلى أنه نشأ فى الخنازير فى المكسيك قبل أن يطوف أرجاء المعمورة.
فى الآونة الأخيرة، يركز العلماء جهودهم على سلالة «إتش 5 إن 1»، علمًا أنها نمط فرعى من إنفلونزا الطيور يصنف بأنه عالى الضراوة.
وقد رصدت أولى الإصابات البشرية بهذا الفيروس فى جنوب الصين عام 1997، فيما أسهمت الطيور البرية فى نقله حول العالم.
أما فى 2024، فقد رصد الفيروس للمرة الأولى فى الأبقار الحلوب بالولايات المتحدة، قبل أن يترسخ وجوده بصفة دائمة داخل قطعان الماشية فى ولايات عدة.
هكذا، أثار عبور الفيروس من الطيور إلى الثدييات قلقًا بالغًا من احتمالية تكيفه داخل أجسام البشر. وتفيد دراسات بأن كثيرًا من حالات العدوى المباشرة من الأبقار إلى الإنسان قد وقعت بالفعل.
فى 2026، سيواصل العلماء البحث عن أى دليل على أن فيروس «إتش 5 إن 1» تغير بما يكفى ليصبح قادرًا على الانتقال من إنسان إلى آخر، وهى الخطوة اللازمة لبدء جائحة إنفلونزا جديدة. ونظرًا إلى أن لقاحات الإنفلونزا المتوفرة حاليًا لا توفر، على الأرجح، وقاية كافية من هذا الفيروس، ينكب العلماء الآن على تطوير لقاحات فاعلة قادرة على كبحه.

انتشار عالمى
اكتشف فيروس «إمبوكس»، المعروف سابقًا باسم «جدرى القرود»، للمرة الأولى فى خمسينيات القرن الـ20. وعلى مدى عقود طويلة، ظل هذا الفيروس نادرًا نسبيًا، وتركز ظهوره أساسًا فى مناطق أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. خلافًا لما يوحى به اسمه القديم، يصيب الفيروس غالبًا القوارض، وينتقل إلى البشر فى بعض الحالات عادة عبر الملامسة المباشرة لإفرازات أو سوائل جسم الحيوان المصاب.
يرتبط فيروس «إمبوكس» ارتباطًا وثيقًا بفيروس الجدري، وتؤدى الإصابة به إلى حمى وطفح جلدى مؤلم قد يستمر أسابيع عدة. وتوجد عدة سلالات من الفيروس، من بينها سلالة أولى أشد خطورة عمومًا، وأخرى ثانية أخف وطأة. ويتوافر لقاح للوقاية من «إمبوكس»، لكن لا توجد حتى الآن علاجات فعالة له.
وفى 2022، شهد العالم تفشيًا للسلالة الثانية من «إمبوكس»، إذ امتدت رقعة الإصابات لتشمل أكثر من 100 دولة لم يرصد فيها الفيروس سابقًا.
نجم هذا التفشى عن انتقال العدوى من شخص إلى آخر عبر المخالطة الوثيقة، وغالبًا من خلال الاتصال الجنسى. وعلى رغم التراجع الملاحظ فى عدد إصابات «إمبوكس» منذ تفشيه عام 2022، فقد استقرّت المجموعة الوراثية الثانية حول العالم وأصبحت متوطنة فى مناطق عدة.
وفى الوقت نفسه، سجلت بعض دول وسط أفريقيا زيادة فى إصابات المجموعة الأولى منذ 2024.
ومنذ أغسطس 2025، سجلت الولايات المتحدة أربع حالات من هذه المجموعة الأشد خطورة، شملت أشخاصًا لم يسافروا سابقًا إلى أفريقيا.
وما زال من غير الواضح كيف ستتطور حالات تفشى «إمبوكس» فى الولايات المتحدة وخارجها خلال عام 2026.
حكاية أوروبوش
يعود اكتشاف فيروس «أوروبوش» للمرة الأولى لخمسينيات القرن الـ20 فى جزيرة ترينيداد قبالة سواحل أمريكا الجنوبية، تحمله وتنشره حشرات البعوض و«براغيش»، صغيرة جدًا إلى حد أنها تكاد لا ترى بالعين المجردة.
يعانى معظم المصابين بالفيروس حمى وصداعًا وآلامًا فى العضلات، وغالبًا ما تتلاشى هذه الأعراض فى غضون أيام قليلة، غير أن بعض المرضى يواجهون ضعفًا عامًا فى الجسم يمتد حتى أسابيع. وفى بعض الحالات، تعاود الأعراض الظهور بعد مرحلة التعافى الأولى.
ولكن ما زالت تحيط بفيروس «أوروبوش» والمرض الذى يسببه أسئلة كثيرة بلا إجابات، كذلك لا تتوافر حتى الآن علاجات أو لقاحات مخصصة له.
وعلى مدى عقود، ساد اعتقاد بأن الإصابات البشرية تقتصر على منطقة الأمازون. غير أنه منذ أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة، بدأ تسجيل حالات فى مناطق أخرى، شملت أجزاء من أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبي. أما فى الولايات المتحدة، فغالبًا ما ترصد الإصابات بين مسافرين عائدين من الخارج.
فى عام 2026، من المرجح أن تواصل حالات الانتشار المفاجئ والسريع لفيروس «أوروبوش» إصابة المسافرين فى أنحاء الأمريكتين.
إذ تنتشر الحشرة اللادغة الناقلة للفيروس فى معظم بقاع أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، بما فى ذلك جنوب شرقى الولايات المتحدة. ولا يستبعد أن يستمر نطاق انتشار الفيروس فى الاتساع.

تهديدات أخرى
تلوح فى الأفق أخطار ناجمة عن عدد من الفيروسات الأخرى خلال عام 2026، فى تهديدات محتملة أخرى. وضمن ما يتداول بشأن موجات التفشى العالمية المستمرة لفيروس «شيكونجونيا» وهو فيروس تنقله أنواع معينة من البعوض، ويسبب حمى شديدة وآلامًا حادة ومزمنة فى المفاصل تطال المسافرين، مما قد يدفع بعضهم إلى التفكير فى أخذ اللقاح المخصص ضد هذا المرض، مع تصاعد إصابات الحصبة داخل الولايات المتحدة وعلى الصعيد العالمي، فى مقابل تراجع ملاحظ فى معدلات التطعيم.
وعلى رغم توافر علاجات ناجعة، يبدو أن فيروس نقص المناعة مهيأ للعودة مجددًا، إلى جانب أنه من الوارد أن تظهر فى المستقبل فيروسات لم تكتشف، لا سيما مع استمرار البشر فى العبث بالأنظمة البيئية والتنقل حول العالم. يبقى أنه فى مختلف أنحاء العالم، يتشابك مصير البشر والحيوانات والبيئة. عليه، تصبح اليقظة تجاه الفيروسات المعروفة وتلك الناشئة، إلى جانب الاستثمار فى تطوير لقاحات وعلاجات جديدة، خط الدفاع الأساس للحفاظ على سلامة الجميع.