الأربعاء 28 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

عبدالمعطى حجازى حكاية قصيدة هجا فيها العقاد!

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

أعتبر نفسى دائمًا من المعجبين بالشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى..  تعرّفت عليه لأول مرة عند التحاقى بمجلة «صباح الخير» سنة 1964 وهو من أوائل من عملوا فى المجلة منذ انطلاقها سنة 1956.

وقد بدأ عمله فى المجلة مصححًا لغويًا ثم مسئولًا عن إعادة صياغة المواد التى يكتبها غيره وبعدها أصبح صحفيًا محررًا، لكنه انتقل إلى مجلة «روزاليوسف» مشرفًا على القسم الأدبى وسكرتيرًا للتحرير..

ومن ذكرياتى معه ذلك الوقت أنه كان يشجعنى على العمل فى المجلتين معًا.. ربما لرغبته فى كسب شباب جدد للمجلة العريقة، لكن ظروفى لم تسمح بذلك وقتها حيث كنت أعمل محررًا تحت التمرين ومساعدًا للمشرف الفنى.. بجانب الدراسة فى كلية الفنون الجميلة.

 

وتوطدت صداقتى مع هذا الشاعر المجدد، أحد رواد حركة تحرير الشعر العربى من القافية والعمود التى سميت وقتها «حركة الشعر الحر» أو شعر التفعيلة، وتولى قيادتها معه رائد كبير آخر هو صلاح عبدالصبور - وهو أيضًا واحد من أوائل من اشتركوا فى تحرير «صباح الخير» عند انطلاقها.

 

 

 

حكاية معركة 

من أسباب إعجابى بأحمد عبد المعطى حجازى،  الواقعة التى أثارت انتباه قراء الصحف والمجلات وأهل الشعر من مبدعيه ومحبيه، وكل الوسط الثقافى المصرى والعربى. 

وأعنى بها واقعة تصادم جرت بين شاعرنا المجدد الشاب - كان فى العشرين من عمره وقتها - ّوبين أحد أعلام الأدب والصحافة والسياسة فى مصر والعالم العربى الأستاذ عباس محمود العقاد.

وكان العقاد يرأس لجنة الشعر فى المجلس الأعلى للآداب والفنون، وعندما تقدم حجازى بأشعاره للجنة فوجئ بأن العقاد رفضها واعتبرها نثرًا وليست شعرًا، وأحالها - مع أشعار صلاح عبد الصبور- إلى لجنة القصة مما أثار حفيظة الشاعر الشاب المتحمس لفكرة تجديد الشعر العربى وتحريره من النمط القديم حتى يعبّر عن الحداثة.. روح وثقافة العصر. 

والحكاية هى أن العقاد رفض مشاركة حجازى وعبد الصبور فى تمثيل مصر فى مهرجان الشعر فى دمشق. وهدد بالانسحاب من مجلس الفنون والآداب، فلم يجد يوسف السباعى سكرتير عام المجلس مفرًا من أن يطلب منهما وهما موجودان فى المهرجان بالفعل، ألا يصعدا إلى المنصة لإلقاء قصائدهما!

فماذا فعل الشاعر الشاب حجازي؟

وجه إلى العقاد رسالة علنية اتهمه فيها بالرجعية والتخلّف والوقوف عقبة فى طريق التطور عمومًا والشعر خصوصًا.. ونشرت الرسالة فى «الأهرام» وتعمّد الشاعر الشاب الغاضب أن يكتب قصيدة هجاء لغتها صارخة، لمزيد من الإزعاج والإثارة والتعبير المباشر عن الغضب، ونكاية فى العقاد المشهور بالتشدد والجبروت فى مواقفه وأحكامه. 

نسج أحمد عبدالمعطى حجازى القصيدة على النسق التقليدى للشعر العمودى،  تضمنت إساءة واضحة وسخرية حادة من عملاق الأدب الشهير عباس محمود العقاد.. هذا نصها:

من أى بحر عصى الريح تطلب

إن كنت تبكى عليه فنحن نكتبه

يامن يحدّث فى كل الأمور

ولا يكاد يحسن أمرًا أو يقربه

أقول فيك هجائى وهو أوله

وأنت آخر مهجو وأنسبه

تعيش فى عصرنا ضيفًا وتشتمنا

 

 

 

إنا بإيقاعنا نشدو ونطربه

وإننا نمنح الأيام ما طلبت

وفيك ضاع من التاريخ مطلبه

سباب وشهرة واسعة

وكان من الطبيعى أن يواجه سلوك حجازى بمعارضة بلغت حد السباب من جانب من رفضوا التعرّض للعقاد، على أساس أن آراءه ومواقفه وأحكامه الأدبية وغير الأدبية من الأمور المنزهة عن المناقشة والاعتراض.

بينما حظى حجازى بشهرة واسعة واعتبره عديد من النقاد والشعراء الجدد ومحبي الشعر ودعاة التقدم فى مختلف مناحى الحياة، أحد رموز الحداثة.

وكنت واحدًا من هؤلاء المتطلعين لتحديث الحياة فى مختلف المجالات، ومن هنا كان إعجابى بشجاعة أحمد عبدالمعطى حجازى.. رغم غضبه وتجاوزاته وهجائه المبالغ فيه. 

وتتبعت مسيرته وقرأت أشعاره وشعرت بجديته ووطنيته وتميّزه، وتحسّرت على موقف العقاد -الذى كما علمت فيما بعد- كان هو نفسه فى إحدى مراحل نمو ميوله الأدبية، يقدّم مع رفاقه فى «مدرسة الديوان» التى تضم ثلاثة شعراء كان من بينهم إبراهيم عبدالقادر المازنى وعبدالرحمن شكرى وكان العقاد مثلهم يقرض الشعر بأسلوب حديث منثور يتخطى شعر القافية العمودى الذى تجاوزه الزمن.

 صدرت له تسعة دواوين من هذا الشعر الخارج على الشعر التقليدى.

ولا أدرى هل تراجع العقاد عن أشعاره «التجديدية» هذه، أم شغلته اهتماماته الأخرى العديدة فقد كان نائبًا فى البرلمان وكاتبًا مهمًا فى الصحافة وخاصة «روز اليوسف» بجانب أبحاثه وكتبه المهمة فى مجالات متعددة فهو كما نعلم كاتب موسوعى وبحر من المعارف، وتميز عن مجايليه - الدكتور طه حسين والأستاذ توفيق الحكيم وغيرهما - بأنه علّم نفسه بنفسه ولم يحصل سوى على الشهادة الابتدائية ومع ذلك تفوّق وأصبح يشرف على درجات الدكتوراه فى الجامعات.

نعود إلى شاعرنا الكبير الذى انتقل للعمل كاتبًا فى «الأهرام» فى أوائل السبعينيات ووقتها تحمس للمشاركة فى العريضة التى تطالب السادات باستعادة الأرض المحتلة وإنهاء حالة اللا حرب واللا سلم التى عشناها بعد توليه الرئاسة، وقّع حجازى على العريضة التى تحمّس توفيق الحكيم لكتابة ديباجتها وقمنا كمجموعة شابة بجمع التوقيعات عليها ووقعها حجازى مع أكثر من 100 كاتب وفنان ومثقف وصحفى ونقابى وسياسى.

ولم يكتف بذلك بل إنه، وكان يجلس معنا فى مقهى أخذ على عاتقه مسئولية توصيل العريضة إلى الرئيس من خلال صديق له فى وزارة الثقافة، وكانت النتيجة أن اطلع عليها السادات ثم تكتّم أمرها وأصدر أوامره بمنع نشر أسماء الموقعين على العريضة فى الصحف ووسائل الإعلام حتى فى صفحة الوفيات! ومن جهة أخرى أمر بفصل حجازى ويوسف إدريس من «الأهرام».. كما فصل غيرهما من مناصبهم ووظائفهم.

ولم يكن أمام حجازى سوى المنفى الاختيارى،  فاتجه إلى باريس وحقق هناك نجاحًا ملحوظًا، حيث أصبح خلال سنوات أستاذًا للأدب العربى فى جامعات فرنسا.

وقد كنت أعيش فى لندن، فزارنى ومعه زوجته حيث قضيا عدة أيام فى ضيافتى فى بيتى الصغير، وكنت أخرج معهما للتجول فى العاصمة البريطانية ولا أنسى أننا خلال جولتنا فى أحد أحياء لندن الشهيرة مررنا فى حديقة كبيرة بتمثال للشاعر الشهير وليم شكسبير.. فانطلقت آهة من أحمد عبد المعطى حجازى: متى نرى تماثيل للشعراء فى مصر؟!

مضت فترة أصبحت بعدها مدير تحرير مجلة «المشاهد» فسافرت إليه فى باريس وأجريت معه حديثًا نشر فى المجلة واتفقت معه على كتابة صفحة أسبوعية.

وبعد اغتيال السادات عاد حجازى من باريس إلى مصر حيث تولى رئاسة تحرير مجلة «إبداع» لفترة طويلة لكن الدكتور جابر عصفور عندما كان وزيرًا للثقافة نحاه من منصبه.. ولا أعرف السبب، وكان يتولى وقتها عدة مهام أخرى منها الإشراف على بيت الشعر، فقرر بمبادرة شخصية التخلى عن كل هذه المهام!

 

 

 

لا أملك فى نهاية هذا الحديث إلا توجيه تحية تقدير وإعزاز لهذا الرائد الكبير أحد علامات الشعر العربى والنقد الأدبى التى تعيش بيننا وقد دخل التسعينيات من العمر المديد.

وفى الأسبوع المقبل نواصل