لمهادى «العنيف»!
تامر يوسف
لم أكن يومًا أديبًا ولا كاتبًا.. ولا حتى حكواتيًا.. عرفنى القراء رسامًا صحفيًا ومخرجًا فنيًا.. فعمرى كله أمضيته أرسم الكاريكاتير بين جنبات صاحبة الجلالة.. لكن مع رحلاتى المتعددة.. وهجرتى إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. وجدتنى أكتب وأدون كل ما رأت عينى وأتذكر.. الأحداث التى تملأ رأسى المزدحم بالأفكار.. فإليكم بعضًا مما كتبت من الذكريات والأحداث.. لعل ما دونت فى يومياتى يكون زاد المسافر ودليله فى السفر.
التقيت به قبل سنوات بمدينة شفشاون - اللؤلؤة الزرقاء - بالمغرب. حيث حضرنا معًا الملتقى السنوى للكاريكاتير والإعلام.
وكان لقاؤه بالنسبة لى بمثابة السيرة الذاتية التى اكتملت لمجرد أنى صافحته وتعرفت عليه. وهذا ليس بالمبالغة أو المجاملة أو الإطراء، فهو وبحق إحدى العلامات المضيئة فى تاريخ فنّ الكاريكاتير العربى والمغربى على وجه الخصوص.
لمهادى هو صاحب البصمات البارزة فى تسطير الخطوط العريضة لملء صفحات هذا التاريخ العريق. وهنا أؤكد أنه أحد الرسامين المغاربة الأوائل الذين وضعوا اللبنة الأولى لتأسيس وترسيخ فن الكاريكاتير بـ المملكة المغربية.
كانت لقاءاتى به التى تكررت طوال أيام الملتقى بها من الود ما يكفى كرصيد لسنوات أخرى قادمة. لم تفارق وجهه ولو للحظة ابتسامته التى تبرز أسنانه البيضاء المتوازنة. وأنفه المميز المتوافق تماماً مع ضحكته، والتى تعلوها نظارته الطبية الدقيقة الصنع. ودائماً ما كان يرتدى زياً راقياً بقدر كبير. ويعقد أزار قميصه كلها حتى رقبته. وكان فعلياً أيقونة فى التواضع وخفة الظل.
له مشية غريبة شكلاً، لكنها وفى نفس الوقت مشية لطيفة تتوافق مع قامته.
وكانت تشبه إلى حد كبير مشية العبقرى الحزين الذى أضحك العالم كله شارلى شابلن.
وبما أنى ذكرت سيرة العبقرى الحزين، فالشيء بالشيء يذكر.. يقال إنه تم تنظيم مسابقة لتقليد مشية شارلى شابلن. فشارك بها شابلن بنفسه وكان متنكراً. إلا أنه حصل على المركز الثالث!
وأظن أن صديقى فنان الكاريكاتير الكبير لو كان شارك فى هذا السباق لكان حصل على المركز الأول بكل جدارة واستحقاق.

لم يكن هذا الرجل فناناً عادياً. فهو يملك الحدس. ولديه مهارة المحاكاة وطرح الواقع، بل وحصاره وترويضه داخل كادر كاريكاتورى ساخر يعكس مدى وعيه ومعايشته.
فأفكاره وأطروحاته هى جوهر الرسم. ونقده اللاذع هو مضمونه.
إنه إبراهيم لمهادى فنان الكاريكاتير الذى شارك فى إصدار عدة جرائد ساخرة خلال الثمانينيات، كما نظم وشارك فى عدد من المعارض داخل المغرب وخارجه. فى مطلع الستينيات كان توقيعه أبو سيف فى جريدة الدنيا وكذلك جريدة العلم حتى عام 1975.
وبالبحث فى ملفات وأوراق هذا الفنان.. نجد أنه ولد بـ درب السلطان بـ الدار البيضاء عام 1941، والتحق بسلك التعليم عام 1958 حيث اشتغل معلماً بالمدارس الابتدائية بكل من الدار البيضاء والمحمدية وإقليم سطات، وتقاعد سنة 1985 بدرجة مدير مؤسسة.
وعلى التوازى نشر أول رسوماته بـجريدة أخبار الدنيا سنة 1963 ليلتحق بـجريدة العلم فى نفس السنة.
ومن أعظم ما أقدم عليه أبو سيف حقاً، أنه أكمل دراسة الحقوق عام 1972 فاكتملت لديه رؤية الحق إلى جانب فلسفته الساخرة من خلال فن الكاريكاتير وبعد ذلك بدأت تظهر رسوماته فى جريدة المحرر اليومية سنة 1975.
وتميزت أعمال لمهادى بجرأة الفكرة وقوتها. كما تميزت بالبساطة والسلاسة فى الرسم والتناول والمعالجة. وصحيح أن فن الكاريكاتير هو ساحة كبيرة للإبداع بدون قيود أو شروط أو محاذير. لكن دائماً ما يصطدم بمقايس حرية الإبداع والرأى التى تختلف معاييرها من بلد إلى آخر.
ففى عام 1980، تم اعتقال لمهادى فى منتصف الليل بسبب رسم كاريكاتورى انتقد فيه الخطاب الملكى للملك الحسن الثاني، حيث كان يعمل آنذاك بـ جريدة المحرر، وقد تم منعه من الرسم طيلة 18 عاماً اعتزل فيها الكاريكاتير مجبراً. حتى عاد للنشر من جديد فى جريدة الصحيفة الأسبوعية وجرائد وطنية أخرى إبان وصول الملك محمد السادس لسدة الملك خلفاً لـوالده الملك الحسن الثاني، وبداية مرحلة جديدة من المضى فى طريق حقوق الإنسان والوعى السياسى وإنشائه لـ هيئة الإنصاف والمصالحة.
تم تكريم لمهادى فى العديد من المناسبات. وكانت جائزة محمود كحيل لعام 2021 جائزَة قاعة المشاهير لإنجازات العمر الفخرية أخر تكريم حصل عليه، هذا ومن قبلها تم تكريمه بـالمهرجان الدولى الأول للكاريكاتير بـ مدينة أكادير عام 2017. ومن وجهة نظرى المتواضعة فإن أهم درجات التكريم هى رصيد المحبة فى قلب كل من عرفوه أو التقوا به.
لم يكن بالغريب أن يجمع إبراهيم لمهادى خلاصة تجربته مع فن الكاريكاتير فى كتاب تحت اسم سنوات الرصاص والحبر والفحم والطباشير، ضم أجمل ما رسمه خلال نصف قرن من الإبداع فى مجال الكاريكاتير على صفحات الجرائد المغربية، خاصة أنه من الجيل الأول لرسامى الكاريكاتير بـالمغرب. وخرج من تحت عباءته العديد من رسامى الكايكاتير المتميزين الذين مثلوا الامتداد هذا الفن بالمغرب. ويعتبر هذا الكتاب شهادة وتأريخ لمرحلة مهمة وثرية من التاريخ والواقع السياسى المغربي. عن نفسى فلقد تشرفت بأن كتب عنى الفنان الكبير ابراهيم لمهادى مقالة أعتز بها وأحفظ كلماتها عن ظهر قلب. وقد قمت بنشرها فى كتابى الثانى الصادر عن الهيئة العامة المصية للكتاب تحت اسم الهدنة عندما تسقط الأقنعة الذى نشرعام 2022.
رحل لمهادى عن دنيانا وسبقنا إلى دار الحق صباح الـ 24 من نوفمبر عام 2021 بعد معاناة مع المرض. وترك لنا بصمة مضيئة سيشير لها التاريخ بفخر كونه رائدا من رواد الكاريكاتير العربى والمغربى.