تعب زراعة القصب!
عمرو محمد الغزالى
«كسر القصب» كان حدثًا اجتماعيًا مهمًا فى حياة أهل صعيد مصر ولا يزال، وإن اختلفت الأمور نسبيًا الآن عن السابق. وهو يعنى بداية حصد محصول القصب، وليس كسر الأعواد فقط!.
وأعواد القصب هذه التى يُستخرج منها السكر فى المصانع، ويراها الناس فى مختلف مدن مصر ويستمتعون بعصيرها، تخفى خلفها كثيرًا من الكدِّ والشقاء، وبلا مبالغة كثيرًا من المرارة.
وعلى الرغم من هذا يعتبرها أهل الصعيد ثمارًا، كحبَّات الفاكهة، لأنها نهاية شهور من التعب فى زراعة القصب، تنتهى عادة ببيع المحصول لشركة السكر بمقابل لا يكفى الحد الأدنى من ضرورات الحياة.
يُعدّ قصب السكر عصب الحياة الزراعية والصناعية فى صعيد مصر، وتراثًا تاريخيًا واقتصاديًا عميق الجذور يمتد لقرون طويلة، محفورًا فى ذاكرة المكان والإنسان. وتمثل زراعته العمود الفقرى لاقتصاد محافظات مصر العليا، حيث تتشابك دورة حياته مع حياة المزارعين والعمّال والمصانع فى نسيج اجتماعى فريد.
رحلة تبدأ بعودٍ أخضر ينمو تحت شمس الصعيد الحارقة، وتنتهى ببلورات سكر بيضاء تملأ الأسواق، تحكى قصة كفاح وجهد متواصلين، تتطلب دقة فى العمل الزراعى ومهارة فى التصنيع.
دخل قصب السكر إلى مصر فى فترة مبكرة من التاريخ، وشهد توسعًا كبيرًا مع الفتح الإسلامى فى القرن السابع الميلادي، حين نقله العرب من مناطق جنوب شرق آسيا، وبخاصة الهند، إلى الأراضى المصرية الخصبة. وجد القصب فى صعيد مصر تربة ملائمة ومناخًا دافئًا، ما ساعده على النمو والازدهار بسرعة، لتصبح زراعته جزءًا أصيلاً من المشهد الزراعى فى البلاد.
شهد العصر الأموى توسعًا ملحوظًا فى زراعة القصب، حيث حرص الولاة على زيادة الرقعة المزروعة، بينما بلغ إنتاج السكر وتطوير معاصره التقليدية ذروته فى العصر المملوكي، إذ كانت صناعة السكر جزءًا مهمًا من الاقتصاد، ويشير بعض المؤرخين إلى أن السكر المصرى كان مشهورًا حتى خارج حدود مصر.

ومن الطرائف التاريخية المرتبطة بالقصب، أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الذى عاش فى مصر أواخر القرن الثانى الهجري، كان يحب قصب السكر المصرى ويُقال إنه قال ممازحًا لجلسائه: «ما أقمتُ فى مصر إلا حبًا بالقصب»، مما يعكس انتشار القصب وتقديره حتى فى تلك الفترة المبكرة من التاريخ الإسلامي.
مع مطلع القرن التاسع عشر، شهدت صناعة السكر نقلة نوعية كبرى، حين أسس محمد على باشا عام 1818 أولى المصانع الحديثة لإنتاج السكر، ضمن مشروعه لتحديث الزراعة والصناعة فى مصر.
وتوالى بعد ذلك إنشاء المصانع الكبرى فى الصعيد، مثل مصانع قفط، وقوص، ودندرة، وفرشوط، وكان مصنع نجع حمادى من أبرز هذه المصانع، تأسس أواخر القرن التاسع عشر وبدأ الإنتاج مطلع القرن العشرين، ليصبح رمزًا لإنتاج السكر فى مصر العليا.
لم يقتصر دور هذه المصانع على التصنيع فحسب، وامتد لتوفير فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلى فى محافظات قنا، الأقصر، وأسوان. وإلى اليوم، تبقى هذه المصانع شاهدًا على عراقة صناعة السكر المصرية، التى انتقلت من معاصر تقليدية بسيطة إلى صناعة حديثة متكاملة، محافظة على أهميتها الاقتصادية والاجتماعية عبر قرون طويلة.
وفى قلب هذه المنظومة الصناعية، تشكّلت عبر العقود علاقة تاريخية واقتصادية متشابكة بين المزارع والمصنع. فالمصانع تمثل المشترى شبه الوحيد لمحصول القصب، بينما يشكّل المزارعون الموردين الرئيسيين للمادة الخام، فى معادلة دقيقة يتوقف عليها استقرار هذا القطاع بأكمله. ويُعدّ تحديد سعر توريد القصب من أكثر القضايا الاقتصادية والاجتماعية حساسية، إذ يسعى المزارعون إلى الحصول على سعر عادل يغطى تكاليف الإنتاج ويضمن لهم هامش ربح معقول، فى حين تحرص المصانع على الحفاظ على قدرتها التنافسية واستمرارية التشغيل.
ولا تنفصل هذه العلاقة عن جهود تطوير المصانع وتحديثها، حيث شهدت السنوات الأخيرة تحديثًا لخطوط الإنتاج بهدف رفع كفاءة استخلاص السكر وتقليل الفاقد، وتعظيم الاستفادة من المخلفات.
أسهم هذا التوجه فى توسيع نطاق الصناعات التحويلية المرتبطة بالقصب، ومنح المحصول قيمة اقتصادية تتجاوز إنتاج السكر وحده.
فـ«المصاص»، وهى الألياف المتبقية بعد عصر القصب، تُستخدم فى إنتاج لبّ الورق، بما يحدّ من الاعتماد على الاستيراد ويدعم الصناعة المحلية، كما تدخل فى صناعة الخشب الحبيبى المستخدم فى الأثاث.
أما «المولاس»، وهو أحد أهم المنتجات الثانوية، فيُعد مادة خام أساسية فى صناعة الكحول الإيثيلي، الذى يُستخدم فى العديد من الصناعات الطبية والصيدلانية والغذائية.
تجعل هذه المنظومة الصناعية المتكاملة من قصب السكر محصولًا استراتيجيًا بامتياز، لا يقتصر دوره على تلبية احتياجات السوق من السكر، بل يمتد ليغذى قطاعات صناعية متعددة، ويمنح هذا العود الأخضر وزنًا اقتصاديًا يتجاوز مذاقه الحلو، ليصبح أحد أعمدة التنمية فى صعيد مصر.
زراعة قصب السكر عملية معقدة وطويلة، تستغرق دورة حياتها نحو عام كامل، وتتطلب عناية دقيقة فى كل مراحلها. تبدأ بإعداد الأرض عبر حرثٍ عميق قد يصل إلى أربعين سنتيمترًا، لتفتيت الطبقات الصلبة وتسهيل تغلغل الجذور وزيادة قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء والهواء.
تلى ذلك مرحلة التنعيم والتسوية لضمان توزيع عادل للمياه، ثم تحديد مواعيد الزراعة التى تُفضَّل فى مصر العليا خلال الفترة من أواخر يناير حتى نهاية فبراير، مع وجود زراعة خريفية أقل شيوعًا فى سبتمبر وأكتوبر.

تُزرع عقل القصب، وهى قطع من السيقان الناضجة بطول يقارب ثلاثين سنتيمترًا، تحتوى على ثلاثة أو أربعة براعم، داخل خطوط متوازية تتراوح المسافة بينها بين متر ومتر ونصف. وتأتى بعدها مراحل التسميد، والعزيق لإزالة الحشائش، وهى عمليات مرهقة تتكرر طوال الموسم.
ويواجه القصب أمراضًا فطرية وفيروسية لا تقل خطورة، يأتى فى مقدمتها مرض التفحم، الذى يظهر فى صورة سوط أسود يحل محل النورة الزهرية، فضلًا عن الأمراض الفيروسية مثل الموزايك والاصفرار المخطط، التى تؤدى إلى ضعف النمو وتراجع الإنتاج. وتعتمد مقاومة هذه الأمراض فى الأساس على الإجراءات الوقائية، من زراعة أصناف مقاومة، واستخدام تقاوٍ سليمة، إلى مكافحة الحشرات الناقلة للفيروسات، وعلى رأسها حشرة المن.
تزرع محافظات صعيد مصر 300 ألف فدان قصب منها 105 آلاف لمحافظة قنا وحدها، و80 ألفًا للأقصر، و65 ألفًا فى أسوان، و 70 ألف فدان بين سوهاج والمنيا.
و«كسر القصب» يبدأ فى يناير بإعلان «شركة السكر» افتتاح الموسم والسماح للمزارعين ببدء الكسر.
وهو يشبه العمليات العسكرية فى التخطيط والدقة، حيث يتم بالتوالى حسب الموقع الجغرافى لتفادى المشاكل والخلافات، ولتتمكن الشركة من استيعاب المحصول تدريجيًا.
وكان منطلقًا لفرح عام فى القرى، لأنه يتيح فرص عمل للجميع، وينتظره كثيرون من الموسم إلى الموسم.
وهو أيضًا فرصة اجتماعية لعودة أبناء القرى، المرتحلون خلف الرزق إلى ذويهم واستقرارهم بينهم لأكثر من ثلاثة أشهر، حتى لو قضوها كلها فى العمل الجاد.
ويبدأ الموسم بتشكيل فرق «الرَغَابَة» الذين يتولون العمل فى الحقول، ويبدأون تحركهم مع أذان الفجر، حيث ينتظرهم صاحب القصب ليتولى قيادتهم، ويحدد لهم الكمية المطلوب كسرها، والموقع، ومراحل العمل، وحين يعلن لحظة البدء ينهمكون فى قطع القصب بــ«القَدُوم» الذى يشبه الفأس الصغيرة، وبعد إنجازهم القطع يفصلون أوراق القصب عن الأعواد وتسمى «القلاويح»، وينظفونها من الورق الجاف (العفش)، ويرصونها فى أكوام منتظمة.

ثم يتقدم «الجَمَّالة» ويُبركون جِمالهم بجانب أكوام القصب ويُحَمّلُون «بِشَل القصب» - جمع بِشْلَة وهى المجموعة فى رباط واحد - على جانبى ظهورها بالتساوى حتى لا يتأذى الجمل من ميل «العَرْشْ» المثبت على ظهره، والذى يُربط إليه القصب.
وتنقله الجِمال إلى عربات السكة الحديد الخاصة بشركة القصب والمتغلغلة فى حقول القصب، ويتم تحطيط القصب بنظام بجوار العربات.
ويرفع «الشَّحَّانة» بـ«بِشَل القصب» على أكتافهم، ويرصّونها فى العربات لتحملها إلى مصنع السكر، وإن كان هذا المشهد قد تغيّر اليوم بعد أن استُبدلت الشحّانة بـ«الكَبَّاشة» - رافعة أو ذراع هيدروليكى مزوّد بأسنان أو خطاف عريض - التى قامت مقام الأكتاف المتعبة، فغاب الجهد البشري، وبقيت الذاكرة وحدها تحمل ثقل القصب.
وبعد خلو الحقل من قصبه، يختار صاحبه يومًا خاليًا من الرياح ليبدأ مرحلة القطيعة أى تطهير حقله من (العفش) وحرقه فى مربع بمنتصف الغيط ويتوزع على جوانبه بعض الرجال قبل إشعال النيران ليمنعوا انتقالها إلى الجوار. وبانتهاء «كسر القصب» يذهب النساء والأطفال بأعداد كبيرة إلى الحقول لجمع غنائم «الكَعْرُوب»، أى جذور أعواد القصب لاستخدامها فى التدفئة أو وقودًا للـ«كوانين».

للكعروب فى أيام الأجداد أهمية اقتصادية، كوقود لطهى الطعام، والخبيز، والتدفئة فى شهور البرد، حيث يجتمع حول ناره أفراد العائلات وتحلو الحكايات والذكريات.
أهميته تراجعت مع انتشار البوتاجاز والدفايات، وانعدمت مع الأجيال الحالية، وإن كان البعض لا يزالون يجمعونه فى حنين يائس لأيام رحلت بلا عودة.
يقولون إن زراعة القصب «زراعة الكسلان»، لكن الحقيقة أبعد من هذا الوصف السهل.
ما يعانيه مزارع القصب يفوق بكثير ما يجنيه من مكسب مادي، مكسب يبدو ضئيلاً حين يُقاس بثقل التعب وطول الانتظار.
مزارع القصب لا يزرع محصولًا فحسب، يحرس ذاكرة.
يترك لنفسه شيئًا من أجداده وآبائه، يشم فى رائحة التراب المبلل، وفى سيقان القصب الخضراء، عبق الأيام الأولى. كأن هذه الأرض لا تعطى السكر وحده، بل تعيد لمن يفلحها حكاياته القديمة، وتربط الحاضر بجذور لا تنقطع.



