لعب «التافلا» فى «الفاتح»
ترويها من تركيا: هايدى فاروق يرسمها: أحمد جعيصة
فى الحلقتين السابقتين تحدثنا عن ستة أيام فى رحابة وجمال طرابزون، انتهت سريعًا، وكانت محطتنا الثانية اسطنبول، حيث الصخب والشوبنج وسطوة حياة المدينة.
فى مطار صبيحة التقطنا حقائبنا التى لا تزال خفيفة الوزن، لنتوجه إلى وسط مدينة اسطنبول، وتحديدًا منطقة الفاتح. وبعد عمليات بحث كثيرة قبل السفر استقر رأينا على أنها المنطقة التى تلائم روحنا وبحثنا عن كل ما هو أصلي.
لم نخرج من المطار لنستقل وسيلة مواصلات خارجية، فخطوط المترو داخل المطار توصل إلى أى مكان فى اسطنبول. كان علينا فى البداية شراء اسطنبول كارت، وكنت أعرف أن لونه أحمر. تشتريه من الماكينات المنتشرة فى محطات المترو، ويتم إعادة شحنه بالطريقة نفسها. كانت العملية مربكة لأول مرة، وبعد أن اشترى أحمد الكارت وجدنا لونه أزرق فاتح، فاضطررنا لإعادة عملية الشراء مرة أخرى حتى حصلنا على الكارت الأحمر.
قيل لنا إن الأزرق يستخدم للأتوبيس فقط، أما الأحمر ففى جميع وسائل المواصلات. لكن بالتجربة لاحقًا اكتشفنا أن كليهما يعمل فى كل المواصلات، وهكذا أصبح لدينا كارتان نستخدمهما فى التنقل.
المواصلات العامة فى تركيا سهلة الاستخدام وتغطى اسطنبول كلها، لكن المشكلة الحقيقية تكمن فى الزحام الشديد وبعد المسافات، ما يجعل التنقل معاناة حقيقية. الطريق من مطار صبيحة إلى منطقة الفاتح طويل جدًا، بالأتوبيس يقترب من ساعة ونصف، وفى الزحام قد يصل إلى ساعتين. المترو أسهل، لكن المحطات كثيرة ويحتاج لتبديل الخطوط، ومع وجود حقائب وطفل يصبح الأمر صعبًا.

لذلك، فى رحلة عودتنا إلى القاهرة، وبعدما انتفخت حقائبنا ، كان التاكسى هو الخيار الأكثر راحة طوال الرحلة التى امتدت لخمسة أيام.
شريان للحياة
الفندق يقع فى منطقة قديمة من أحياء اسطنبول، وعلى بعد كيلومترات قليلة من محطة مترو إمينونو وبالقرب من السوق المصرى والجراند بازار، وعلى الجانب الآخر يمكننا رؤية برج جلاطة.
وتطل غرفه على مبنى قديم قيد الترميم. اكتشفت لاحقًا أنه المبنى التاريخى (Unkapanı Değirmeni)، وهو أحد الأبنية الصناعية العثمانية القديمة فى اسطنبول.
كان فى الماضى طاحونة ومخزنًا للحبوب والدقيق. الآن تجرى عليه أعمال ترميم شاملة لإعادة بنائه وتحويله إلى مبنى جامعى تابع لجامعة ابن خلدون، وذلك تحت إشراف بلدية الفاتح وإدارة الترميم التاريخي.
ربما لا تعجب المنطقة بعض الأشخاص، فالفندق يقع فى حى شعبى، لكن فى رأيى الشخصى، ويتفق معى أحمد فى ذلك لامتلاكه روح الفنان، أن المناطق الشعبية فى أى بلدة هى شريانها الحقيقي؛ التجول وحده بين أزقتها كفيل بأن يشبع روحك. سأحدثكم لاحقًا بالتفاصيل عن جمال المنطقة وأصالتها.
لكن دعونى فى البداية أصف الفندق، فهو من الداخل مكسو بالخشب، السلالم والغرف من باركيه خشبي. لوحات فنية تزين الحجرات، وتتصدر واجهة كل دور صورة فنية.
الغرف صغيرة جدًا، وربما كان هذا أسوأ ما فى التجربة.
يقدم الإفطار فى المطعم القابع فى الدور الأرضى، حيث الواجهات الزجاجية مطلة على الحى المتواضع القديم، على المقاهى الشعبية، يجلس الرجال العجائز كل صباح يتصفحون الجرائد وهم يحتسون الشاي. المنطقة متخمة بمحلات الفاكهة والبقالات القديمة التى تفوح منها روائح الجبن والزيتون.
هناك تذوقت زيتونًا أخضر مشويًا لذيذًا جدًا.
الخبز الطازج، السميط، وعربات الطعام الزجاجية تبيع مأكولات متنوعة، إضافة إلى محلات أنتيك صغيرة، وسوبر ماركت، ومحلات حلويات، ومغسلة احتجنا إليها بالطبع.
وجوه الناس جميلة،. يسهرون ليلًا يلعبون الطاولة التركية «تافلا» Tavla المنطقة هادئة على الرغم من شعبيتها وانتشار بعض المتسولين، لكن بشكل عام آمنة، هى فقط باذخة بالحياة.
ما أجمل أن تكون فى قلب المدينة. ترى شوارعها الرئيسة، ناسها الأصليين، ونساءها العجائز المنحنيات الظهور، بلا زينة ولا طلاء، وهن يبتعن الفاكهة والخضروات. خمسة صباحات متتالية وأنا شاهدة على كل هذا الجمال الصافى، الخالى من أى رتوش أو تدخل للمدنية الحديثة بصورتها الفجة التى تحجب الوجه الحقيقى للأماكن.
بالطبع كان مكاننا الأول للزيارة هو برج جلاطة. لا أعرف كيف لم أره فى زياراتى الأولى التى نظمتها الشركة.
ربما كان مكان إقامتى فى 2010 بعيدًا عنه، لكن فى هذه المرة كان حاضرًا بقوة.
الذهاب إليه لم يستغرق وقتًا فقط العبور بين القارتين!
جولة بين قارتين
التقطنا صورًا ونحن على الجانب الآسيوى، ثم عبرنا مترجلين لبضع دقائق حتى وصلنا لحدود القارة الأخرى، حيث يقع جلاطة فى الجزء الأوروبى من مدينة اسطنبول فى منطقة بى أوغلو.
المنطقة لطيفة جدًا، متخمة بمحلات الهدايا والتذكارات والمقاهى ذات الطابع الأوروبى، الأرض من الأحجار البازلتية. المكان يعج بالسائحين من كل الجنسيات.
البرج الحجرى يحتوى على 11 دورًا، يسمى (عين اسطنبول) حيث يمكن رؤية اسطنبول بشكل بانورامى من الأعلى. تذكرة دخوله سعرها مرتفع.
يرجع تاريخ إنشاء البرج للـ«جنويين»، وهم أهل مدينة جنوة إيطاليا، كانوا منافسين شرسين للبنادقة فى التجارة.
بنوا أسوارًا ومبانٍ دفاعية هناك، وأهم هذه المنشآت كان برج جلاطة عام 1348.
بعد فتح القسطنطينية عام 1453، انتقل البرج إلى السيطرة العثمانية، وتحول على مر العصور إلى وظائف مختلفة: سجن، مرصد، برج مراقبة حرائق، وحتى مستودع فى بعض الفترات.
فى القرن السابع عشر، رُبط البرج بقصة شهيرة تُروى عن الطيار التركى حضر حلبى أحمد جلبى، الذى يُقال إنه ارتدى أجنحة وحاول الطيران من قمة البرج إلى الجانب الآسيوى من اسطنبول.
وبحسب أسطورة رومانية أخرى تشير إلى أنه إذا ذهب رجل وامرأة إلى برج جلاطة معًا لأول مرة، فإن مصير هذين الشخصين سينتهى بالتأكيد بالزواج من بعضهما البعض.
البلف التركى
لم يعتد ابنى على تناول الوجبات الجاهزة أو الساندويتشات، فهو طفل مصرى أصيل، لا يرضى عن وجبته ما لم تحتو على الأرز والدجاج.
غاب أحمد قليلًا، ثم عاد وهو يحمل طبقًا من الأرز تعلوه «نُسائر من الدجاج» - كما تُقطّع الأم صدر الدجاج لأطفالها - وتحت طبقة الأرز والدجاج حمص مسلوق. يأتى مع الطبق صلصة تُقدّم فى أكياس منفصلة لمن يرغب بإضافتها.
يطلق على هذا الطبق الشعبى (البلف التركي).
تذكّرت حينها أننى عندما قرأت عن المطبخ الأوزبكى، وجدت أن من أشهر أطباقه التقليدية وجبة تُعد مزيجًا من الأرز وقطع الدجاج أو اللحم مع الخضروات والحمص. يبدو أن البُلف التركى قريب جدًا منها فى المكونات وطريقة التقديم.

الأكل فى اسطنبول شهى جدًا، والمطاعم والمحلات متنوعة، وأسعارها متفاوتة، وكل ما يقدم فيها يتميز بجودة عالية.
ترند يستحق التجربة!
طوابير بطول الشارع فى كل وقت من اليوم نهارًا وليلًا خلفها محلات صغيرة بسيطة الديكورات موجودة داخل أماكن حجرية أثرية مفروشة بمناضد محدودة العدد تعلوها زجاجات من عصير الليمون والشطة الحمراء الحلوة.
عند رؤيتى للطوابير فى شارع أمينونو تذكرت طوابير أخرى تلك التى مكثت فيها ساعتين من أجل استلام الباسبور بعد الحصول على تأشيرة الدخول خلالها كان أغلب المنتظرين يتحدثون عن ساندويتش السمك، هذا الترند الذى اشتهر على تيك توك.
تختص مناطق معينة فى اسطنبول بصناعة هذه الشطائر، منها أمينونو وبالقرب من برج جلاطة، وتختلف أسعارها من مكان لآخر.
تعد الشطيرة (الترند) من سمك الماكريل منزوع الشوك والمشوى، ويضاف إليه التوابل والمخللات والليمون ودبس الرمان.
وتسمى(بالك إكمك) Balık Ekmk.
أيضًا قد لفت نظرنا شطيرة أخرى تسمى كوكوريتسى تعتبر من ضمن أطعمة الشوارع المعروفة، فى البداية ظننا أنها من اللحم، لكن ما اكتشفته بعد ذلك أنه لا يحضر من اللحم لكنه عبارة عن أمعاء الخروف أو الماعز تلف بشكل معين على سيخ.
تشوى على نار الفحم ببطء، ثم يُفرم إلى قطع صغيرة ويُخلط مع التوابل والفلفل الحار.
زحام.. زحام
الزحام شديد، فى كل مكان فى اسطنبول فى الشوارع وفى محطات المترو وفى المحلات والمطاعم وأمام شبابيك الصرافات حتى فى المراحيض العامة مطالبًا منك الوقوف لمدة قد تتراوح لربع ساعة أو أكثر فى كل مرة.
حتى أنى أتذكر أنه فى زياراتى الأولى لها فى عام 2010 وقفت عند بداية شارع الاستقلال مترددة فى الولوج إليه، حاولت وتراجعت عدة مرات وانسحبت غير آسفة على عدم دخوله، لكن هذه المرة غامرت ودخلت بقوة الدفع وشهوة الشراء.
يُعدّ التسوق فى اسطنبول هدفًا رئيسيًا لدى كثير من الزائرين، لكنه يحتاج إلى تخطيط مسبق وترتيب للأولويات، حتى لا تتحول الرحلة بالكامل إلى جولات بين المحال التجارية. فتنوع الخيارات وكثرتها يضعك فى حيرة دائمة، ويوقظ شهوة الشراء بشكل يكاد يكون جنونيًا، لدرجة أنك لا تفلت منها حتى عند بوابة الطائرة حيث ينتظرك الـ mini duty free.
الفارق شاسع بين طرابزون واسطنبول؛ فالأخيرة مدينة الزحام، والإغراءات، والعروض التى لا ترحم: اشترِ واحدة واحصل على اثنتين، أو قطعة والثانية والثالثة مجانًا. هنا يضيع الوقت بين المحال، ويتحول التسوق والطعام إلى هوس يومي.
أما طرابزون، فلها جمال من نوع آخر؛ جمال يدعوك للتأمل، ويوقظ إنسانيتك بين الجبال والطبيعة، ويحتضنك شاطئ البحر بأمواجه الهادرة ، فتجد نفسك غارقًا فى حلمٍ من السكينة والطمأنينة.
تجيد تركيا الترويج لمنتجاتها بامتياز؛ كل شيء متوفر: الخامات، الأذواق، الأسعار، والعلامات التجارية المتنوعة.
عالم واسع من مولات (الأوت ليت)، تصطف فيه زجاجات العطور وتفوح روائحها، وتلاحقك مستحضرات التجميل فى كل زاوية، إلى جانب الاكسسوارات، والأحذية الرياضية، ومنتجات العناية بالبشرة والشعر.
فى اسطنبول، تستيقظ فيك غريزة الاكتناز، فتنسى البحر والحدائق والمزارات، أمام شوارع مكتظة بالحقائب المتدلية والواجهات اللامعة.
كانت(مولات الأوت ليت) اكتشافًا؛ تجربة لم أخضها من قبل. تنتشر هذه المولات فى اسطنبول، ويختص كل منها بعلامات تجارية معينة. يمكنك اختيار مول واحد فقط للتسوق، لكن عليك أن تعلم مسبقًا أنه سيستغرق يومًا كاملًا، مهما حاولت أن تكون زيارتك سريعة.
الوصول إلى أى مول من وسط المدينة يستغرق ما لا يقل عن ساعة ونصف،. المترو يظل الخيار الأسهل، بينما لا أنصح بالأتوبيس بسبب تباعد مواعيده وما يسببه من إرهاق.
ومن حسن الحظ أن اليوم الذى اخترناه لزيارة المول كان ممطرًا، فبقينا داخله طوال اليوم دون شعور بالذنب، وكأن المطر منحنا مبررًا مقنعًا لإضاعة يوم كان يمكن استثماره بشكل مختلف. وفى الفود كورت اختتمنا الجولة بطبق دافئ من شربة العدس، فهو طعام تقليدى يتناوله الأتراك فى كل وقت.
ويسكى بلدى
تذكرت «شفاعات» الفنانة تحية كاريوكا وهى تشمر جلبابها البلدى، فيخمش صوت أساورها الذهبية الكبيرة فى أذن الشاب الريفى المسكين إمام.
ولكى تهب له قبسًا من الجرأة، تطلب له كوبًا من الويسكى البلدى، وتغمز له بطرف عينها كى يشربه دون تذمر أو سؤال.
نعم، هذا الكوب كرعه أحمد فى شارع اسطنبول (مية الطرشي)، كان آخر ما توقعت أن أجده. عربات تبيع مياه الطرشى للمارة وتضع لها سعرًا؛ فماء الطرشى من دون قطع المخلل بـ60 ليرة، أما كوب الطرشى بقطع المخلل فيصل سعره إلى 80 ليرة.
سر جمال نساء تركيا
وقفت مذهولة مما لمحته، وحتى أستوعب الكلمة المكتوبة بالإنجليزية شعرت كأننى أعيد دروسى فى الابتدائية. أهمس لنفسي: نعم.. donkey حمار، وmilk حليب! صابونة بحليب الحمير!
تعافنى نفسى عن تجربتها، وأمد بضع خطوات مبتعدة عن المحل الذى يعرضها بجوار أنواع أخرى من الصابون: حليب الماعز، وزيت العرعر.
ثم أعود إليها من جديد بخطوات حائرة بينما يسبقنى أحمد ببضعة أمتار دون أن يلتفت إلى أنواع الصابون المختلفة التى يزدحم بها الشارع كله وتتراص فى كل جنباته، أناديه، فيأتى متسائلًا عن سبب وقوفى المتكرر، فاليوم أمامنا طويل. أشير إلى الصابونة التى يتصدر غلافها صورة حمار صغير. يبدى اندهاشًا تعقبه ضحكة، ثم يهمّ بأن يمضى دون توقف، غير مدرك أننى ما زلت حائرة بين خيالى عن مصدر الصابونة وبين فوائدها المذهلة المكتوبة عليها بالعربية: تشد الوجه، تقضى على التجاعيد، وتمنح الجلد شبابًا.. كلام تطرب له البشرة!

أقرر شراءها. ماذا سيحدث؟ كفى ترددًا، هكذا أقول لنفسي. أشترى ثلاث قطع، وأتخيل شقيقتى فرحة بالهدية، وصديقتى، وزميلتى مى الوزير، فقد جلبت لها واحدة أيضًا لشغفها بهذه النوعية من الهدايا.
يستعيب أحمد ما جلبته لهما مرددًا: «يا شيخة.. عيب!» لكنه لا يدرى أن مثل هذه الهدايا تُحرّك غريزة المرأة وحبها للاكتشاف والتجربة.
وتحتل صابونتى مكانها فى حمام الفندق فور عودتى، لترافقنى بقية الرحلة.
وتدخل منتجات العناية بالبشرة الفرنسية التى اصطحبتها معى فى حقيبة السفر، فلم يعد لها بريق بعد صابونة الحمير. فهل هى سر جمال النساء فى تركيا؟
طيور النورس تعبر الطريق!
كانت الجولة البحرية أجمل ما فى الرحلة. كنت أنتظر هذا اليوم لرؤية طيور النورس وهى تحلق حول السفينة.
طيور النورس فى تركيا يمكن رؤيتها فى كل مكان؛ تحلق فى السماء، وتسير بجانبك ليلًا ونهارًا فى الحدائق والشوارع، ويمكنها حتى أن تعبر الطريق معك!
لكن فى الرحلة البحرية كان المشهد مختلفًا. أعددنا العتاد، بضع وحدات من السميط التركى، لإلقاء بعض الفتات فى الهواء، فتجتمع الطيور فى مشهد آسر، محلقة بأجنحتها البيضاء تصدح فى سعادة.
استمرت الرحلة ساعة ونصف، وهى معروفة باسم رحلة البسفور البحرية، وتعد واحدة من أشهر التجارب السياحية فى المدينة، حيث تمضى فى البحر وأنت تشطر القارتين.
تخوض السفينة فى مياه مضيق البسفور نفسه، وهو ممر مائى طبيعى يربط بين البحر الأسود من الشمال وبحر مرمرة من الجنوب.
تمر الرحلة بعدة أماكن رئيسية، خاصة على الجانب الأوروبي.
مررنا بقصر دولما بهجة، وهو قصر عثمانى رائع يقع مباشرة على البحر. استُخدمت كمية ضخمة من الذهب فى زخرفته، وتقدر بنحو 14 طنًا، كما قيل لنا عبر مكبرات الصوت باللغات العربية والإنجليزية والروسية.
ثم مررنا بجسر البسفور المعلق الأول، وهو أحد رموز اسطنبول، ويبلغ طوله 1560 مترًا، وارتفاعه 65 مترًا، وعرضه 33 مترًا، وقد افتتح عام 1973.
كما مررنا بجسر البسفور الثانى، المعروف باسم جسر السلطان محمد الفاتح، ويبلغ طوله 1560 مترًا، وارتفاعه 65 مترًا، وعرضه 39 مترًا.
وشاهدنا قلعة روملى حصار، التى بنيت بأمر من السلطان محمد الفاتح عام 1452 بهدف السيطرة على مضيق البسفور وتجهيز فتح القسطنطينية. وقد تم بناؤها خلال أربعة أشهر فقط، بمشاركة آلاف الجنود والعمال.
كما مررنا بأول مدرسة ثانوية عسكرية فى اسطنبول، والتى تخرج منها مصطفى كمال أتاتورك، وقد بنيت فى عهد السلطان عبد المجيد الأول، وتحولت بعد عام 2016 إلى متحف.
ومن أبرز المعالم التى ظهرت لنا مسجد أورطا كوى، ويعنى اسمه بالعربية القرية الوسطى. يقع المسجد على ضفاف مضيق البسفور فى الجانب الأوروبى من اسطنبول، وقد بنى عام 1854 فى عهد السلطان عبد المجيد الأول، ويعد المسجد من أجمل وأبرز معالم اسطنبول.
احذر أن تبدى السعادة
بطريقة استعراضية، وبطرقات متتالية داخل الآنية التى يوضع فيها الآيس كريم، وبخفة يد، يمد بائع الآيس كريم التركى عصا طويلة تتأرجح فوقها يمينًا ويسارًا بسكويتة من الآيس كريم متخمة بنكهات مختلفة لها قوام مطاطى.
يقربها من وجهك، يلفها للأسفل، يسحبها بسرعة، يقلبها ويمدها من جديد دون أن تسقط. يتواجد بائعو الدوندورما Dondurma بكثرة لافتة فى شارع الاستقلال، يطاردونك فى كل شبر. واحذر أن تبدى سعادتك بهذا العرض راقبهم عن بعد إن كنت تريد ولا تقترب، لا تعطهم أى انتباه وتذكر أنى حذرتك ألا تقف. لأنننا وقفنا وضحكنا والتقطنا الصور، فمد البائع عصاه الطويلة، معلقًا فيها بسكويتة الآيس كريم، مداعبًا ابني. وبقدرة قادر، آسر الذى يرفض تذوق الآيس كريم طيلة سنوات عمره الخمس.. يخرج لسانه ويلعق البولة الطائرة فى الهواء.
وطبعًا، هكذا تكون حسبت علينا. بهذا الشو المبالغ فيه، دفعنا ما يقارب من 700 جنيه ثمنًا لبولتين من الآيس كريم. أربعون عامًا من الذكريات
لا يمكن أن تزور تركيا ولا تشرب القهوة. وكما يحسن الأتراك صنع الشاى وتقديمه والاعتزاز به، فإنهم أيضًا يعتزون بالقهوة وتقاليدها، فهى جزء أساسى من الثقافة التركية.
عند زيارة الأصدقاء أو العائلة فى تركيا، تقدم القهوة التركية دائمًا فى كل مناسبة، وتعرض عليك فور دخول أى بيت. وهى جزء أساسى من احتفالات الزواج والخطوبة والولادة.
فى عام 2013، أدرجت ثقافة وتقاليد القهوة التركية ضمن قائمة التراث الثقافى غير المادى لمنظمة اليونسكو، ومؤخرًا وثق الاتحاد الأوروبى القهوة التركية كمنتج تقليدي.
ويقول المثل التركي:
«كل فنجان قهوة يحمل 40 عامًا من الذكريات»، وهو ما يعكس مدى أهمية هذا المشروب فى الثقافة التركية. الكنكة التركية تسمى Cezve، وتوجد أنواع عديدة من القهوة، منها: قهوة منينجيك، وقهوة ديبك، وقهوة مرة، ويأتى طعمها المر من تحميص الحبوب مرتين وعدم طحنها ناعمة كما فى القهوة التركية التقليدية، وغالبًا ما يضاف إليها الهيل.
ولتسوية القهوة عدة طرق، منها: على الرمل، وهى الطريقة التقليدية، وعلى الفحم، ومع القهوة تحلو قطع الحلوى البقلاوة واللقمة و(حلقة تاتليسى) Halka Tatlisi، المعروفة أيضًا باسم الشورّو التركي.
أما السوتلاج التركى فهى حلوى لذيذة تشبه الأرز باللبن المصرى، وتشتهر بها اسطنبول، يقدم باردًا أو ساخنًا.
وبالطبع ابتعدتُ عن المحلات المعروفة المتخصصة فى بيع الحلويات، حيث الطوابير الطويلة والأسعار غير المعقولة. اكتفيتُ بالتقاط الصور عندها، مثلى مثل الكثيرين.
الترام النوستالجى
فى شارع الاستقلال بوسط اسطنبول تسير عربة ترام حمراء قديمة لافتة للأنظار، يحرص السياح والمارة على الاحتفاء بها تصويرها وركوبها.
هذا هو الترام التاريخى النوستالجى الذى ينطلق من ميدان تقسيم ويقطع شارع الاستقلال ذهابًا وإيابًا، ليبقى على أحد الرموز التاريخية للمدينة حيًا.
يُعد شارع الاستقلال واحدًا من أهم الشوارع التجارية والسياحية فى اسطنبول. قبل تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، كان معروفًا بـ«جراند رود» أو الشارع الكبير وتم تغيير اسمه لشارع الاستقلال تخليدًا لحرب الاستقلال التى قادها مصطفى كمال أتاتورك.
وفى ميدان تقسيم أيضًا يقع نصب الجمهورية الذى نحته الفنان الإيطالى بيترو كانونيكا، وتم افتتاحه عام 1928 ليخلد تأسيس الدولة التركية الحديثة.
أقدامنا للريح
نترك أقدامنا للطرقات، نتجول بلا هدف، من شارعٍ إلى آخر، تفرض بعض الجولات نفسها علينا دون تخطيط. بهذه الطريقة وحدها نكتشف أماكن لم تكن فى الحسبان، لكنها غالبًا ما تكون الأجمل والأصدق. فمتعة الاكتشاف تظل أعظم مكاسب السفر.
ساقتنا أقدامنا من شارع إلى آخر، ومن عطفة إلى أخرى، فعرجنا بشوارع تجارية متخصصة؛ أحدها للمفروشات والأقمشة المطرزة، يتوسطه تمثال لبائع قماش يمسك بثوب كبير، مانيفاتورة.
بعد جولاتٍ متتابعة، وجدنا أنفسنا داخل باحة المسجد الأزرق، ثم عرجنا إلى البازار الكبير؛ ذاك السوق المسقوف العريق الذى يضم مئات المحال، ويُعد واحدًا من أقدم وأشهر الأسواق المغطاة فى العالم.
بدأ إنشاء البازار الكبير بأمر السلطان محمد الفاتح بعد فتح اسطنبول، خلال الفترة ما بين 1455 و1461، وبدأ كسوق صغيرة للمنسوجات، ثم اتسع عبر القرون ليصبح عالمًا متكاملًا يعرض كل ما يمكن تخيّله: الهدايا التذكارية، والتحف، والأعشاب الطبية، والتوابل، وأنواع الشاى المتعددة التى تُقدَّم لكل ذوق وغرض.
وعلى مسافة ألآمتار من البازار الكبير تمتد السوق المصرية (سوق التوابل)، وهى من أشهر أسواق اسطنبول التاريخية. بدأت أعمال بنائها فى أواخر القرن السادس عشر ضمن مجمع الجامع الجديد فى عهد السلطان مراد الثالث، ثم اكتمل فى عام 1660. وتعدّ اليوم ثانى أكبر سوق تقليدية فى المدينة بعد البازار الكبير.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن تسمية «السوق المصري» جاءت لأن المكان كان مركزًا لتجارة التوابل والبضائع الواردة من الهند وجنوب آسيا عبر مصر قبل وصولها إلى اسطنبول، فكانت حلقة وصل مهمة بين الشرق والغرب.
داخل السوق المصرية قصر الآذان الخشبى الموجود بميدان الدعاء حيث كان يجتمع قديمًا أرباب الأعمال يبدأون صباحًا فى هذه النقطة التقاطعية ثم يبدأون بممارسة أعمالهم يوميًا آملين استجابة دعائهم.
حقيقة48 ضريحًا
تنتشر على منصات التواصل الاجتماعى مقاطع تتناول أحد المساجد فى اسطنبول، وتحديدًا الأضرحة الملحقة به، والتى يُقال إن عددها يصل إلى 48 ضريحًا.
وتُروى فى هذه المقاطع قصة تربط تلك الأضرحة بالسلطانة صفية سلطان، زوجة السلطان مراد الثالث وأم السلطان محمد الثالث.
بحسب الرواية المتداولة، فإن صفية سلطان، وهى غير تركية الأصل ويُرجح أن جذورها تعود إلى إيطاليا، وكان اسمها قبل الإسلام صوفيا، كانت شخصية شديدة النفوذ فى البلاط العثماني.
وتزعم القصة أنه عند وفاة السلطان مراد الثالث عام 1595م، وتولى ابنه محمد الثالث العرش، أرسلت صفية مجموعة من العبيد لخنق ثمانية عشر أميرًا فى ليلة واحدة، حتى ينفرد ابنها بالحكم، ثم حاولت التكفير عن ذنبها ببناء هذا المسجد.
هذه الرواية، بصيغتها الدرامية، يكررها بعض صنّاع المحتوى على أنها حقيقة تاريخية مكتملة، لكن ما الحقيقة الفعلية؟
دخلتُ الصحن الجانبى حيث تنتشر الأضرحة، وقد خيم عليّ شعور بالرهبة.
رجال ونساء يخلعون أحذيتهم، يتقدمون فى خشوع، يتمتمون بالأدعية، ويمسحون دموعًا لا تبدو بكاء على «ضحايا» بقدر ما تبدو دموع طلب للمغفرة.
وتسلل إلى ذهنى السؤال البديهي: هل يُغفر قتل النفس ولو ببناء ألف مسجد؟
كان البحث عن الحقيقة هو ما سيطر على تفكيري.
واعتمدت، كعادتى، على المصادر الرسمية بدل فوضى الإنترنت.
الباركود الموجود على مدخل الموقع قادنى إلى البيانات الموثقة، والتى أوضحت بجلاء أن المكان هو: ضريح السلطانة خديجة تورهان.
شُيّد عام 1663م ضمن مجمع الجامع الجديد (Yeni Camii Külliyesi) على يد المعمارى مصطفى آغا، بأمر من السلطانة خديجة تورهان، زوجة السلطان إبراهيم ووالدة السلطان محمد الرابع.
ويضم الضريح رفات عدد من السلاطين العثمانيين، منهم: محمد الرابع، مصطفى الثانى، أحمد الثالث، محمود الأول، وعثمان الثالث، إضافة إلى عدد من الأميرات والأمراء الذين توفوا طبيعيًا، وهو أمر شائع فى ذلك العصر بسبب الأوبئة وضعف الطب.
فما علاقة صفية سلطان بهذا المكان؟
الحقيقة التاريخية أن صفية سلطان بدأت بناء جامع «يني» عام 1597م.
توقف المشروع طويلًا بسبب الاضطرابات السياسية والمشكلات المالية والاعتراضات الاجتماعية.
وتوفيت صفية قبل اكتمال البناء، ثم أعادت السلطانة خديجة تورهان إحياء المشروع وأتمّت بناءه عام 1663م.
ولهذا يُعرف الجامع باسم Valide Sultan Mosque (جامع والدة السلطان)، لأنه مشروع ارتبط بسلطانتين من «سلطنة النساء».
أما الأضرحة، فهى ليست فى صحن الصلاة، بل فى مساحة جانبية ملحقة بالمجمع، وهى أضرحة رسمية لأفراد الأسرة العثمانية، ولا توجد أى مصادر تاريخية موثوقة تثبت أن أطفالًا قُتلوا أو دُفنوا هناك كضحايا صراع على الخلافة.
وتشير المصادر الأخرى إلى أن قتل الإخوة كان ممارسة سياسية معروفة فى الدولة العثمانية خلال فترات معينة، لكنه كان يتم بقرارات سلطانية داخل القصر، ويدفن رسميًا خارج المساجد.
واللافت تاريخيًا أن السلطانة خديجة تورهان، بعد صراعها مع حماتها السلطانة كوسم الذى انتهى بمقتل الأخيرة. اتجهت بعد ذلك إلى الأعمال العمرانية، فأتمت جامع «يني»، وبنت القلاع والسبل، ثم توفيت عام 1683م، ودُفنت فى ضريحها مع أفراد الأسرة العثمانية.
تركيا بلدة متفردة، فرادتها تنبع من اختلافاتها، تلك التى تمنحها مذاقات متعددة، فيجد كل قادم غايته فيها. تركيا ليست اسطنبول وحدها، وإن كان لا مناص من زيارتها، فكل مكان فيها مغامرة جديدة، تستحق أن تكتشف، وتستحق أن نرويها.