محمد مقبل
أيام «مارتن لوثر»
شهر التعافى من متلازمة «العنصرية»
شهر الحقوق المدنية.. هكذا تصف وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدنى العاملة داخل الولايات المتحدة شهر يناير ضمن إطار مبادرة أطلقتها العديد من المنظمات غير الحكومية قبل نحو عقد من الزمان لزيادة الوعى بالحريات المدنية وتعزيز قيم الدفاع عن حقوق الإنسان ونبذ الفصل العنصرى.
ويشهد شهر يناير هذا العام أكثر من مناسبة تدور فى فلك دعم الحقوق المدنية والحريات المدنية، على رأسها الاحتفال بيوم المناضل الأمريكى من أصول أفريقية (مارتن لوثر كينج الابن) الذى يحيى الأمريكيون ذكرى ميلاده يوم الإثنين الثالث من شهر يناير من كل عام.
وبالتوازى، فإن منظمات المجتمع المدنى أضافت إلى شهر يناير شعارًا آخرًا هو «شهر التعافى من آفة التمييز العنصرى».

وتعزيزًا لهذه الرؤية فقد وقّع الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون فى عام 1994 على قرار اعتمده الكونجرس يقضى باعتبار ذكرى ميلاد مارتن لوثر كينج، يومًا وطنيًا للخدمة الاجتماعية،
ودعا الأمريكيين من مختلف الأطياف والشرائح للتطوع بوقتهم وتكريس جهودهم للمساعدة فى تحقيق رؤية دكتور كينج فى ترسيخ دعائم الحرية فى المجتمع وتعزيز مبادئ الإخاء والمساواة والعدالة الاجتماعية.
وبحسب منظمات المجتمع المدنى الأمريكية، فإن هذه المناسبات الثلاث تتقاطع عند نقطة التقاء واحدة تتمحور حول كفاح أستاذ اللاهوت والمناضل السياسى الراحل مارتن لوثر كينج الذى ناضل خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين لأجل ترسيخ قيم العدالة الاجتماعية والمساواة فى الحقوق ونبذ التمييز العنصرى.
قصة ميلاد
ولد مايكل لوثر كينج، فى يناير من عام 1929 فى أطلانطا بولاية جورجيا الأمريكية وحمل اسم (مايكل)، لكن والده غير اسمه إلى مارتن نسبة إلى الراهب الألمانى وأستاذ اللاهوت مارتن لوثر، الذى أطلق ثورة للإصلاح الدينى فى أوروبا فى القرن السادس عشر.
وقد تأثر والد كينج بمنهج لوثر الإصلاحى خلال سفره لألمانيا عام 1934 وقرر تغيير اسم ولده مايكل منذ ذلك الحين إلى مارتن.
وحصل دكتور مارتن لوثر كينج على الدكتوراه فى فلسفة اللاهوت عام 1955 وهو التاريخ الذى يؤرخ لبداية نضاله فى مجال حقوق الإنسان من خلال تنظيمه لمسيراتٍ احتجاجية سلمية أطلق عليها الإعلام الأمريكى وقتها اسم «احتجاجات مونتجمرى لمقاطعة الحافلات».
وانطلقت تلك الاحتجاجات فى بلدة «مونتجمرى» بولاية ألاباما على خلفية اعتقال المواطنة الأمريكية من أصول أفريقية «روزا باركس» لرفضها محاولة راكبٍ أبيض البشرة إرغامها على إخلاء مقعدها والوقوف داخل الحافلة، ما أدى إلى اعتقالها فى ديسمبر من نفس العام.
وطالبت المسيرات التى نظمها دكتور لوثر كينج فى ديسمبر من عام 1955 بنبذ التمييز العرقى فى التوظيف والتعليم وحظر الفصل العنصرى فى المرافق العامة.
وتمخضت جهود دكتور كينج فى الخمسينيات وحتى مطلع الستينيات فى مجال مكافحة التمييز العنصرى عن تأسيس ما يعرف بمؤتمر القيادة المسيحية الجنوبى الذى رسخ لمبدأ الاحتجاجات السلمية واللاعنف للمطالبة بالحقوق المدنية الأساسية للسود والملونين داخل المجتمع الأمريكى.
وفى عام 1965، ساعد كينج فى تنظيم مسيراتٍ انطلقت من مدينة سِلما بولاية ألاباما وصولا إلى مبنى الكابيتول فى بلدة مونتجمرى التى نادت بحظر القيود العنصرية على التصويت.
ونجح لوثر عبر مسيراته الاحتجاجية السلمية فى الضغط على الكونجرس من أجل تمرير تشريعٍ يقضى بحق الأمريكيين من أصول أفريقية فى التصويت بالانتخابات والذى اعتبر بمثابة إنجاز مفصلى فى تاريخ حركة المجتمع المدنى داخل الولايات المتحدة.
وحصل مارتن لوثر على جائزة نوبل للسلام عام 1964 تقديرًا لجهوده فى مكافحة العنصرية وتحقيق المساواة بالطرق السلمية.

واقعة اغتيال
كان لوثر كينج يخطط لمسيراتٍ حاشدة فى واشنطن العاصمة تحت مسمى حملة الفقراء، قبل أن يتم اغتياله فى 4 أبريل 1968 فى مدينة ممفيس بولاية تينيسى، وأعقبت وفاته أعمال شغبٍ اندلعت فى العديد من المدن الأمريكية.
عرفانًا من المجتمع الأمريكى والحكومة الاتحادية بدور لوثر فى دفع مسيرة الحقوق المدنية قدمًا وكفاحه فى مضمار إلغاء التمييز العنصرى قلدت الحكومة الفدرالية كينج بعد وفاته وسام الحرية الرئاسى والميدالية الذهبية للكونجرس.
وطرح الكونجرس مشروع قانونٍ فى 1971 لتحويل ذكرى ميلاده لعطلة فيدرالية وتم اعتماده فى الكونجرس عام 1983 قبل أن يصدق عليه الرئيس الأمريكى الأسبق رونالد ريجان 1986 ثم تحول على يد الرئيس الأسبق بيل كلينتون فى 1994 إلى يوم وطنى للخدمة الاجتماعية.
لم يقتصر التكريم على اعتماد ذكرى ميلاد لوثر كينج عطلة فدرالية فحسب، وإنما امتد لمبادرات أخرى أشادت بدوره النضالى، عبر إعادة تسمية عشرات الشوارع فى الولايات المتحدة تكريمًا له، كما تم تشييد نصبٍ تذكارى له فى ساحة (ناشونال مول) بقلب واشنطن العاصمة فى عام 2011.
وتشهد كبرى مدن الولايات المتحدة فى يناير الجارى مسيراتٍ لإحياء ذكرى مارتن لوثر كينج انطلاقًا من فلوريدا مرورا بتكساس وصولًا إلى أوكلاهوما وواشنطن العاصمة.

لا يقتصر إحياء ذكرى لوثر كينج هذا العام على المسيرات والاحتفالات فحسب، فقد أقامت مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا فى يناير الجارى مهرجانًا للمتطوعين يركز فيه المشاركون على التوعية بقضايا العدالة الاجتماعية ونبذ التمييز العنصرى والدعوة لتحقيق السلام ووقف الحروب تتجاوز الحدود المحلية إلى آفاق العالمية، وذلك استجابة لرؤية مارتن لوثر كينج حول السلام ومفادها أن «السلام لا يعنى غياب الحروب بقدر ما يعنى تواجد العدالة التى فى غيابها تدفع الدول إلى الدخول فى صدامات عسكرية».



